أصدقاء الرؤساء جنوا على شعب مصر وما جنى على أحد

الثلاثاء 2015/01/20
كثيرون زاد ثراؤهم على حساب معاناة الشعب المصري عبر سلوك طرق ملتوية من بينها التقرب من الحكام

لطالما أثارت علاقات الرؤساء بمستشاريهم وبعض المقربين منهم، جدلا يمتزج حينا بالخيال الشعبي ليُشكل روايات مُطنبة في العجائبي الضارب في المبالغة، ويقارب حينا آخر صورة الواقع لتنكشف أسرار القصور وتميط اللثام من ثمة عن الخبايا والأسرار التي رافقت اتخاذ قرارات مصيرية غيرت مجرى التاريخ وانعكست على حيوات الشعوب وشؤونها، شأن ما شهدته مصر على مدى تاريخها الحديث.

في إطار البحث في كواليس حكام مصر الحديثة، خاصة تلك التي دار حولها جدل طويل وانتقلت رواياتها بين الناس، يقدم كتاب “صديق الرئيس: حكام مصر السريون”، الصادر عن دار الكتب بالقاهرة، للباحث ياسر ثابت، قراءة لموضوع شائك يتنزل في هذا السياق، لطالما تجنب كثيرون الخوض فيه، لما فيه من محاذير؛ النبش في تفاصيل العلاقات التي كانت تجمع الرؤساء بالمقربين منهم، ومدى تأثير هؤلاء على القرارات الرئاسية عموما.

موضوع اختار الباحث أن يسلط من خلاله الضوء على علاقات عدّة كانت قد قامت واشتهرت بين حكام مصر وعدد من مساعديهم، بالاستناد إلى عدد من المصادر والمراجع والتواريخ الدقيقة، مما جعل الكتاب يعدّ إضافة مهمة إلى المكتبة التاريخية في ما يتعلق بالشأن المصري. علاقات كانت أبرزها تلك التي قامت بين الرئيس الأسبق حسني مبارك ورجل الأعمال حسين سالم، وأخطرها على تاريخ مصر الحديث، دون منازع، تلك التي قامت بين القيادي الإخواني خيرت الشاطر والرئيس السابق محمد مرسي، رغم أنها كانت علاقة غريبة عمّا جرت به العادة، يتبع فيها الرئيس ممثل الجماعة التي عينته ليخدم مصالحها، ليكون هو المتأثّر لا المؤثر لا محالة.


صداقات تعادي آمال الشعوب


قراءة مهمة لوقائع تاريخية بعينها ومواقف وتصريحات أدت إلى اتّخاذ قرارات أسفرت عن أحداث فارقة في تاريخ مصر وربما الأمة العربية عبر عقود طويلة، كان أبطالها بلا منازع “أصدقاء الرؤساء”. صداقات، يقول الباحث، “إنها لم تكن عادية، خاصة أنها فتحت لأصحابها كلّ الأبواب المغلقة، ومنحتهم صكـوك الغفران من المساءلة القانونية والسياسية، إلى درجة أنّهم أضحوا بمثابة حكامّ موازين للحكام الأصليين، فإن كانوا لا يحكمون فإنهم يتحكمون في مصائر العباد وخزائن الدولة، دون أي سند أو مبرر. والغريب أنّ هذه الصداقات الغامضة نمت وازدادت تشابكًا لتصل فـي مراتٍ عديدة إلى علاقات مصاهرة، وتصبح فـي مرات أخرى مدخلا إلى علاقات آثمة. وفـي كل الأحوال، كانت مصر هي التي تدفع ثمن تلك الصداقات التي تعادي آمال الشعوب. ثمن باهظ، يصعب قياسه بالأرقام أو حصره بالسنين، أو تحديده بالأفراد؛ لأنه ببساطة تم انتزاعه من وطن كبير بحجم مصر”، وفق تعبيره.

