أصدقاء متطوعون يقفون إلى جانبك لتجاوز الأزمات

الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تعيشها المجتمعات العربية أدت إلى ازدياد النزعات الانتحارية في المجتمع، وهي ظاهرة جديدة في المجتمعات الإسلامية.
الأحد 2018/04/22
الصديق المقرب يصغي إلى الهموم ويتعاطف مع الضحية

وفقا للخبراء فإن المشكلات التي تدفع إلى الانتحار في كافة بلدان العالم هي نفسها في المجتمعات العربية، ومنها المشكلات العاطفية والجنسية، والمشكلات الاجتماعية. وتكمن المفارقة في أن الإقدام على الانتحار يزداد خلال فصل الربيع.

ودفعت ظاهرة تزايد الانتحار عددا من المهتمين إلى إنشاء جمعيات اجتماعية في مصر غرضها الأساسي تخفيف الضغوط التي قد تسبب ظهور النزعات الانتحارية، وقد سُمّيت هذه الجمعيات بأسماء مختلفة، منها “الصديق المقرب”، و”لست وحدك”، و”نحن معك”، و”لحظة صدق”. وتقوم فلسفة هذه الجمعيات على منح الفرصة لمن يعاني من ضغوط نفسية ليتحدث عن نفسه عوض إعطائه نصائح مباشرة.

ويقول الدكتور مراد جلال استشاري الطب النفسي عن جمعية “الصديق المقرب” التي يترأسها إن الغرض الأساسي من إنشاء هذه الجمعية هو تقديم مساعدات معنوية للناس الذين يشعرون بالوحدة والعزلة والحزن واليأس من الحياة، وحمايتهم من النزعات الانتحارية، في إشارة إلى أن مثل هذه الأفكار دفعت الكثيرين إلى الانتحار خلال الفترة الأخيرة.

ويضيف الدكتور جلال أن الجمعية تقوم بمساعدة الذين يعانون من مشكلات لحمايتهم من التفكير في الانتحار، في إشارة إلى الشخص الذي يقوم بدور الصديق المقرب أو المتابع للحالة، والذي يتم تعيينه من خلال الجميعة لتخفيف حالة التوتر التي قد يشعر بها الشخص الذي يعاني من نزعات انتحارية.

اختيار المتطوعين يتم بعناية بعد إجراء الاختبارات، لينضم المتطوع إلى فريق العمل ويتدرب حوالي أربع ساعات يوميا حتى يصبح مستمعا جيدا وقادرا على إسداء النصائح

أشار جلال إلى أن مساعدة هؤلاء الأشخاص من شأنها أن تخفّف آلامهم ومشكلاتهم وتجنّبهم محاولة الانتحار. كما تتم مساعدة هؤلاء على اكتشاف قدراتهم الشخصية، منبها إلى أن الصديق المقرب لا يسدي النصائح ولا يفرض أي رأي بل يسمع ويتعاطف مع أولئك الذين يعانون من الوحدة والاكتئاب والشعور باليأس من الحياة.

وأكد أن اختيار المتطوعين يتم بعناية بعد إجراء العديد من الاختبارات لينضم المتطوع إلى فريق العمل ويتم تدريبه حوالي أربع ساعات في اليوم ويكون مستمعاً جيداً ولديه القدرة على تقديم النصائح.

كما أفاد بأن أعضاء الجمعية أفراد مميزون يتطوعون بالوقت والخدمة لمساعدة الآخرين وذلك بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية ومن خلال الدعاية والاعتمادات الذاتية، والرد على خدمة “الخط الساخن للمساعدة”.

ومن ناحيته يكشف الدكتور ناصر لوزا -استشاري الأمراض النفسية والعضوية في مصر، وقد شارك بفعالية في أكثر من جمعية تتبنى نهج المشاركة النفسية والاجتماعية- أن المشكلات متنوعة؛ فهي لا تقتصر على نوع واحد من جوانب الحياة، إذ منها الأسرية مثل المشكلات المتعلقة بالزواج والطلاق، ومنها الشخصية مثل المشكلات المتعلقة بتعاطي المخدرات، وغير ذلك.

