أصداء وأسئلة الحشود في يوم الأرض

الجموع التي زحفت إلى الحدود وتدافعت لاجتيازها، أحست بأنها فقدت نظامها الوطني الذي يؤمن لها نسق الاجتماع السياسي، لتصبح فكرة الدولة، كإطار جامع، وكحكم محايد بين الناس، مقرونة بفكرة التسلط على الناس.
الأربعاء 2018/04/04
برقية غضب مكتوبة بالدم

في الذكرى الثانية والأربعين ليوم الأرض، امتشق فلسطينيو غزة قاطبة رمزية الحدث الذي كانت له في العام 1976 أسبابه المتعلقة بحياة وأراضي الجزء الباقي من شعبهم في الأراضي المحتلة عام 1948، وجعلوه مناسبة لطرح أسئلة كل أرض فلسطين التاريخية، وكل أجزاء شعبها وكل ملابسات وتعقيدات حياة الفلسطينيين في غزة حصرا.

لقد أرسلوا برقية غضب مكتوبة بالدم إلى عناوين عدة اشتملت على مجمل قضايا القضية وعلى السياسة ببعدها الاجتماعي- الاقتصادي، وعلى ما يحاك ضدهم في الخفاء، وعلى ما يفعله العدو والصديق والشقيق. وفي ذلك السياق صُنع الحدث، في تطبيق لفصل واحد، دلالي ومهمّ، من فكرة جريئة وخلاقة، من المحال أن يصل تطبيقها إلى مراحل متقدمة: أن يجتاز اللاجئون في غزة، الحدود القريبة من قراهم التي طُرد منها آباؤهم وأجدادهم، وتم ملؤها بالأحفاد الكُثر، ثم البقاء فيها وتكريس واقع البقاء!

الفكرة من حيث المبدأ يمكن أن تصبح واقعية وأن يستكمل تنفيذها كل فصوله، لو لم تكن إسرائيل، هي التي على الطرف الآخر. فقد استعدّت قيادة جيشها لحدث يوم الأرض الذي نظرت إليه على محمل الجِد. وقدمت أجهزة الأمن إلى ما يُسمى مجلس الوزراء المصغّر، ورقة تقدير موقف أخطأت في توقعاتها لحجم الذين سيحتشدون على الحدود، إذ نصّت على أن العدد لن يتعدى 6 آلاف وأن التعامل معهم سيكون يسيرا. ولم يفترض مخططو السياسة الأمنية الإسرائيلية أن حجم الاحتشاد سيكون بما يزيد عن مئة ضعف تقديراتهم.

في يوم الأرض، بدا واضحا في المشهد المهيب، تطلُع الفلسطينيين إلى إطار كياني يجمعهم ويذود عنهم. فقد بدا وضع كيانهم السياسي ملتبسا يوطد في وجدانهم قلقا عميقا

في يوم الجمعة 30 مارس، تقدمت الحشود في غزة إلى الحدود، ومعها أسئلة المصير كله التي ازدادت وتنوعت وتفرّعت، بدءاً من تهجيرهم القسري في العام 1948، مرورا بانهيار آمال التسوية التي تعيد إليهم جزءا يسيرا من الحق، وصولا إلى كل أشكال وممارسات الإقصاء القسري الذي تشارك فيه سلطاتهم الفلسطينية نفسها، وترميهم مع الذين يحتلون الأرض ويحاصرون غزة عن قوس واحدة!

ربما يتردّد الكثيرون في الإفصاح عن قناعاتهم، بأن احتشاد يوم الأرض، لم يكن موجّها لإسرائيل وحدها، التي لا يختلف اثنان من الفلسطينيين على كونها أصل الشرّ ومنبع البلاء. فقد كانت صرخة الألم، توزّع الأنصبة على الكثيرين، منهم الذين يجاهرون بأنهم يعاقبون الناس دون تمييز، ومنهم الذين يحكمونهم بغير إرادتهم، ومنهم الذين يحاصرونهم بذرائع شتى، ومنهم الذين يتفرجون على بؤسهم ومحنتهم، فيعاملون أطباءهم ومدرسيهم ومفكريهم وأطفالهم، معاملة المشتبه بهم، حتى ضاقت بسكان غزة سُبل الحياة.