وفي ذات السياق، يوضح ثابت أنّ إحدى تلك الصداقات، وهي الأقرب إلى الأذهان، تسببت بدرجة أو بأخرى فـي سقوط نظام وانهيار تجربة حُكم الإسلام السياسي التي دامت عامـا واحدا. كما أنّ صداقة ثانية انتهت بهزيمةٍ عسكريّة قاسية تشبه الجرح الغائر فـي ذاكرة المصريين. وأخرى، كانت من أسباب سقوط ملك عن عرشه، وثالثة كانت وراء تورط الدولة فـي استشارات سياسية معيبة ومشروعات اقتصادية خاسرة. أما الرابعة، فقد أدت إلى نهب مصر طوال عقود، وأفضت إلى الاستيلاء على ثروات البلاد فوق الأرض وفي باطنها، وامتدت جغرافيتها إلى خارج الحدود، حتى عبرت المحيط الأطلسي. ومع ذلك، استمرت تلك العلاقات “المتينة” بين رؤساء مصر وزعمائها وبين آخرين استفادوا من هذه الصداقات، ربما سياسيـا أو اجتماعيـا أو اقتصاديـا، وخلّفت فاتورة ثقيلة كانت أغلى من أن يتمّ تجاهلها أو المرور عليها مرور الكرام، وفق رأيه.

تبعات الصداقة التي تتداخل مع دوائر السلطة تتعدى مسألة الانحطاط الأخلاقي لتصبح نوعـا من الخذلان السياسي

وفي سياق متصل، يشدد الباحث على أنّ تبعات الصداقة التي تتداخل مع دوائر السلطة، شأنها في ذلك شأن تبعات العداوة، تتعدى مسألة الانحطاط الأخلاقي، لتصبح نوعـا من الخذلان السياسي، وخيانة العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، وخيبة كبرى في إدارة شؤون البلاد والعباد بالعدل، دون تحيز أو تمييز، مسلطا الضوء على ما مرّت به البلاد زمن حكم الإخوان والكوارث التي انجرّت عنه والتي مازالت تبعاتها ظاهرة إلى اليوم.

من ثمّة يمضي ثابت في وصف تأثير أصدقاء حكام مصر على حُكمها، والمآلات التي انتهى إليها هؤلاء الحكام، دون خداع أو إغراق في التحيّز أو الوهم. فهي بالأساس قراءة كاشفة لصداقات وتحالفات صاغت ترتيبات الحُكم وتورطت في الانحياز إلى أطراف ومراكز قوى بعينها، لحسابات خاصة حينـا، ولمبايعات ممجوجة للحاكم المطلق حينـا آخر، تأتي على هيئة صفقات تفضي إلى الاستيلاء على مال عام، أو تمرير نصوص وقوانين قمعية، أو خروج على الإجراءات الديمقراطية.


نفوذ المال والأعمال


في إطار تقديم أمثلة عن تلك الصداقات، تطرق الباحث للحديث عن علاقة حسني مبارك بحسين سالم، هذا الأخير الذي قال إنه لم يكن مجرد رجل أعمال استفاد من حالة الفساد التي تفشت في عموم مصر خلال فترة حكم مبارك، بقدر ما كان صديقا مقربا منه لسنوات طويلة؛ مقرّب ومؤثر في القرارات ومستفيد إلى الدرجة التي دفعت الصحفي الاستقصائي الأميركي فيليب شانون إلى القول في تقرير أعدّه حوله، ونشره في موقع “دايلي بيست”: “إنّ الحكومة المصرية إذا كانت جادة بعد الثورة في تتبع الأموال الّتي يقال إنّ عائلة مبارك استولت عليها عن طريق مخالفة القانون، فإن ذلك لا يمكن أن يتم دون تتبع ومراجعة حركة الأموال التي يتحكّم بها حسين سالم، ويستثمرها في عشرات المشروعات والأعمال”.

من جهة أخرى، يشير إلى أنّ حسين سالم لطالما قال في السابق “إنّ صداقته بمبارك تشرّفه ولا اعتراض عليها، وأنّ علاقاته به نتجت عن طبيعة عمله كرجل أعمال ناجح، وهذا كلّ ما في القصة” . غير أنّه تبرّأ منه، عقب ثورة 25 يناير، حيث أصرّ حينها على أنّه “لم يكن في يوم من الأيام تابعا لأي نظام أو منتفعا منه، وإنه فوجئ مع مرور الوقت باحتسابه ضمن حاشية النظام السابق”. كما شدد في تصريح إعلامي سابق على أنّ علاقته بالرئيس الأسبق سطحية وليست بالعُمق الذي يتوقعه البعض، معلّقا على ما رُوّج من روايات تفيد بأنّ مُبارك كان يحِبّ تناول “الطّعمية” التي يُعدّها، وأنهما كانا يلعبان (الطاولة) معـا، بالقول: “أنا أشرف من هذا، ولست طبّاخ طعميّة”.

