أصدقاء الصحراء المغربية يعادون وحدة المغرب الترابية

الاثنين 2015/04/27
تشبث سكان الصحراء بمغربيتهم يوضح للمجتمع الدولي حقيقة النزاع المفتعل

تبرز على السطح في كل مرّة يطرح فيها ملف النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية للنقاش لدى الدوائر الأممية، معرقلات جديدة تحرّكها القوى المناوئة لحقّ المغرب في سيادته على كامل أراضيه ووحدته الترابية بغاية تعطيل الحل السياسي. ويتنزل في هذا الإطار الموقف “المعطّل” للحل السياسي الذي صدر، مؤخرا، عن مجموعة من الدول تدّعي أنّها “صديقة للصحراء” في هذا السياق الداعم للانفصال الذي ما فتئت الجزائر تعمل كلّ ما في وسعها لفرضه على واقع، الثّابت أنّه سيلفظه إن عاجلا أو آجلا.

تواتر الحديث، مؤخرا، في بعض وسائل الإعلام عن موقف اتخذته مجموعة دول، تعتبر نفسها صديقة للصحراء، دعت من خلاله مجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ قرار حاسم في موضوع الصحراء المغربية يقطع مع الجمود الراهن في المفاوضات بين أطراف النزاع، بغاية فرض الأمر الواقع عليها، بما يجعلها غير قادرة على التملص من استحقاقات ذلك القرار.

ولفت مراقبون إلى أنّ بعض تلك الدول اتّهمت الأمم المتحدة بمحاباة المغرب حول أوضاع حقوق الإنسان في الصحراء المغربية، بتعلة عدم تكليف بعثة المينورسو بمهام تتعلق بمتابعة ومراقبة حقوق الإنسان في الأقاليم المغربية الجنوبية.

أسس وجهة النظر المغربية

يستوجب الموقف الصادر عمّا سمي بـ”الدول الصديقة للصحراء أو الشعب الصحراوي”، التي يبدو أنها تحاول خلط الأوراق في هذه القضية، تسجيل بعض الملاحظات الأساسية من وجهة النظر المغربية، بهدف توضيح الصورة أكثر حول طبيعة هذا النزاع، تتلخص في الآتي:

لا يمكن لأي كان أن يدعي صداقته للصحراء دون أن يكون صديقا للمغرب فتغذية النزاع الإقليمي المفتعل يعتبر موقفا معاديا

* أولا، لا يمكن لأيّ كان أن يدعي صداقته للصحراء دون أن يكون صديقا للمغرب، أمّا الذين يعادون المغرب، ويحاولون الظهور بمظهر الصديق الصدوق مع الصحراء لتغذية النزاع الإقليمي المفتعل حولها، فهم في الواقع أعداء للشعب المغربي في هذه القضية بالذات، ولا يحق لهم أن يزعموا أيّ تعاطف مع الصحراء لأنّها جزء لا يتجزأ من المغرب عبر التاريخ. وكل محاولة ترمي إلى فصل الصحراء عن المغرب هي، في حقيقتها، عداء معلن ضد مجمل الشعب المغربي مهما حاول أعداؤه التّستر وراء شعارات براقة تخفي بين طياتها حقدا سياسيا.

* ثانيا، إنّ المطلوب من مجلس الأمن الدولي وقواه الرئيسية، الحديث بلغة واحدة وعلى أسس منسجمة مع نفسها ومتطابقة مع مقتضيات ميثاق الأمم المتحدة، لا أن يتم انتقاء هذا البند أو ذاك من شرعة الأمم المتحدة، والعمل على تأويله وفق مقتضيات وسياقات ذاتية، ويتباين بعضها مع البعض الآخر ويتناقض معه إلى أبعد الحدود.

