أصدقائي الخضر

السبت 2014/05/03

بسبب المسافات والحروب المستمرة وسوء الفهم والنفاق والنميمة وعدم تقبل الرأي الآخر، أصبحت الصداقات المعمرة مثل عجائب الدنيا؛ لا نصادفها إلا في المواقع الأثرية وكتب الرحلات محاطة بغبار تاريخ بعيد ثمين لا يمكن القبض عليه.

أما الحاضر المزدحم بالعواصف والغبار الذري، فتكاد لا تعرف فيه صديقك من عدوك. الصديق بمفهومه التاريخي بحسب ما جاء في كتاب الأغاني للأصفهاني في نسخته الحديثة التي ما زالت على مائدة الرقيب، هو الذي لا يضحي بك قربانا لمصلحته الشخصية، وهو الذي لا يطعنك في ظهرك في وضح النهار، وهو الذي لا يلغي ملامحك من سجل هاتفه الجوال في المواسم والأعياد والأحداث الانتخابية، كما أنه – حتما- سيحفظ سرك ولا يشي بك عند أول جلسة استجواب في مقر المخابرات العامة.

يتساوى الرجل والمرأة في حاجتهما إلى حائط (مبكى) يبثانه شكواهما وهمومهما بين انتكاسة نفسية وأخرى، لكن المفهوم الشعبي الصيني يختصر معاناة المرأة تحديدا في بحثها المستمر عن معنى حقيقي للصداقة، حيث يعتبر النساء كالحكام، قلما يجدن أصدقاء مخلصين!

وحين تعاني النساء – مثلا- من جور الصديقات، فإن أصول الصداقة لديهن تتشابك بمجموعة معقدة من الشروط والمؤثرات والمواقف والمحركات، لعل أهمها عنصر الغيرة. لذلك، قلما تحظى المرأة بصداقة حقيقية مع بنات جنسها، أما صداقة المرأة للرجل فهي محفوفة بمجموعة من المخاطر أولها الوقوع غير الآمن في ورطة الحب، حيث تتحول معظم الصداقات بين الجنسين – تلقائيا- إلى علاقة حب لا تنتهي عادة بالصداقة.

بعض السيدات اللاتي لا يتسع مزاجهن لمزيد من الصدمات النفسية، يخترن الوحدة وهي حكمة مجربة لها أصول أخلاقية ودينية؛ فالحديث النبوي الشريف يوصي الناس (من الجنسين) بهذا الخيار والاستعاضة عن الصديق المزيف بالوحدة. يقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم: “استأنسوا بالوحدة عن جلساء السوء”.

الخيار الأحدث في هذا المجال اشتق مكوناته من نتائج أبحاث زراعية حديثة، أثبتت أن النباتات البيتية الأليفة يمكنها أن تكون بديلا جيّدا لتحل محل الأصدقاء الطيبين، مع توافر موهبة المحافظة على الأسرار وخيار قطع الاتصال معها في أي وقت من دون الحاجة لمبررات لغوية ساذجة. النباتات هذه الأيام يمكنها أن تجالسك وتشرب معك شاي (العصرية) مع السكر أو دونه، كما يمكنها أن تشاركك وليمة غداء خاصة بالحمية، وتعدك بامتصاص ما يمكن إمتصاصه من عصارة الخضراوات والحبوب المغلية عن طيب خاطر.

تقول نتائج الأبحاث، بأن نقع جذور النباتات بالشاي البارد يسرّع في نموها، وسقي الأزهار بماء الخضراوات والحبوب المغلية بعد تبريدها يزيد من تألقها. هذه النصائح الزراعية الثمينة لا تقدر بثمن، فهي تساعد على نمو نباتات المنزل الأليفة وتطيل من عمرها، إلى الحد الذي ترتقي فيه فتصبح صديقا مخلصا يصلح لأوقات الضيق والاكتئاب والقلق والملل الذي يرافق الأعمال والمسؤوليات الكثيرة. هذا الصديق (الأخضر) يستطيع – مثلا- أن يشاركك جلسة سمر لا تكلفك سوى فنجان شاي صغير، فتشكو له همومك وتتبادل معه أخبار جنونك من دون الحاجة إلى كلمات؛ فالحوار الأخضر صامت جميل رقيق الأوراق.

بالطبع، لا يمكن لهذا الصديق أن يحاصرك بخياناته كما لا يعنيه أن يقتص من نجاحك أو أن يفشي بأسرارك لأقرب وكالة أنباء، إنه صديق كاتم للصوت، بإمكانك أن تستمتع بمجالسته من دون أن تصاب بصداع أو غثيان، وبالتأكيد فهو الصديق الذي لا يتسبب موته أو موت مشاعره بخسائر معنوية تذكر، حيث في الإمكان دائما استبداله بصديق آخر يحمل أوراقا أكبر حجما ونضارة!

أدعي بأنني أكثر حظا من بعض الناس الذين اكتفوا بالوحدة وكفروا بالأصدقاء؛ فأنا احتفظ بأصدقائي الخضر في زاوية صغيرة منعزلة في المنزل، حيث يفرض حظر التجوال بالقرب منهم كامل اليوم، ممنوع الاقتراب أو التصوير. أصدقائي الخضر الذين أمنحهم عطفي ورعايتي المنكهة بالشاي الخالي من السكر، طالما صبروا على ثورات مزاجي المتقلب وطالما تقبلوا أفكاري العشوائية برحابة صدر، حتى أصبحوا شعوبا وقبائل تشع نضارة وعذوبة مع بعض الثقة والتفاؤل، بعض التفاؤل فقط، فالكثير منه يفسدني.

21