أصحاب اللياقة العالية أكثر كفاءة في التخلص من الحرارة وفي تبريد الجسم

تؤثر شدة الجهد البدني ومستوى اللياقة البدنية في معدلات التعرق، لا سيما عند ارتفاع درجات الحرارة ونسبة الرطوبة. ويساعد النشاط المنتظم على تدريب الجسم على سرعة التخلص من الحرارة وإنجاح عملية التبريد لاستكمال بقية التمارين الرياضية دون الشعور بالإعياء منذ الوهلة الأولى.
الأحد 2016/08/14
كلما كان تصريف الحرارة أسرع كلما زادت قوة الأداء

لندن – كشفت دراسات حديثة أن أصحاب اللياقة العالية يتعرقون بشكل أكبر ويتخلّصون من الحرارة بصورة أكثر كفاءة من ذوي اللياقة المنخفـضة، حيـث يـؤدي التدريب البدني في الجوّ الحار إلى زيادة حجم الغدد العرقية وإمكاناتها على إفراز العـرق.

وعلى الرغم من أهمية التعرّق وفاعليته في التخفيف من ارتفاع درجة حرارة الجـسم، إلا أن التعرق المستمر، خاصة أثناء الجهد البدني طويل الأمد، يؤدي إلى فقدان كميـة كبيـرة مـن سوائل الجسم، حيث يمثل الماء أكثر من 99 بالمئة من محتوى العرق. وإذا لم يـتم تعـويض الـسوائل المفقودة، فإن النتيجة هي حدوث جفاف للجسم يقود إلى آثار سلبية على جهـاز التحكم الحراري، حيث تنخفض قدرة الجسم على إفراز العرق ويقل ضخ الدم إلى الجلد.

وقال البروفيسور إنغو فروبوزه من المركز الصحي التابع للجامعة الرياضية بمدينة كولونيا في غرب ألمانيا “يجب على الرياضيين بذل مجهود أقل فقط للحصول على أداء مماثل، على سبيل المثال عند الصعود على الدرج حتى الطابق السادس″. كما أن وظيفة تنظيم درجة الحرارة لدى أصحاب اللياقة العالية تعمل بشكل أفضل بكثير من الأشخاص الذين لا يمارسون الرياضة.

وفي غرفة الساونا يمكن ملاحظة ذلك بشكل واضح؛ إذ يتصبّب العرق من كل مسام أجسام الأشخاص المُدرّبين الذين اعتادوا الذهاب إلى غرف الساونا فور دخولهم، أما الأشخاص الجُدد فلا يتعرّقون تقريباً. وأضاف الخبير الألماني إنغو فروبوزه أن “وظيفة تنظيم درجة الحرارة تكون أسوأ لدى الأشخاص المبتدئين؛ إذ لا يكاد الجسم يتخلّص من الحرارة. وهذا يماثل أيضاً ما يحدث أثناء ممارسة الرياضة”. فمع كل حركة يقوم الجسم بتوليد حرارة من خلال حرق الطاقة. وكلّما استمر ذلك لفترة أطول وبشكل مكثّف، فإنه يتم إنتاج المزيد من الحرارة في الخلايا.

وأوضح الخبير الرياضي أنه “لغرض الحفاظ على قدرة الأداء، يجب تصريف الحرارة في أسرع وقت ممكن عن طريق الجلد لأن الخلايا والجسم لا يمكنهما تحمّل الحرارة”. وأضاف “لا يعمل محرك عملية الأيض إلا في ظل درجة حرارة الجسم الطبيعية، إذ يستطيع الأشخاص الرياضيون تحقيق معدلات أداء عالية. وعلى العكس من ذلك فإن سخونة الجسم لا تعتبر من مثبّطات القدرة على الأداء فحسب، بل إنها تُمثل خطورة على الجسم مثل الحمّى التي نعرفها جميعاً”.

هناك تأثير سلبي لارتفاع درجة الحرارة الخارجية أو زيادة الرطوبة النـسبية على مستوى الأداء البدني مرتفع الشدة

ولهذا يُمكّن الأشخاص الرياضيين من تنظيم درجة الحرارة بشكل أفضل بكثير، ومن ثم فإنهم يتعرقون بشكل أسرع وأكثر عند قيامهم بأداء مماثل مقارنة بغير الرياضيين.

