أصحاب العمامة البيضاء يواجهون التطرّف الأسود

الخميس 2014/09/18
المؤتمر يرمي إلى إعادة دور الأزهر الفعال في مواجهة التطرف

القاهرة- في إطار سعي مؤسسة الأزهر إلى التصدّي للغلو والتطرف وما يمكن أن ينتج عنهما من أعمال إرهابية، بدا أنّها تجذب الكثير من الشباب الذي ينقصه التأطير والوعي الكافي بسماحة الإسلام، عقدت الرابطة العالمية لخريجي الأزهر الشريف، مؤخرا، مؤتمرا لمناقشة ظاهرة التطرف الديني، تحت عنوان” منتدى الوسطية والحوار”، تطرّق فيه عدد من رجال الدين إلى التعريف بوسطية الإسلام وبقيمه التي ترفض العنف وتحض على التسامح والتعايش.

في هذا الإطار، أكّد الدكتور محمد الفضيل القوصي، وزير الأوقاف المصري السابق، أن الفكر المتطرف أصبح يهدد المنطقة العربية والإسلامية، ويمثل خطراً على الفكرة الحقيقة للإسلام، محذراً من الصورة الذهنية السلبية التي انطبعت في أذهان الأطفال عن الإسلام، الذي يمثل بالنسبة لهم قطع الرؤوس وإراقة الدماء، مشددا علي ضرورة قيام الدعاة ورجال الدين بواجبهم والاضطلاع بمسؤولياتهم تجاه الإسلام، وأن يبذل كل منهم أقصى جهد لديه لتصحيح صورته، حتى وإن استغرق ذلك سنوات.

كما حذر القوصي، من مخاطر منهج “الرايات السوداء التي تستخدمها الجماعات التكفيرية كعلامة للجهاد ثم تسفك تحت مسمّاها دماء المسلمين وتقطع رؤوسهم”، مشيرا إلى أنّ تنظيمات مثل “القاعدة” و“داعش” وغيرهما ممن يتخذون من الدين مطية لتحقيق مآربهم “أخطر على الإسلام من أعدائه”.

وفي ذات السياق، حرص القوصي في المؤتمر الذي عقد تحت رعاية أحمد الطيب شيخ الأزهر، على تأكيد فكرة أن مواجهة التطرف أهم أهداف الأزهر وعلماء الدين الإسلامي، الذين يسعون إلى الوقوف أمام أيّ أجندة سياسية يتم توظيف المسائل الدينية فيها، موضحا أنّ الهدف الأول والأساسي هو تصحيح صورة الإسلام ونشر تعاليم التسامح والتماسك والاستقرار، منوها إلى أن أصحاب العمائم البيضاء، في إشارة إلى رجال الأزهر، سيكون لهم دور كبير في المرحلة المقبلة لمواجهة خطر التنين الأسود “الإرهاب”.

في سياق متصل، قال ناجح إبراهيم، أحد القيادات السابقة بالجماعة الإسلامية وصاحب الدور المهم في المراجعات الفكرية لمواجهة ظاهرة التكفير: “إنّ التفكير والتفجير متلازمان حيث أنه إذا وجد أحدهما وجد الثاني؛ فلا تفجير من دون تكفير”، معتبرا أن الجماعات التكفيرية الموجودة في من سيناء والعراق وسوريا، تعطي انطباعات سلبية عن الإسلام وتشوه صورته.

وضرب إبراهيم أمثلة ونماذج من التاريخ الإسلامي كانت تتبني الفكر التكفيري، لكن كان مصيرها إلى زوال، مثل الخوارج الذين اتهموا علي بن أبي طالب بالكفر وقتلوه بدم بارد. كما توقف كثيرا عند حادث مصرع الشيخ الذهبي في مصر الذي قتل برصاصة في الرأس، بعد أن كفرته الجماعات ذاتها في مصر في سبعينات القرن الماضي.

