أصدقائي الرصيفيون

أنشأت ثقافة الرصيف أسماء كثيرة في عالم الموسيقى والمسرح والرسم والشعر والغناء. اقتحم بعضهم الصالونات، مشى فوق السجّاد الأحمر وتحت الأضواء.. ومات الكثير منهم كما تموت الفئران والصراصير.
الثلاثاء 2019/08/06
فئة همّشها المجتمع (لوحة عمران يونس)

أرعبني ذات ظهيرة، مكبّر صوت ينبعث من سيّارة دفن الموتى، بأن خاطبني باسمي الصريح وبعد أن قطع تراتيله وأدعيته، على حين فجأة، وتوجه لي بالقول ممازحا “اطلع على الرصيف يا فلان، ما معي فرامل، وين شارد، بشو عم تفكّر”؟ إنه صديقي أبوماهر، كبير موظفي مكتب دفن الموتى في دمشق، والمعروف برخامة صوته، وإدمانه لأغاني عبدالوهاب، كلما “سلطن” بعد قدحين في حانة “فريدي” لصاحبها جوزيف.

أذكر يومها، أني عدت إلى بيتي الذي كان يتوسّط مقبرة “الدحداح” الشهيرة في شارع بغداد الدمشقي ثمّ عكفت على كتابة مسرحيّة “إسماعيل هاملت” التي كان بطلها مغسّلا للأموات، بعد أن كان مكيّسا في حمّام السوق ضمن رحلته القدريّة في قراءة الجسد البشري حيّا وميّتا.

يكشف إسماعيل كلّ خفايا وأسرار الجسد المسجّى أمامه من وشم وعجز واستعلاء. يحاور أصحاب تلك الأجساد، يشاكسهم ويقول لهم ما لم يجرؤ على قوله وهم أحياء. أمّا التقاطع مع هاملت شكسبير فلأنّه جاء هذا اليوم ليغسّل جثّة عمّه الذي ظلمه كثيرا، بالإضافة إلى كونه صار يلمح طيف أبيه كلما اختلى بنفسه في غرفة البخار بالحمّام.

أقول اليوم لنفسي بعد مضيّ زمن على تلك المسرحيّة التي طافت بلاد العالم، باسم فرقة الرصيف المسرحي التي أسستها: شكرا لذاك الصوت المنبعث من سيّارة دفن الموتى ذات يوم فقير وبائس، وذات رصيف حنون ودافئ.

شكرا لكلّ أصدقائي الرّصيفيين ـ الأحياء منهم والأموات، الطيبين منهم والأوغادـ، أكرهكم أحيانا لأنكم دفعتموني للكتابة غصبا عنّي. شخصيات رصيفية كثيرة كتبتها وكتبتني في دمشق: “عيشة” التي ماتت وهي تنتظر بفستان عرسها، منذ 30 عاما حبيبها الذي وعدها بالمجيء عند الساعة الثانية والنصف. ماسح الأحذية الذي يعرف كيف يقرأ الآخرين من خلال أحذيتهم، وكيف عليه أن لا ينظر إلى الأعلى كثيرا.

الرصيف نبّه المرحوم صلاح صلّوحة ـ الورّاق الأشهر في الشام ـ كيف يقرفص مثقّف حقيقي على الرصيف ويلتهم صفحات من كتاب لا يمتلك ثمنه الزهيد في غفلة منه ومن الزمن.

أنشأت ثقافة الرصيف أسماء كثيرة في عالم الموسيقى والمسرح والرسم والشعر والغناء. اقتحم بعضهم الصالونات، مشى فوق السجّاد الأحمر وتحت الأضواء.. ومات الكثير منهم كما تموت الفئران والصراصير.

ليس الأمر دفاعا عن هذه الفئة فمنهم الوغد والسّافل والأرعن، ولا يجمعهم سوى الرصيف، ولكنّها فئة همّشها المجتمع بل سحقها تحت دواليبه دون أن يستخدم الفرامل.. فرامل اسمها الإحساس بالآخر.        

24