يشار إلى أن غير الرياضيين يمكنهم إفراز نحو 0.8 لتر تقريباً من العرق في الساعة، في حين تصل كمية إفرازات العرق لدى الأشخاص الرياضيين إلى ثلاثة لترات. ورغم ذلك ترتفع درجة حرارة الجسم في كثير من الأحيان لدى الرياضيين من 39 إلى 40 درجة، إلا أنها لا تظهر بوضوح إلا في وقت متأخر، وعندئذ يصبحون أقلّ قدرة وكفاءة في الأداء.

ويفسّر الأطبّاء أن مجرد التعرض، فترة طويلة، للجوّ الحار عالي الرطوبة، دون أيّ جهد بدني يذكر، يعـد كافياً لأن يؤدي إلى عجز الجسم عن المحافظة على درجة حرارته عند المستوى الاعتيادي، لـذا فإن القيام بجهد بدني لمدة طويلة سيزيد، دون شك، من العبء الملقى علـى آليـة الـتحكم الحراري. ويؤدي ذلك بالتالي إلى زيادة إنتاج الحرارة من الجسم بمقدار أعلى من قدرة الجـسم علـى التخلّص منها، ممّا يعرّض الفرد بعد ذلك إلى الإصابات الحرارية، خاصة إذا لم يكـن متأقلمـاً على التدريب البدني في الجوّ الحار.

ولمعرفة حجم إنتاج الطاقة الحرارية أثناء الجهد البدني في الجو الحار، يجـدر أن نـشير إلى أن إنتاج الحرارة من الجسم أثناء الراحة يعادل 1.25 كيلو سعرة حرارية في الدقيقة لشخص متوسط الوزن، بينما يرتفع ذلك أثناء الجهد البدني التحملي (كالماراثون مثلاً) إلى أكثر مـن 15 كيلو سعرة حرارية في الدقيقة، أي ما يوازي 1000 كيلو سعرة حرارية فـي الـساعة تقريبـاً.

وتشير البحوث إلى أن ارتفاع درجة حرارة الجسم الداخلية يعتمد على الـشدة النـسبية للجهـد البدني، حيث وجدت إحدى الدراسات الحديثة أن شدة الجهد البدني منـسوبة إلـى الاسـتهلاك الأقصى للأكسجين وهي العامل المؤثر على ارتفاع درجة حرارة الجسم أثناء الركض على الـسير المتحرك لمدة 60 دقيقة، لدى مجموعة من المشاركين في البحث. فهل يؤثر ارتفاع درجة الحرارة الخارجية سلباً على الأداء البدني؟

التعرق يطرد السموم من الجسم

من المؤكد أن ارتفاع درجة الحرارة الخارجية إذا تزامن مع زيادة معدل شـدة الجهـد البدني سوف يلقي عبئاً إضافياً على جهاز التحكم الحراري والجهاز الدوري معاً. لكـن الـسؤال المطروح هو هل هناك تأثير سلبي على الأداء البدني جـراء ارتفـاع درجـة الحـرارة الخارجية؟ بالطبع هناك تأثير سلبي لارتفاع درجة الحرارة الخارجية أو زيادة الرطوبة النـسبية على مستوى الأداء البدني مرتفع الشدة، خاصة في المسابقات التـي تتطلـب عنصر التحمل، أو تلك التي تدوم لفترة طويلة (أكثر من 15 دقيقة).

ويعتقد نظرياً أن السبب في انخفاض الأداء البدني في الجوّ شديد الحرارة ناتج عن حدوث تنافس بين العضلات العاملة والجلد على الدم الصادر من القلب (أي على نتاج القلب، وهو كمية الدم التي يضخها باللتر في الدقيقة). فالعضلات العاملة تتطلب ضخ أكبر كمية مـن نتـاج القلب المحمّل بالأكسجين إليها، لتتمكن من أداء الانقباض العضلي اللازم للجهد البدني بفاعليـة، بينما نجد أن الجلد يحتاج إلى زيادة الدم المتجه إليه حتى يـتمكن مـن القيـام بعمليـة التبريـد الضرورية لخفض درجة حرارة الجسم.