كذلك فإن الجموع التي زحفت إلى الحدود وتدافعت لاجتيازها؛ أحسّت بأنها فقدت نظامها الوطني الذي يؤمّن لها نسق الاجتماع السياسي، لتصبح فكرة الدولة، كإطار جامع، وكحَكَم محايد بين الناس، مقرونة بفكرة التسلّط على الناس، والاستحواذ على مقدراتهم الضئيلة المتاحة، وهذا إحساس يؤكد على واحدة من أفدح الخسائر، وهي فقدان البوصلة وانهيار قدرة الكيانية السياسية الفلسطينية على أخذ ناصية الرُشد، وحماية مصالح المجتمع الفلسطيني وإنصاف الشعب والحفاظ على حيوية القضية الوطنية.

في يوم الجمعة 30 مارس، تقدمت الحشود في غزة إلى الحدود، ومعها أسئلة المصير كله التي ازدادت وتنوعت وتفرّعت، بدءاً من تهجيرهم القسري في العام 1948، مرورا بانهيار آمال التسوية

في الوعي الباطني للشعب الفلسطيني، تكاثرت الدواعي إلى صياغة فرضية جديدة أو شكل جديد للتعبير عن الذات الطامحة والمعذبة. فقد تمكن مئات الآلاف من الفلسطينيين في غزة، من وضع إسرائيل أمام أحد خيارين بالغيْ الصعوبة: إما استخدام القوة المفرطة وقتل متظاهرين سلميين، وذلك هو الخيار المتوقع وهو الذي حدث فتمادى المفتضح في افتضاحه، وإما أن يغمر الفلسطينيون أرض الآباء والأجداد، وستواجه إسرائيل خطرا وجوديا. كل هذا سيكون بجريرة عناد الصهيونية ورفضها لأي تسوية وتنكّرها لأبسط الحقوق، وكذلك بسبب الهُزال العربي، والرسمي الفلسطيني، الذي يتحول تدريجيا إلى تواطؤ علني ويسهم في مفاقمة عذابات الفلسطينيين ويتجه إلى تضييع قضيتهم التي لن تضيع. من خلال الصمت أو الرضوخ عن محاولات اختزالها في صيغة مسخ، بيد رئيس أميركي، أعجوبة وذي ملامح كاريكاتورية، يعاونه طاقم يتجدد يوميا بعناصر أكثر صهيونية وضحالة سياسية.

في يوم الأرض، بدا واضحا في المشهد المهيب، تطلُع الفلسطينيين إلى إطار كياني يجمعهم ويذود عنهم. فقد بدا وضع كيانهم السياسي ملتبسا يوطد في وجدانهم قلقا عميقا. فماذا لو أن رئيس السلطة محمود عباس سقط فجأة وتوفي؟ من ذا الذي يشغل موقعه لفترة انتقالية، ومن ذا الذي سيُلقي خطاب النعي باسم المنظمة والسلطة والدولة، وأي محفل أو مؤسسة ذات نصاب أو ذات صفـة تمثيلية ستجتمع؟ وأي منظومة ستتيح للشعب أن يفوض رئيسا؟ وما هو الإطار الذي سيلتئم في حال موت عباس، وما هي آليات انتقال السلطة إلى غير عباس؟

إن واقع النظام الفلسطيني اليوم يقول إن عباس في حال موته سيترك مشهدا يسمونه “اللاتشكُّل الكياني” بل إن الأمر في الحقيقة، أخطر من هذا اللاتشكل، بالنظر إلى أن التركة سوف تُشعل صراعا مفتوحا بين الواهمين بأنهم أقطاب وأصحاب حق وجدارة. وهؤلاء بدأوا منذ عدة سنوات في “تجهيز” أنفسهم للمنازلة التي ستكون ضربة قاضية للعنصر الفلسطيني الذي لن يفيق من صدمتها بعد العشرات من السنين.

في يوم 30 مارس الماضي، كان الحراك يُذكّر بضرورة العمل على عدة مسارات، من خلال الإرادة الشعبية. لقد قرأ العرب الأقربون الرسالة، مثلما قرأها الإسرائيليون والأميركيون والأوروبيون، وبات ملف المأزق الاجتماعي والاقتصادي الفلسطيني، وقلبه ملف التردي العميق في أخلاقيات الحكم، على سطح الملفات التي تتطلب تدابير عاجلة، تساعد الفلسطينيين على إعادة الاعتبار بالوسائل الديمقراطية لمنظومة الحكم الوطني، وملء الأطر التي لم يتبقَّ منها سوى أسمائها وذكراها، وإنهاء الحصار والإقصاء، وفتح ثغرة في الجدار الإسرائيلي المسدود، وكبح جماح الدواعش اليهود، ووقف كرة النار الأميركية المتدحرجة، قبل أن تصل إلى ساحة العرب وتضاعف أسباب التوتر والفوضى المتمادية في الهدم.

8