أصغر طائفة في العالم تحتفل بأعيادها في نابلس

يعتقد السامريون أنهم بقايا شعب بني إسرائيل، ويرفضون أن يطلق عليهم اليهود، فهم فلسطينيون يعتزون بوطنهم، ويتعايشون مع المسلمين، ويحتفلون بأعيادهم الدينية على قمة جبل جرزيم ولا يعترفون بأي عيد وطني أو قومي.
الأربعاء 2016/10/19
تراتيل وأدعية

نابلس (الضفة الغربية)- تحت عُرش (مظلة من سعف النخيل) مزيّن بأصناف الفاكهة زاهية الألوان، جلست عائلة إبراهيم عطا الكاهن، من الطائفة السامرية في مدينة نابلس (شمال الضفة الغربية)، بانتظار الزائرين والمهنئين بعيد العُرش، بعد أن وضعت ربــة البيت أصناف الحلويات في صالة الاستقبال. وتحتفل الطائفة السامرية هذه الأيام، بعيد العُرش، الذي بدأ السبت الماضي، (وفق تقويمها) ويمتد لسبعة أيام، تتخلله طقوس ومظاهر فرح، تبدأ بحج أفراد الطائفة السامرية لقمة جبل جرزيم (الجبل الجنوبي لمدينة نابلس)، اعتقادا منهم بأنها بوابة السماء.

ويمثل جبل جرزيم، الذي يحمل أسماء أخرى منها الطور والبركة، قبلة الطائفة السامرية التي تؤمن بأنه مكان مقدس وتقيم طقوسها الدينية عليه كما كانت تقام قبل الآلاف من السنين. ويزين أبناء الطائفة السامرية منازلهم بأنواع من الثمار المختلفة من الخضار والحمضيات، إضافة إلى ورق الغار وسعف النخيل، كما نصت عليه شريعتهم الواردة في العهد القديم.

مرتديا “الصاية” (عباءة طويلة)، و”الطربوش” ذا اللون الأحمر على رأسه، وهو اللباس التقليدي للرجال السامريين في أعيادهم، يتحدث إبراهيم عن طقوس عيد العرش لدى أبناء طائفته. وبينما انشغلت زوجته بدوية بتقديم الحلوى للزائرين، والتي صنعت خصيصا لهذا العيد، يوضح إبراهيم أصل عيد العرش، قائلا “عندما تاه بنو إسرائيل في صحراء سيناء في قديم الزمان، كان الله يرسل لهم ظلا يحميهم من أشعة الشمس”.

الفاكهة والفرح عنوان عيد العرش عند السامريين

ويتابع “أمر الله بني إسرائيل بأن يصنعوا عُرشا من الفاكهة في منازلهم في مثل هذا الوقت من كل عام، وأن يجلس أفراد العائلة تحته يأكلون ويشربون سبعة أيام، ليتذكروا ما مرّ به بنو إسرائيل في ذلك الزمان”. وتقول بدوية “في عيد العُرش، نبني العُرش في المنازل بمشاركة الأطفال بناء على طلب رب العالمين من بني إسرائيل خلال التيه في صحراء سيناء عقب خروجهم من مصر”.

وتضيف، بعد أن اصطحبت عددا من الضيوف إلى منزلها لرؤية المظلة التي عملت على ترتيب حبات الليمون والرمان والترنج والفلفل الأحمر فيها، “يجب أن يكون الكل سعيدا في هذا العيد، إنها أيام لإبداء الفرحة والسرور”. وتتابع “سأقوم بعد انتهاء العيد بتوزيع هذه الثمار على الأهل والأصدقاء، إضافة إلى الاحتفاظ بقسم منها في المنزل”. ويقول الشاب ضياء الكاهن، أحد أبناء الطائفة، إن العائلات تتسابق في تزيين منازلها لأن كل عائلة تريد أن تبدو مظلتها هي الأفضل.

ويضيف “مساحة المظلة والثمار المستخدمة فيها تكونان حسب قدرة العائلة، لا توجد قيود في الشريعة على ذلك، يجب أن تكون الثمار المستخدمة فيها من الثمار الطيبة”. ويتابع “نحن نحتفل بالعيد في العاشر من الشهر السابع حسب التقويم العبري القديم، وتستمر التحضيرات له أربعة أيام ويكون خلال شهر أكتوبر حسب التقويم الميلادي من كل عام”. وتقام المظلة في غرفة المعيشة، حيث تعلق في السقف بمساحات مختلفة تزينها أنواع من الثمار من أبرزها الرمان والليمون والترنج، وهو نوع من أنواع الحمضيات، بطريقة تشكل لوحة فنية.