النبش في تفاصيل العلاقات التي كانت تجمع الرؤساء بالمقربين منهم

الطريف في الأمر، وفق الباحث، أنّ حسين سالم المقيم في أسبانيا منذ هروبه خلال ثورة 25 يناير، والذي كان مؤثرا في المشهد السياسي زمن مبارك بنفوذه المالي الذي يعرفه القاصي والداني، مازال يناور الآن بشأن تسوية أموره مع الدولة، حتى بعد تبرئته في القضية المعروفة إعلاميـا بـ”محاكمة القرن”، ويصرّ على نفي امتلاكه لثروة تقدر بمليارات الدولارات، ويردّد دائمـا أنها “خُزعبلات.. وأنه لا يعرف حتى عدد الأصفار التي يتكون منها المليار”.


مغامرة الأيديولوجيا والتهور


تلخص كلمات “نحن وحدنا أصحاب الحق في هذه البلاد ولا أحد غيرنا” شخصية خيرت الشاطر، الذي يحمل راية الدفاع عن الأطروحات المتشددة للجماعة الإسلامية، بعد أن كان عضوا بمنظمة الشباب التابعة للاتحاد الاشتراكي، في تناقض يعكس ارتباكا واضحا في شخصيته منذ النشأة.

ارتباك جعل الأفق ضيقا أمامه، فأضحى يدعي أنه يحتكر الحق والحقيقة، شأن باقي أعضاء الجماعة، وكانت تلك واحدة من بين الخطايا الكثيرة التي ارتكبها الشاطر بإيعاز من رأس الجماعة حينها محمد بديع ودفع ثمنها محمد مرسي وباقي أعضاء التنظيم.

خيرت الشاطر الذي أصبح ينظر إليه بين ليلة وضحاها على أنه الرجل الحديدي داخل الجماعة، وأحد الذين يرسمون إطار المحادثات مع المجلس العسكري، حيث أشرف على إدارة الانتخابات البرلمانية وتفاوض مع صندوق النقد الدولي بشأن حصول مصر على قروض، قبل أن ترشّحه الجماعة لخوض أول انتخابات رئاسية في مصر بعد سقوط نظام حسني مبارك، ومن ثمة رفض ملفّه بسبب سوابقه العدلية.

وبذلك لجأت الجماعة لترشيح محمد مرسي لمنصب الرئاسة. وهكذا بدأ مسلسل التمكين والأخونة، وإقصاء المخالفين في الرأي، وشن حروب على القضاء والإعلام، وإصدار إعلانات دستورية تعطيه صلاحيات مطلقة، دون تحقيق تطلعات المصريين ومطالب الثورة.

لم يبتعد خيرت الشاطر عن المسرح حينها، بل كان المحرك الرئيسي لكل ما يجري، بتفويض من مكتب إرشاد الجماعة، الذي فوَّضه في مسؤوليات كثيرة، منها تحديد صلاحيات وزراء حكومة هشام قنديل، فكان يقابلهم فردا فردا ويتدخل في شؤون الجميع.

لقد حاولت الجماعة، تحت قيادة الشاطر، أخونة الدولة وتخويل صلاحيات دكتاتورية للرئيس، من خلال إعلان دستوري من أجل استكمال مشروعهم. وقد استهدف الإعلان، الصادر في نوفمبر 2012، التنكيل بالمعارضة، بتعلة أنّ الديمقراطية تنال من مشروع “التمكين”، وهي بمثابة صداع يتعين التّخلص منه. ورغم التراجع عن هذا الإعلان تحت ضغط شعبي، فإنّ جوهر توجهه ظل ماثلاً حتى اللحظات الأخيرة من حُكم الإخوان.

25 تاريخ ثورة أنهت تمعش الانتهازيين من أموال المصريين

لم تفكر الجماعة في أيّ حلول سياسية وفق قواعد اللعبة الديمقراطية، وتحدثت في وقت واحد عن الشرعية والشريعة كأنها ساحر على مسرح مولد ريفي. فعمدت من ثمة إلى التلاعب المكشوف بالمفاهيم والحقائق وخلط ما لا يختلط، فمرّة تتحدث عن الديمقراطية والأغلبية ومرة أخرى تتحدث بلغة العنف والتلويح بالسّلاح، ومرة عن الدولة الحديثة ومرّة أخرى عن الدولة الدينية.