التراث الإسلامي لديه نظرة متسامحة في كل الأمور الخاصة بالاختلاف والعمل الفكري

من جهة أخرى، أشار إبراهيم إلى أن هناك أنواعا جديدة من القتل ظهرت علي أيدي الجماعات التكفيرية الموجودة في سيناء والعراق، مثل القتل على الاسم أو الجنسية أو الوظيفة، فجماعة “أنصار بيت المقدس” الموجودة في سيناء وجماعة “أجناد مصر” تقتل ضباط الجيش والشرطة لمجرد أنهم يعملون بالجهاز الحكومي للدولة، وتنظيم “داعش” يقتل الأميركيين في العراق لمجرد جنسيتهم، مؤكدا أنّ الإسلام لم يأمر بالقتل على الإطلاق وأنّ هذه الظواهر غريبة عليه، لافتاً إلى أن الأصل في الإسلام حرمة الدماء والعصمة من القتل، منوهاً إلى أن تنظيم “داعش” يعدّ أعلى درجات التكفير، أي “سوبر تكفير”، رافضاً أن يقتل أميريكي أو أي شخص آخر لمجرد أن جنسيته أجنبية.

من جهته، أكد كرم زهدي القيادي السابق بالجماعة الإسلامية، أن الأزهر هو الجهة الوحيدة المنوط بعهدتها الدعوة للإسلام والحديث باسمه، بحكم الدور التاريخي له في مواجهة الاستعمار والأفكار المتطرفة.

وطالب زهدي، الذي كان أحد المشاركين في المراجعات الفكرية للجماعات التكفيرية، الأزهر بالتأكيد علي فكرة إنشاء معاهد لاستيعاب الطلاب وتنمية القدرات لدي خريجي هذه المؤسسة الدينية، من أجل تطوير الأداء لتكون لهم القدرة على مواجهة التطرف والسلوكيات الشاذة عن المجتمع المصري، موضحا أن هناك تقصيرا في مواجهة التطرف الفكري، وهذا التقصير لايمكن مواجهته إلاّ إذا اهتم الأزهر بفكرة إنشاء معاهد لهذا الغرض، حتى يعلم الجميع أن هذه المؤسسة عائدة بقوة لممارسة دورها في الدعوة واستيعاب الشباب.

محمد الفضيل القوصي: القاعدة وداعش وغيرهما أخطر على الإسلام من أعدائه

في السياق ذاته، أكّد محي الدين عفيفي الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، حيث على أن الإرهاب أصبح صناعة تصدر للعالم، وأن الأزهر بوسطيته يقدم خطوة جديدة في مواجهة الفكر المغلوط، مضيفاً أن هناك ما يمكن وصفه بـ“الطابور الخامس” الذي يعضد أصحاب الفكر المتطرف وجماعات الإرهاب، وأنه لا يجوز الاعتداء على الآخر وحريته، مشيرا إلى أن التراث الإسلامي لديه نظرة متسامحة في كل الأمور الخاصة بالاختلاف والعمل الفكري.

وأضاف الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية أنّ “الطابور الخامس” يُسرّ بأعمال المتطرفين وتفجيراتهم، قائلا إنهم سيهلكون لأن النبي محمد (ص)، قال “هلك المتنطعون”، كما أنّه نهانا عن الاستدلال بالقرآن، إذا كان ذلك سيؤدى إلى الاختلال، وطالب بضرورة الحوار والمشاورة والمراجعة، والتعرف على المنهج الوسطي وتعلم كيفية إدارة الخلاف والإقرار بأنه حق وواجب إسلامي وإنساني. كما وصف اﻻنغلاق والتعصب بأنهما “مراهقة وطفولة”، مشددا على أهمية الحاجة لإعادة النظر في المناهج التربوية حتى “نتعلم آداب الخلاف ونحقق التعارف الأممي الذي أراده الله منا”.

بدوره، أكّد القصبي زلط رئيس القسم العلمي برابطة خريجي جامعة الأزهر، في كلمته التي ألقاها بهذه المناسبة أنّ المهمة الآن تكمن في حجب الفكر الذي يتعلق بالتطرف والعنف، لأنه يتناقض مع آداب ومبادئ الإسلام التي تحث على السماحة واليسر، وليس القتل والتعصب والتشدد، الذي نراه في أرض الوطن العربي من أجل تحقيق مكاسب سياسية باهتة.

وأضاف أن الإسلام يحث على السلام وليس الإرهاب، وأن “إيذاء المسلم يدخل الآخر في اللعن من الله ومن الملائكة”، موضحا أن الخلاف العقائدي سنة إلهية لا تقتضى قتالا، لافتا إلى أن المسلم لم يؤمر بإزالة الشرك عن غير المسلمين، وإنما أمر بهدايتهم، لذلك “نحاول أن نبذر في عقول الشباب الفكر الإسلامي الوسطي الصحيح”.

13