أصحاب البشرة السمراء.. صوت عراقي آخر ينشد المساواة

عاشت الأقلية السوداء في العراق ظروفا اجتماعية وسيــاسية واقتصادية ومهنية قاسية في بلاد الرافدين، إلا أنها عانت من التمييز الاجتماعي على مدى كل المراحل التاريخية المتنوعة التي مر بها العراق، ورغم أن الولايات المتحدة الأميركية فتحت بالحرب عام 2003 باب الديمقراطية على مصراعيه إلا أنها فاقمت من التناقضات والانقسامات بالمجتمع العراقي لما أفرزه تدخلها بالحرب في العراق من ظهور الجماعات الإرهابية والسماح لطهران ومشروعها الطائفي الذي عمدت فيه إلى توظيف خصوصيات العراق الثقافية والعرقية لتمكين أجنداتها التخريبية من التوغل أكثر في المنطقة.
السبت 2017/01/28
أقلية تحمي تاريخها بالغناء

تميز المجتمع العراقي على مدى تاريخه بتنوعه العرقي والديني وأثرى هذا التنوع العراق ثقافيا وحضاريا، إلا أن العراق ما بعد حرب نشر الديمقراطية الأميركية عام 2003 وما بعد ظهور داعش تحول ثراءه ذاك إلى تناقض واختلاف وطفت على السطح هموم الأقليات ومنها العراقيون ذوو البشرة السوداء.

ويعيش بالعراق طائفة من أصحاب البشرة السمراء، وعلى وجه الخصوص بالبصرة، فهذا الميناء الاستراتيجي مفتوح على البحر من جهة شمال الخليج ويحفل بنشطات اقتصادية، إذ تصلها بضائع الصين والهند والسند وأفريقيا، وكان أجداد هؤلاء جزءا من الحراك الاقتصادي وتأسسوا فيها عبرالتاريخ، وكانت ثوراتهم من هناك.

برز من أصحاب البشرة السمراء، عبر التاريخ الإسلامي، فقهاء ورواة ومحدثون ومغنون وأطباء وحكام أيضا، كآل نجاح باليمن، وهم سلسلة ملوك، وقبلهم برز كافور بمصر.

على الرغم من أن العبودية انتهت بالعراق في العهد العثماني، وذلك بحدود سبعينات القرن التاسع عشر، وكان الموقف من العبودية لهذه الطائفة قد حددته بريطانيا في علاقتها مع الدول، فبعد إنهاء بيع وشراء العبيد ببريطانيا في ثلاثينات القرن التاسع عشر، اتخذت لندن قرارا حاسما يحدد اتفاقياتها مع الدولة، وبهذا تحرر أصحاب البشرة السوداء في معظم البلدان العربية الإسلامية.

تعسف اجتماعي

لما صدر الدستور العراقي (1925) كان هؤلاء ضمن المحررين، فقد ورد في الدستور أن العراقيين سواسية أمام القانون، غير أن النوازع الاجتماعية ظلت قائمة ضدهم، في الزواج مثلا، بما يُعرف بتكافؤ النسب، مع أن معظمهم أخذ لقب العشيرة التي كان مملوكا لشيوخها، وبعد تأسيس الدولة الحديثة حصلوا على الوظائف وفرص التعليم والحياة العامة الاعتيادية.

في الدستور العراقي ورد أن العراقيين سواسية أمام القانون غير أن النوازع الاجتماعية ظلت قائمة ضدهم

أما التمييز فليس له علاقة بالعبودية نفسها إنما بلون البشرة، فمن المعلوم أن العبيد البيض ينتهي التمييز الاجتماعي ضدهم بمجرد التحرير أو مثلما يُعرف في الفقه الإسلامي بالعتق، فهؤلاء يختلطون في المجتمع بلا قيود، إلا في النادر من الحالات أي عند من يبحث عن الأُصول والأنساب، أما أصحاب البشرة السمراء فالتمييز يبقى يطاردهم، كعرف اجتماعي عشائري.