كما يتأثّر الجهاز القلبي الدوري من جرّاء الجهد البدني طويل الأمد في الجوّ الحار، خاصة عندما لا يتمّ تعويض السوائل المفقودة من خلال العرق، حيث من الممكن أن يحدث انخفاض في كمية العائد الوريدي وهو الدم العائد إلى القلب عبـر الأوردة، نتيجـة للتوسـع الشديد في الأوعية المحيطية جرّاء ضخ الدم إلى الجلد كإجراء لخفض درجة حرارة الجـسم. ويقود انخفاض العائد الوريدي إلى انخفاض الضغط والعبء على القلب، مما يؤدي بعد ذلك إلى انخفاض في الضغط الشرياني (بسبب انخفـاض نتاج القلب مع بقاء الأوعية الدموية في حالة توسع).

وعند هذه المرحلة، فإن الجسم سيقوم بحماية التوازن الداخلي له (أي المحافظة على الضغط المركزي) على حساب التحكم الحراري، والنتيجـة هي انخفاض كمية الدم المتجهة إلى الجلد، وكذلك انخفاض كمية العرق بغـرض ترشـيد سـوائل الجسم. فترتفع نتيجة لذلك درجة الحرارة الداخلية للجسم بما يصاحب ذلك من تعب وإعيـاء مـع احتمال التعرض للإصابات الحرارية إذا لم يتم التوقف عن أداء الجهد البدني.

وعلى الرغم ممّا سبقت الإشارة إليه من تغيرات ملحوظة في الجهاز الـدوري بسبب ارتفاع درجة الحرارة الداخلية للجسم كنتيجة للجهد البدني في الجو الحار، فإن العديد مـن الـدلائل العلمية الحديثة يشير إلى أن الأسباب الرئيسية لانخفاض الأداء البدني في الجوّ الحار لا تكمن في التغيرات الحاصلة في الجهاز الدوري، بل تكمـن في الجهاز العصبي المركزي، حيث يعتقد أن ارتفاع درجة الحرارة الداخلية للجسم فوق حدّ معين يؤدي إلى تثبيط الإيعاز المحفّز للعضلات والقادم من الدماغ.

السبب في انخفاض الأداء البدني في الجو الحار ناتج عن تنافس العضلات العاملة والجلد على الدم الصادر من القلب

والنتيجة هي انخفاض مستوى الأداء البدني والشعور بالتعب المركزي مع ظهور الأعراض الأخرى المصاحبة للجهد البدني في الجـو الحار، كالشعور بالغثيان، والدوخة. والاعتقاد السائد هو أن هذه الأعراض، بما في ذلك تـدنّي قـوة العضلات على إنتاج القوة الانقباضية، تمثّل نوعاً من الحماية للجسم قبل أن يصل به الأمـر إلـى حالة من الهبوط الدوري أو الفشل الكلوي اللذين يمكن أن يحدثا جـرّاء الإصـابة بالـضربة الحرارية.

أما أثناء الجهد البدني المنخفض إلى معتدل الشدة الذي لا يدوم طـويلاً، فـلا يُعتقـد أن الأداء البدني يتأثر سلباً بشكل ملحوظ بسبب ارتفاع درجة الحرارة الخارجية لدى الـشخص الذي لا يعاني من جفاف في الجسم، حيث تشير البحوث في هذا الصدد إلى أن الجسم البـشري يكون قادراً على إعادة توزيع الدم من المناطق غير العاملة أثنـاء الجهـد البـدني كالأحـشاء والكليتين وضخه إلى الجلد بغرض التبريد دون حدوث نقص ملحوظ للدم المتجه إلى العـضلات العاملة، ودون الحاجة إلى زيادة ملحوظة في حجم نتاج القلب.