الأخطر من كل ذلك أنّها دخلت -بقيادة الشاطر وتحت رعايته- في تحالفات شبه معلنة مع تنظيمات تكفيرية ورفعت أعلام القاعدة في تظاهراتها واندفعت في أعمال عنف ضد مواطنيها عمقت مشاعر الكراهية ضدّها. وامتد نفوذ الشاطر من ثمة إلى الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح التي احتل موقع العضوية فيها، وهي جبهة تضم عددا من مشايخ التيارات السلفية والجهادية ورجال الدين المحسوب بعضهم على جماعة الإخوان المسلمين.

وحتى عندما كان الشعب يئن ويحتج ويتظاهر، كان الشاطر يهاجم معارضي محمد مرسي ويصفهم بأنهم “أقباط وفلول وعلمانيون”.

وكانت إدارة جماعة الإخوان للدولة أقرب إلى أعمال الهواة وأضفت على رجلها القوي، الشاطر، صفة “العبقرية” بينما هو كان يقُودها إلى حتفها.

لم تتوقع الجماعة النهايات؛ لأنها لم تقرأ البدايات. فلم يكن خيرت الشاطر على أدنى استعداد لقراءة المشاهد التي تتحرك أمامه أو رؤية مزالقها إلى نهاياتها. فقد تصور أنه وجماعة الإخوان المسلمين في موقع قوة يخول لهم الانفراد بالسلطة السياسية وتقويض مؤسسات الدولة واعتقال المعارضين.

جماعة الإخوان أضفت على رجلها “القوي”، خيرت الشاطر، صفة “العبقرية” بينما هو كان يقُودها إلى حتفها

لقد أزاح الشاطر، بإيعاز من قيادات الجماعة الآخرين دون استثناء، الحلول السياسية من على أجندة تفكيره في شكل كان يتّسم بالتهديد والعجرفة. ففي لحظات الحسم، بدا خطاب الشاطر خليطـا من عجرفة القوة والتهديد بالدماء، وتصور أنه يمكن أن تحصد كل شيء بلا تنازل واحد.

في هذا السياق يخلص الباحث إلى أنّ ضيق نظر الجماعة وعنجهيتها أفرزت شخصية الشاطر العدائية بالضرورة، وهو الذي زاد من تعقيد الموقف كله، ومحمد مرسي لم يكن سوى تابع مطيع له. من ثمة ولما بدأت الدائرة تضيق على الجماعة، تراجع دور محمد بشكل مفضوح لصالح خيرت الشاطر. وقد مال مرسي تحت الشعور بالخطر لتهدئة المناخ العام وتعهد لوزير الدفاع حينها، الرئيس المصري الحالي، عبدالفتاح السيسي، بإجراءات جديّة محدّدة. غير أنه ألقى في 23 يونيو 2013 خطابـا مناقضـا لما تعهّد به، في قاعة المؤتمرات بتوجيهات من قيادات الجماعة، مما فتح المجال واسعـا للإطاحة به من الحُكم. وفي ذاك الخطاب، الذي تدور أحاديث عن أنّ الشاطر كان أبرز مهندسيه، هاجم مرسي القضاء والإعلام ورفض أي إشارة لتغييرات تستجيب لمتطلبات التهدئة ولوح بإجراءات استثنائية، وبالتنكيل بخصومه، وهدد بالاحتراب الأهلي واستخدم نفس التهديدات التي لوح بها الشاطر، من فوق منصة رابعة، قبل الإطاحة بحكم الإخوان وبعدها. وفي تلك اللحظة تقوضت شرعيّة مرسي نهائيـا، واكتشفت الجماعة أنها في حالة انتحار تاريخي.

بعد الثورة الشعبية التي أطاحت بنظام الإخوان وانتهت بعزل محمد مرسي عن سدة الرئاسة، تعالت المطالب الشعبية بالقبض على خيرت الشاطر، وهو ما حصل في 5 يوليو 2013، ليتم توقيفه ونقله إلى سجن طرة، ليبدأ التحقيق معه بشأن اتّهامه بالتحريض على قتل المتظاهرين أمام مكتب الإرشاد. لتسير مصر من ثمة في طريق آخر أكثر سلامة، رغم أنها مازالت إلى الآن تجابه ما جناه عليها “صديق الرئيس” أو “سيّده” في هذه الحالة، من إرهاب وتشدد، الثابت أنه لن يدوم مهما طال به الزمان أو قصر، شأن أصحابه، وليستحق خيرت الشاطر عن جدارة لقب “الأخطر عبر تاريخ مصر الحديث”.

6