تحت هذا الضغط طالب الناشط البصري جلال ذياب أمين بحقوق تخص طائفته، ففي تصريحات إعلامية في يوليو 2008 استغل الناشط زيارة باراك أوباما إلى العراق قبل أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة الأميركية للنظر في أمر هذه الشريحة الاجتماعية، بل طالب باعتذار عمّا واجهته طوال تاريخ طويل.

نظر أمين إلى تطور العالم في أن يكون صنوهم باللون، قاب قوسين أو أدنى من عرش أقوى دول العالم، بينما هم يقتلون بالبَصْرة.

وما يزيد القلق ويشرع للمفارقة إعادة مجد التعسف الاجتماعي، على أساس تصنيف الناس إلى خواص وعوام على المستوى الرسمي، وفي وزارات ما يُعرف بمكاتب السادة، مع أن البلد فتح باب الديمقراطية على مصراعيها، لكن كلا يريد تفصيلها على مقاس مصلحته.

وقد ساهم أصحاب البشرة السمراء في ثقافة البلاد وفنونها، وبثوراتها فهم أحفاد الزنج، وإن كان المُراد بتسميتها طعنا، حسب مجريات التمايز آنذاك. كانت ثورة كبقية الثورات إلا كونها انفجرت بالبَصْرة وهم من سُكانها فساهموا في رفع المظلمة.

بيد أن من طبيعة الثورات يتلقف مغانمها السُراة، وسرعان ما يتنكرون لشعاراتهم. وهم أحفاد الجاحظ البصري (255 هجري)، والدليل ما رواه ابن اخته “كان جد الجاحظ أسود (تاريخ بغداد)، وتجده معترفا عندما صنف رسالته فضل السودان على البيضان”.

المساواة ضرورة وطنية

وعلى أرجح الظن فإن فيلسوف المعتزلة أبا الهذيل العلاف البصري (227 هجري) كان من ذلك الأصل، وقيل لما جاء “لولا هذا الزرجي لخطبنا بالإلحاد على المنابر وكان شديدة السُّمرة” (فضل الاعتزال). هذا، والقائمة تطول إن سطرنا أسماء الشعراء والمتكلمين والأدباء والمغنين من أهل البَصرْة بالذات لا خارجها.

عمرو بن بحر الجاحظ، الذي ليس للعراقي ما يخفف به من وطأة الجهل الغالب على مفاصل الحاضر إلا بأمثاله، أخذ يشتم من على منابر صلاة الجمعة على أنه عميل للاستعمار، أي الدولة البيزنطية، وبأنه أحد مروجي الفلسفة اليونانية ضد الإسلام! فتأمل ما تعبأ الرؤوس به! فأقول: لعلَّ شأنا مذهبيا منع هذا الخطيب من الإقرار بالتلمذة إلى أبي حامد الغزالي (ت 505هـ) في “تهافت الفلاسفة” وسواه.

تاريخ من الاضطهاد

من تلك الاضطهادات غير الملموسة لغيرهم، كان الطلبة، من هذه الشريحة، يتعلمون في المقرر المدرسي، حفظ قصيدة المتنبي (قُتل 354 هجري) في هجاء أبي المسك كافور الأخشيدي (357 هجري)، وهو أحد أصحاب البشرة السمراء الذي يقول ” لا تشتر العبدَ إلا والعصا معه إن العبيدَ لأنجاس منَاكيد”.

كذلك ما زال قارئ مقتل الحسين في العاشر من عاشوراء، يقرأ على لسان جون مولى أبي ذر الغفاري، وهو يتقدم لنصرة الإمام في يوم قل الناصر فيه من الجنس الأبيض، وتسمع بصوت عبدالزهراء الكعبي الشجي “والله إن حسبي للئيم، وأن لوني لأسود، فتنفس عليَّ الجنة ويطيب ريحي، ويشرف حسبي، ويبيض وجهي”، ناهيك مما ورد في رسائل الفقهاء والأحاديث الموضوعة في شأن معاملتهم الاجتماعية، ولا نأتي بها كي لا نزيد في طنبور الكراهية نغمة.

