أصحاب الفضيلة.. تجنبوا الغلظة وقولوا "لا أعلم" تفلحوا

تشق الحداثة طريقها غير عابئة بما يثقل خيال الخائفين على الدين، وهم يخافون أيضا مصطلح "الحداثة"، وتفاديا لإيذاء مشاعرهم يمكن أن نستبدل به الارتقاء البشري المتوسل بالعقل.
الثلاثاء 2018/04/24
فتاوى "صوفية"

أعادتني الفتوى الرسمية بجواز صناعة الروبوت “صوفيا”، وانفعال هستيري في غير موضعه لوزير الأوقاف المصري، إلى الوراء خمسة قرون، حين ارتعش رجال الدين المحيطون بالسلطان العثماني بايزيد الثاني من الحداثة، فأفتوا بحرمة المطبعة في نهاية القرن الخامس عشر، وأضاعوا بضعة قرون كان يمكن فيها للعالم الإسلامي أن ينهض ويكتسب مناعة، ويتصدى لأطماع أوروبا التي نفضت الخرافة الدينية، واستباحت نهب بلاد المسلمين.

تشق الحداثة طريقها غير عابئة بما يثقل خيال الخائفين على الدين، وهم يخافون أيضا مصطلح “الحداثة”، وتفاديا لإيذاء مشاعرهم يمكن أن نستبدل به الارتقاء البشري المتوسل بالعقل، وما يترتب عليه من تغيير في الذهنيات، وانتهاج أخلاق وقيم إنسانية جديدة، وابتداع معارف يتوالى التوصل إليها بسلطة العقل الطليق غير المقيد بمواريث النقل.

في سبتمبر 2017 انتحرت المركبة الفضائية “كاسيني” احتراقا في الغلاف الجوي لكوكب زحل، فأنهت مهمة علمية استمرت 20 عاما في اكتشاف آيات الله “في الآفاق”.

ولا علاقة لهذا الانتحار بالفقه الإسلامي أو غير الإسلامي، لكي يصير الأمر موضع فتوى مثلما جرى للإنسان الآلي “صوفيا” التي استحقت إيضاحا “شرعيا” من الدكتور مجدي عاشور المستشار العلمي لمفتي مصر، إذ أجاز صناعة الإنسان الآلي واستخدامه بشرط ألا يستخدم في مجال محرّم، وألا يكـون على الهيئة الكاملة للإنسان، واستند إلى إباحة العلماء المعاصرين لصناعة التماثيل والتصوير الفوتوغرافي.

هذا “الكلام” التاريخي ينعش الذاكرة بلغط استهلك أعمارا وأجيالا حول حكم الدين في الفوتوغرافيا، بين الحرمة والكراهية والجواز. البعض تساهل آنذاك، وأباحها للضرورة، إذا احتاج إليها “رجل” في استخراج البطاقة الشخصية أو جواز السفر، وألفت فيها كتب تُنقلُ من كتب اصفرّت أوراقها وتضم فتاوى لأناس لم يعرفوا ماذا تعني كلمة فوتوغرافيا، ولكنهم خافوا على أنفسهم الفتنة من عبادة تمثال، والافتتان بصورة لها ظل.

الخطبة في سياقها التاريخي الدامي مقبولة لسامعيها، فلا تثير اعتراض أحد إلا بالقلب، والبديل العصري لها هو سـوء استغلال السلطة في غير مكانها وزمانها

ولا يختلف “اجتهاد” دار الإفتاء المصرية عن هذا الأمر، فلم يطلب صناع “صوفيا” فتوى شرعية، ولا يعنيهم الأمر، ولا يعرفون أن في مصر دارا للإفتاء تخوض في الشؤون العلمية، بجرأة تنزع عنها فضيلة التواضع، فلا تقول “لسنا أهل اختصاص” أو “أنتم أعلم بشؤون دنياكم”، وإنما تمنح المستقبل جواز مرور أو تحاول منعه، ولا تعي أن المستقبل في مكان آخر.

وغدا يتجاوز العقل الفقهي الرسمي هذه القضية وينشغل بأخرى جديدة، وتكون الفتوى القديمة مجالا للسخرية، مثل تحريم المطبعة التي لا ينافسها في الانتشار الآن إلا التليفون المحمول بإمكاناته غير المحدودة على التقاط الصور ومقاطع الفيديو، من دون أن يتسبب في انزلاق مسلم واحد إلى الشرك، والعياذ بالله.

لو كان الأمر بيدي لأمرت بتخليص خطبة الجمعة من الإنشاء اللفظي الخالي من المعنى، والاسترسال الذي ينسي بعضه بعضا، وألا تزيد على بضع دقائق، وهي كافية لشرح أي قضية لجمهور عمومي غير متجانس، يضم الأمي والمتعلم، والمستريح والمتعب العائد من العمل.