* ثالثا، قد تكون هناك مؤاخذات على الحكومة المغربية، في موضوع حقوق الإنسان في الأقاليم الجنوبية، كما في غيرها من الأقاليم، إلاّ أنّ المغرب يعمل دائما على تطوير تشريعاته والممارسات التنفيذية في هذا المجال، ولهذه الغاية بالذات تمّ تشكيل المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي يتمتع بصلاحيات واسعة في هذا الميدان. كما أنّ تلك المؤاخذات لا تنفي أنه لا مجال للمقارنة بتاتا بين وضع قانوني عام يسود في الصحراء المغربية وبين قانون الغاب الذي يسود في مخيمات تندوف، التي تخضع كليا للإرادة المطلقة لحكام الجزائر.

* رابعا، إنّ من يدّعون أنّهم “أصدقاء الصحراء” مدعوّون، إلى اتّخاذ مواقف حازمة من الدولة الجزائرية الّتي لم تخف، في يوم من الأيام، رعاية مشروع انفصالي يعتمد أساليب التّرهيب والتهديد، واستخدام السّلاح والأعمال التّخريبية لتحقيق غايات سياسية تعرف القيادة الجزائرية، قبل غيرها، أنها بذلك لا تقوم إلا بالاعتداء السافر على المغرب، الأمر الذي يستدعي من المجتمع الدولي تحركا سياسيا ودبلوماسيا مكثفا لإعادة الأمور إلى نصابها.

مجلس الأمن الدولي يراهن على الحل السياسي بعد فشل مقترح الاستفتاء

* خامسا، يعدّ تحديد طبيعة المخاطر التي تهدد منطقة المغرب العربي وشمال أفريقيا جراء استمرار النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية، وكذلك تحديد المسؤوليات الفعلية لمختلف الأطراف المتنازعة في تأجيج نيران هذا النزاع، من مسؤولية المجتمع الدولي ممثّلا في مجلس الأمن الدولي، الذي عليه دائما أن يخرج من المنطقة الرمادية في مواقفه عندما يتعلّق الأمر بمصير الشعوب والدول، وذلك من خلال ترجيح كفة البحث عن الحلول السياسية التي تضمن الأمن والاستقرار الشامل، وليس ترك الحبل على غارب قوى التوتر وتعكير الأجواء، بهدف خلط أوراق الحقوق مع أوراق المصالح الإقليمية غير المشروعة، لهذا الطرف أو ذاك، كما هو عليه الحال في قضية الصحراء المغربية التي توجد فيها القيادة السياسية الجزائرية في وضعية العداء التام للمغرب، محاولة الركوب على النزاع الذي افتعلته لصرف الأنظار عن قضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي ينبغي أن تكون عنصرا جامعا لدول المغرب العربي وشعوبه، بدلا عن سياسات المحاور العقيمة التي لم تجلب للمنطقة غير مزيد من المعاناة.

لا بديل عن الحل السياسي

الثابت أنّ موضوع النزاع الإقليمي المفتعل حول قضية الصحراء المغربية ليس موضوعا سهل التناول، خاصّة متى تمّ استحضار بعده الإقليمي والسنوات الطويلة من النزاع الّتي أضفت عليه تعقيدات متراكمة، إلى أن وصل إلى الوضعية التي هو عليها اليوم.

وفي حين يرى البعض أنّ القضية وصلت إلى طريق مسدود، مازال المغرب بمختلف قواه الوطنية والديمقراطية الرسمية والشعبية متشبثا بأنّ هذا النزاع مفتعل وينبغي له أن يصل إلى نهايته الطبيعية باعتبار قضية الصحراء قضية وطنية للمغرب لن يتم التنازل عنها طال الزمان أو قصر. فلو كانت القضية قضية طرفين إقليميين يعتقد كل منهما أنّها قضيته الوطنية لهانت المسألة، ولتمت مقاربتها بطريقة تسمح بالتوصل إلى حل وسط بينهما، ليسدل الستار على التوتر الذي يسود، في مثل هذه الحالات، العلاقات بين الأطراف المعنية، لكن الحال في هذه القضية مخالف لذلك تماما، فالجزائر هي التي نصبت نفسها، بشكل تعسفي واضح وصريح، وصية على جزء من أبناء الشّعب المغربي.