وجدير بالذكر أن حجـم الغـدد الدرقية لدى الأشخاص المتدرّبين والمتأقلمين مع الجوّ الحار أكبر مما هو لـدى الأشـخاص غيـر المتدربين، مما يعني أنها تستجيب للتدريب البدني كغيرهـا مـن أجهـزة الجـسم الأخرى. وللتدليل على أن تبخّر العرق يعد أنجع آليات فقدان الحرارة أثناء الجهد البدني في الجـوّ الحار، تجدر الإشارة إلى أن الغدد الدرقية لرياضي متدرّب يمكن لها أن تنتج مـا مقـداره 30 مليلتر من العرق في الدقيقة (أي 1.8 لتراً في الساعة) وينتج عن عملية تبخر مليلتر واحد من العرق فقدان حراري من الجسم مقداره 0.6 كيلو سعرة حرارية، أي أنه في سـاعة واحـدة يمكن فقدان ما يتجاوز 1000 كيلو سعرة حرارية.

التعرق يساعد الجسم على التخلص من الحرارة الفائضة

كما أن كل العرق الـذي يفرزه الجسم لا يتم تبخّره فعلياً، وبالتالي يؤدي إلى فقدان الحرارة أو إلى تبريـد الجـسم، بـل إن بعضاً من العرق يتم مسحه من الجسم أو يسقط كقطرات على الأرض. وتشير معظم الدراسات التي أجريت على العديد من الرياضيين في مختلـف الرياضـات التحمّلية إلى أنهم قد يفقدون كميات من السوائل عن طريق العرق، تتراوح ما بين لتر إلى لتـرين في الساعة، أي ما يوازي تقريباً 5 و6 بالمئة من وزن الجسم.

ويقول طبيب الجلد آدم فريدمان في مركز طب الأمراض الجلدية في نيويورك، “يعرّف التعرق بأنه أفضل آلية داخلية لتنظيم درجة حرارة الجسم”. ففي الحقيقة، الوظيفة الرئيسية للعرق هي تبريد الجسم بينما ترتفع درجة حرارة الجسم الداخلية أثناء ممارسة الرياضة، والجلوس في حمام بخار أو العمل في الحديقة في يوم حار.

ويضيف فريدمان، “التعرق يساعد الجسم على التخلص من الحرارة الفائضة حتى لا ترتفع درجة الحرارة ويصاب الشخص بالأمراض”.

والتعرق هام جدا في عملية تبريد الجسم الطبيعية لدرجة أن عدم القدرة على التعرق يمكن أن تعتبر حالة صحية خطرة. وارتفاع درجة الحرارة الزائد له تأثيرات مضادة على القلب ووظائف الجسم الأخرى. ويؤكد الأطباء بأن المتعرقين يساعدون على طرد ومقاومة البكتيريا سيئة السمعة، المعروفة بأنها مسؤولة عن صعوبة معالجة بعض الإصابات. ويوضح فريدمان، “يلعب العرق دورا هاما في صد البكتيريا والفطريات الخطيرة”. ذلك لأن العرق يحتوي على “النيتريت”، التي تعمل فور وصولها إلى سطح الجلد على التحول إلى “أكسيد النتريك”، وهو غاز فعال ذو خصائص قوية في مكافحة الجراثيم و الفطريات.

ويتابع فريدمان “يحتوي العرق أيضا على مضاد حيوي طبيعي أو مضاد للميكروبات يعرف باسم ‘ديرميسيدين’، الذي يمكن أن يقتل أيّ جراثيم أخرى على سطح الجلد. ويساعد التعرق الجسم على التخلص من السموم بشكل طبيعي”. وأظهر بحث سابق بأن العرق يحتوي على العديد من الأنواع المختلفة من المركبات، ويضم كميات صغيرة من المعادن السامة، مثل الكادميوم والألمنيوم والمنغنيز. ولهذا السبب يعتبر التعرق نوعا من العلاج الطبيعي للتخلّص من السموم.

يذكر أن الجلد يحتوي على 2 الى 5 مليون غدة عرقية وينتج أكثر العرق في الغدد العرقية التي تنفتح مباشرة إلى الجلد، بينما توجد السموم نموذجيا في عمق الجلد. ولكن مع التعرق تبدأ هذه السموم بالخروج إلى السطح من خلال المسامات، سوية مع أيّ ترسبات. وكل ذلك التطهير من السموم يمكن أن يعطي نظام المناعة دفعة قوية ضد الالتهابات.

19