أعود إلى عام 120 هجرية، فأرى والي الكوفة خالد بن عبدالله القسري يقدم نموذجا لخطبة تختصر الكلام والأعمار “أيها الناس اذهبوا وضحوا، تقبل الله منا ومنك، أما أنا فإني مضح اليوم بالجعد بن درهم”، وذبحه أسفل المنبر في عيد الأضحى. خطبة لا يستسيغها الإنسان الآن، وتكفي لإشعال ثورة شعبية، ولكنه دعا الله أن يتقبل أضحياتهم وأضحيته.

والخطبة في سياقها التاريخي الدامي مقبولة لسامعيها، فلا تثير اعتراض أحد إلا بالقلب، والبديل العصري لها هو سـوء استغلال السلطة في غير مكانها وزمانها، والخشونة في إلقاء الموعظة، والنصيحة الغاضبة الأشبه بفضيحة يختلط فيها الاستعراض بصراخ نذير كأنه على شفا جهنم.

ولعل الخطباء يتخلون عن هذا الزعيق ويلينون قليلا؛ فلا ينفضُّ الناس من حولهم. وزير الأوقاف المصري، محمد مختار جمعة، لم ينس أنه خطيب، واعظ ينفرد بمنبر. ولا ينتبه كثير من الخطباء إلى أنهم يتحدثون في مكبر للصوت يغني عـن الزعيق، وكان بيد الوزير الخطيب ميكروفون يتاح أيضا لزملائه أعضاء لجنة علمية بجامعة الزقازيق، يوم الأحد 15 أبريل 2018، لمناقشة رسالة ماجستير عنوانها “تجديد الفكر الديني في الإسلام”.

تشق الحداثة طريقها غير عابئة بما يثقل خيال الخائفين على الدين، وهم يخافون أيضا مصطلح “الحداثة”، وتفاديا لإيذاء مشاعرهم يمكن أن نستبدل به الارتقاء البشري المتوسل بالعقل

وحتى يمتاز الوزير الخطيب عن بقية أعضاء لجنة المناقشة وعن المشرف على الرسالة، فإنه وقف، في تقليد خطابي منبري غير جامعي، ولم يتخل عن الميكروفون، ولوّح بيسراه، صائحا بقـوة مستمدة من المنصـب السياسي، من دون أن يتحلى بوقـار “الأستاذ”؛ لأنه وزير خطيب يستخف برسالة “فيها هذا الجهل وهذا الغباء”، ويسخر من الباحث وجـدي عبدالقادر، ويقول إنه “حمار”، في حضور أهله، ومسؤولين سياسيين وجامعيين، وقيادات من وزارة الأوقاف التي تشرف على المساجد والخطباء في مصر.

الوزير الخطيب حاكَمَ الأفكار، ولم يناقش المنهج. ورفض قول الباحث إن الروح الإسلامية بمصر ضعيفة، فأمر رئيس الجامعة بأن يفتح تحقيقا رسميا، لأنه تشكك في مقولة؛ “أخطر الأصنام الجديدة هو الوطن، إذ إن لباسه للدين بمثابة الكفن” وهي المقولة التي نسبها الباحث إلى المفكر محمد إقبال.

وكان أمام الوزير الخطيب وقت، وهو يراجع الرسالة قبل المناقشة، لإثبات صحة نسب هذه المقولة إلى إقبال أو نفيها، وكتابة تقرير علمي عن تهافت الرسالة وعدم جدارة الباحث الذي يبدو أنه أراده نسخة من الأقدمين، ولا يهم أن تكون نسخة مزيدة بالصدأ وغير منقحة، فالأهم للوزير أنه قدم دفاعا سياسيا عن مصر التي “حافظت على الإسلام”، وذكر أن فيها أكثر من 120 ألف مئذنة، ورمى الميكروفون على المنصة، وهدد بالانسحاب من المناقشة.

وبعد هذا الاستعراض الانفعالي، أو الانفعال الاستعراضي، صفق له البعض، وكانت يمناه قـد تخففت من الميكروفون، فلوّح بكلتا يديه، وضرب الطاولة بهما معا. ثم هدأ وقعد وضرب الطاولة بيمناه مرة أخرى.

حتى لو جاء السباب من وزير فهو إساءة، يحاكم عليها بتهمة السب والقذف وتحقير المجني عليه عند أهله. وتمتد الإهانة إلى من أشرف على الرسالة، ووافق على “هذا الجهل وهذا الغباء”.

أما الإساءة الكبرى فهي لأخلاق العلماء، وخصوصا مع الطلاب، ونسيان آية “وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم”، ولم يخض الباحث في آيات الله، ولكنه جاء بما يؤخذ منه أو يرد، ولا يليق أن يكون الرد فظا غليظا يردع أي باحث آخر عن التفكير خارج حدود إدراك الخطباء.

9