كذلك تحاول الجزائر الوقوف سدّا منيعا أمام كل محاولات المغرب لكسر الحواجز النفسية والموضوعية التي تمت إقامتها على مدى عقود طويلة بين عدد من المواطنين الصحراويين المغاربة، الذين فرض عليهم الحصار في مخيمات تندوف، تحت إشراف الجزائر وبواسطة قوات القمع التابعة لجبهة البوليساريو، وبين المغرب الذي رفع شعار، إن الوطن يغفر لمواطنيه، منذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني.

ولذلك لا تلبث الجزائر أن تتحرك باتجاه إفشال مساعي المغرب في اتّجاه المصالحة مع مواطنيه، بل إنّها تتعمّد العمل على عرقلة كل الجهود التي يبذلها المجتمع الدولي من أجل إيجاد حلّ سياسي مقبول، لدى مختلف أطراف النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية، بما في ذلك مساعي مجلس الأمن الدولي في هذا المجال، مع العلم أنّ مخطّط الأمم المتحدة حول استفتاء تقرير المصير في الصحراء، قد اصطدم بالفشل المطلق، منذ خطواته الأولى.

"أصدقاء الصحراء" مدعوّون إلى اتخاذ مواقف حازمة من الجزائر التي لا تخفي رعايتها لمشروع انفصالي يعتمد أساليب الترهيب والتهديد

وقد أدّت معاينة مجلس الأمن الدولي لواقع الفشل الذريع الذي انتهى إليه مخطط تنظيم استفتاء تقرير المصير، كما وضع المنتظم الأممي أسسه وضوابطه، إلى اتخاذ قرار التخلي عن تنفيذ خطة مستحيلة التنفيذ وتبني الدعوة إلى البحث عن حل سياسي للنزاع يحظى بموافقة الأطراف المعنية مباشرة أو بصورة غير مباشرة بهذا الملف، واعتماد أسلوب المفاوضات طريقا أوحد تحت إشراف مبعوثي الأمين العام للأمم المتحدة.

لكن يبدو أن هذه المفاوضات قد اصطدمت، هي الأخرى، بعقبات جدية، لم يتم بعد تذليلها، رغم الجهود التي بذلها المغرب في هذا الاتجاه، وخاصة من خلال تقديم مقترح الحكم الذاتي الموسع للأقاليم الجنوبية المسترجعة استجابة لدعوة مجلس الأمن الدولي إلى العمل على إيجاد حل سياسي توافقي من جهة، وإيمانا من المغرب من جهة أخرى، بأن مقترح الحكم الذاتي، الّذي قدّمه منذ عام 2007، يلبّي طموحات الصحراويين المغاربة المتعلقة بالإشراف المباشر على تدبير شؤونهم المحلية في إطار احترام السيادة المغربية باعتبارها حقا غير قابل للتصرف.

وعلى الرغم من ترحيب المجتمع الدولي بهذا المقترح كبديل جدي لخطة الأمم المتّحدة الّتي باءت بالفشل الذريع، الأمر الذي أدى بمجلس الأمن الدولي إلى التخلي عنها لفائدة الحل السياسي المتفاوض عليه، إلاّ أنّ القيادة الجزائرية مازالت ترفض، عمليا، البحث المعمق في هذا المقترح، والعمل على تنفيذه على الأرض موعزة لقيادة البوليساريو الانفصالية برفض الحكم الذاتي ومحاولة العودة إلى خطة الأمم المتحدة الفاشلة.

وهذا التلكؤ يعني أنّ الجزائر لا تملك أيّ إرادة سياسية باتجاه البحث عن حل سياسي ممكن للنزاع، بل إنّها تحاول إغراق الملف في مفاوضات عقيمة وعبثية إلى ما لا نهاية، كما لو كانت تراهن على مستجدات قد تأتي وقد لا تأتي، تفرض فيها تصورها على القضية، بما يخدم المشروع الانفصالي.

ولأنّ هذا التمشي هو الذي يصبغ جوهر الإستراتيجية الجزائرية، فإنّ مواجهته بشكل ملموس وجدي يكون من خلال الإسراع بعملية تسوية للنزاع، ويعدّ دور مجلس الأمن الدولي حيويا جدا على هذا المستوى.

6