وأوضح أن الهدف من مثل هذه الجمعيات توفير الدعم المعنوي لكل من يمر بأزمة حادة تجعله يشعر بالعزلة ويفكر في الانتحار، فكلنا -بغض النظر عن الانتماءات الاجتماعية والاقتصادية والدينية- نحتاج إلى أذن صاغية وإلى مستمع يتفاعل مع شكوانا ويتعاطف معنا دون إصدار أحكام.

إلا أن لوزا يؤكد أن هذه الخدمات ليست بديلة عن العلاج النفسي أو الطبي، إنما هي مكملة للعلاج، مشيرا إلى أن الطبيب النفسي لا يستطيع أن يسمع المريض إلا من خلال أوقات محدودة يقدم بعدها النصيحة، ولكن المتطوع يستمع إلى المتحدث في ما شاء من ساعات، لذا يستطيع المتحدث أن “يفضفض” عن همومه خلال ما يشاء من الوقت دون أن يشعر المتطوع بالملل أو السأم.

وأضاف أن من يلجأون إلى مثل هذا النوع من المساعدة عبر الهاتف عادة لا يتركون غير اسمهم الأول، فيكون الاتصال فقط من خلال هذا الاسم أو دون ذكر عنوان، والبعض الآخر يحضر للمقابلة.. فلا يوجد مقياس حقيقي لنجاح حل مشكلات هذه الوضعيات إلا في حالة واحدة؛ إذا تحدث وأفادنا وشكرنا على حل مشكلته.

كما قال إن هذا النوع من العلاج هو من أنجح الطرق للوصول بالشخص الذي يمر بأزمة إلى بر الأمان، مفيدا بأن هذا النوع من العلاج يقدم العون النفسي والمعنوي وأحيانا الطبي لليائسين والمقدمين على الانتحار بواسطة الاستماع.

جمعية "الصديق المقرب" هدفها الاستماع إلى أزمات الشباب، وتتلقى مئات المكالمات لمواساة من تحاصرهم الهموم 

وشدد على أن مهمة الجمعية لا تكمن في العلاج بقدر ما تتمثل في الاستماع الجيد لهموم المتعاملين معها، ومشاركتهم في التوصل إلى قرار صائب عن طريق الحوار والمناقشة الواعية دون التوجيه والنصح، موضحا أنه  يمكن للشخص الذي يشعر بالحزن أو الاكتئاب أن يتصل بالجمعية فورا دون أن يشعر بأي حرج أو تخوف.

أما نادية رسلان، المديرة التنفيذية لإحدى الجمعيات وإحدى المتطوعات لسماع هموم الغير، فتقول إنها سعيدة بمهمتها التي هي بالدرجة الأولى الحفاظ على أسرار المرضى، وبما أن الصديق المقرب غير معروف بالنسبة للمريض فإن هذا الأمر يجعله لا يخشى “الفضفضة”، وهذا غير متوافر للصديق الذي يكون من دائرة معارف المتعامل مع الجمعية. وتشير رسلان إلى أن فكرة إنشاء الجمعية موجودة منذ عدة سنوات.

كما كشفت رسلان أنه ثمة من يلجأ إلى الجمعية ويبدأ في سرد مشكلاته للمتحدثين معه ويصرخ أو يبكي بشكل مفاجئ أو ملفت، ولا شك في أن مجرد التعبير عن هذا الضيق أو الألم يحدث شيئين؛ أولا التنفيس وثانيًا إعادة الرؤية للموقف وبهذا تخرج جوانب خفية من الموضوع تم اكتشافها بالاسترسال في الكلام والانفعال.

وتؤكد رسلان قائلة “العمل في الجمعية تطوعي، فالخدمة التي تقدمها مجانية ولدينا نحو 150 متطوعا، ونستقبل المتطوعين، ونعقد لهم ست جلسات لتنمية قدراتهم على الاستماع، ونشرح لهم بعض المواقف التي قد يتعرضون لها على الهاتف، ومن الضروري التدريب والتأهيل لمعاونة الآخرين، وفلسفة عمل الجمعية تعتمد على اختيار أشخاص لديهم ملكة الاستماع، والرغبة في تخفيف العبء عن الآخرين”.

21