مع العلم أن أغلب أصحاب هذه البشرة من المنطقة الجنوبية والوسطى بالعراق كانوا من الشيعة الإمامية، ويساهمون في خدمة العزاء الحسيني والمواطب المنطلقة إلى كربلاء في ما عُرف بزيارة الأربعين، في العشرين من صفر في كل عام.

إلا أن التاريخ الإسلامي لا يخلو من إنصاف لهذه الجماعة، حيث صُنفت في شأن السُّمر ودورهم الحضاري عدة كتب “تنوير الغبش في فضل السُّودان والحبش” لابن الجوزي (597 هجري)، و”أزهار العروش في أخبار الحبُوش” لجلال الدين السيوطي (ت 911هـ)، و “الطراز المنقوش في محاسن الحُبوش” لمحمد عبدالباقي البُخاري (ت 993 هجري)، وغيرها.

وإنها إشكالية كبرى وأزمة ثقافية عميقة، في المجتمع والدين أيضا، عندما يُحتفى بشخص مثل بلال الحبشي، أول مؤذن في الإسلام ولُقب بمؤذن الرَّسول، وارتقى سطح الكعبة وبث الآذان منها يوم فتح مكة، لكن عندما يُنظر في لونه يُعامل أحفاده يُنظر إليه أسود اللَّون، بل إن السواد كلوّن صار صنونا للاحتقار، فيُقال حظ أو فأل أسود ومصير أسود، ولم يُكتب لصالح هذا السواد إلا بعد أن اتخذ العباسيون الرَّاية السّوداء والعمامة السَّوداء، فكتب الجاحظ رسالته “فخر السُّودان على البيضان”.

ما يزيد القلق ويشرع للمفارقة إعادة مجد التعسف الاجتماعي، على أساس تصنيف الناس إلى خواص وعوام

فبعد الفترة النبوية والراشدية ظهرت إقطاعيات الأرض والملكيات الكبيرة للأمراء، وهذه بحاجة إلى عبيد لذا انتهت الفترة الذهبية، التي كانت ما إن يدخل الأسود الإسلام إلا وذاب مع الجماعة، لكن ذلك كان لحاجة تثوير السود ضد أسيادهم، وبالفعل كان ذلك.

مع أن الدراسات تُشير إلى أن الإسلام كدين يعتبر العتق لأقل الأسباب، طريقا تدريجيا لإعلان إلغاء العبودية، غير أن الفقهاء ظلوا يتمسكون به كشريعة صالحة لكل زمان ومكان، حسب تصورهم.

ضمن الإيذاء الذي لحق أصحاب هذه الطائفة، سواسيا مع طوائف العراق الأُخر، حيث لقى صاحب الدعوة إلى مساواتهم اجتماعيا جلال أمين حتفه (2013) على يد مجهولين غير مجهولين، فمعروف من يهيمن على البصرة من جماعات مسلحة وميليشيات شبه رسمية.

لقد حاول جلال ذياب أمين التهيئة الروحية والثقافة العميقة للمساواة التي يطلبها لقومه، ومنها إزالة ما في منهج دراسي، أو رسائل فقهية، والحذر مما ينسل من على منابر خُطباء الجمعة.

تلك هي البداية من أجل مساواة اجتماعية لا قوانين ودساتير فقط، فلا يكفي أن يُقال “العراقيون أحرار ومتساوون أمام القانون” إنما المجتمع بحاجة إلى تغيير ما في دواخل النفوس، غير أن تثبيت قانون مثل قانون العشائر أو السواني يجعل دعوة جلال ذياب وطائفته، الذين عاشوا القرون الخوالي عراقيين، في مهب الريح فـي مساواة تضمنها تقاليد العشائر تجاه اللون أو الجنس.

6