وفي منزل آخر بحي السامريين، تقف السيدة نجوى الكاهن، في استقبال وفود المهنئين بالعيد من الأقارب والأصدقاء، وتقول نجوى “أجمل ما في العيد هو زيارة الأقارب والأحبة، يجلسون تحت العرش في صالة الاستقبال، ويتناولون الحلوى”. واعتنت السيدة نجوى وعائلتها، بتزيين العرش في منزلها بطريقة فنية دقيقة، فحبات الرمان والليمون والفلفل، وغيرها من أنواع الفاكهة، رتبت فوق العرش المعلق في سقف الصالة ممتدا لثلاثة أمتار.

طائفة فلسطينية

تنتسب الطائفة السامرية إلى بني إسرائيل، إلا أنها لا تعد نفسها من اليهود، وتعتبر أن ديانتها هي “ديانة بني إسرائيل الحقيقية”، وأن توراتها هي الصحيحة غير المحرفة. ويحمل السامريون الجنسية الإسرائيلية، إلا أنهم يتحدثون العربية بطلاقة، ويفخرون بوطنهم فلسطين، ويشغلون العديد من المناصب الحكومية في مدينة نابلس، التي يترددون عليها يوميا من أجل العمل أو الدراسة.

عائلات سامرية تحرص على توزيع الفاكهة على أصدقائها المسلمين

ولا يرى السامريون أنفسهم أقلية في المجتمع الفلسطيني، حيث قال الكاهن حسن واصف السامري “نحن جزء من الشعب الفلسطيني، صحيح أن عددنا كطائفة دينية قليل، ولكننا جزء من هذا الشعب”. ويشارك المسلمون أبناء الطائفة السامرية في تهنئتهم بالعيد، فيتبادلون الزيارات والتهاني، فيما تحرص بعض العائلات السامرية على توزيع الفاكهة المعلقة في “عرش” العيد على أصدقائها المسلمين بعد انتهاء أيام العيد.

أما على قمة الجبل أو “بوابة السماء”، بحسب المعتقدات السامرية، فقد اصطف عدد من الكهنة لأداء طقوس الحج في ساعات الصباح الباكر. الكاهن عبدالمعين السامري، أنهى تراتيل التوراة، موضحا اقتصار مراسم الحج لهذا العيد على عدد قليل من الكهنة، لأن أول أيام العيد صادف يوم سبت، الذي يعد يوما مقدسا لديهم أكثر من أي يوم آخر، فلا يقومون خلاله بأي عمل، ولذلك يتم تعويض الحج في يوم آخر خلال العيد، حسب قوله.

يقول “أول يوم بعيد العرش نصلي لسلامة العالم وندعو الله أن يرسل لنا المطر في وقته”. ويشير الكاهن السامري إلى أن طائفته تحج ثلاث مرات خلال العام على قمة جبل جرزيم، “فهي تقوم بالشعائر الدينية الصحيحة، كما جاءت بالتوراة”. وفي أجواء الحج، وعلى أصوات التراتيل باللغة العبرية القديمة للكهنة عند “بوابة السماء”، يقول الكاهن عزيز يعقوب “الطائفة السامرية جزء من بني إسرائيل من سلالة يعقوب عليه الصلاة والسلام، نؤمن بالتوراة ونبينا موسى عليه السلام، قبلتنا وجبلنا المقدس هو جبل جرزيم، والكتاب المقدس هو توراة سيدنا موسى”.

ويمثل عيد العُرش لدى السامريين، فرحة بني إسرائيل بخروجهم من عبودية الفراعنة بمصر، حيث أقاموا المعرشات وزينوها بالفاكهة، بحسب الكاهن عزيز السامري. ويضيف “من هنا نقوم بتزيين منازلنا في هذا العيد بالفاكهة وأغصان الشجر والفواكه البهية كالليمون والرمان قدوة ببني إسرائيل الذين خرجوا من مصر”. ويحتفل السامريون بأعياد التوراة الدينية فقط وهي سبعة؛ عيد الفصح أو الفسح (عيد القربان)، عيد الفطير (العجين غير المختمر)، عيد الحصاد، عيد رأس السنة العبرية، عيد الغفران، عيد العرش (المظال)، العيد الثامن أو فرحة نزول التوراة، وليس للسامريين أعياد وطنية أو قومية، ومن خلال هذه الأعياد يحج السامريون إلى جبلهم المقدس ثلاث مرات سنويا، في أثناء عيد الفصح وعيد الحصاد وعيد العرش.

ويبلغ عدد السامريين 785 فردا، يسكن قسم منهم على قمة جبل جرزيم، والقسم الآخر في منطقة حولون داخل إسرائيل. وتقيم الطائفة السامرية على قمة جبل جرزيم متحفا لها يروي حكايتها عبر مجسمات تظهر كيفية إحيائها لعدد من شعائرها الدينية ومن أبرزها الحج، إضافة إلى نسخة خطية قديمة من العهد القديم والكثير من الأدوات التي استخدمتها الطائفة في حياتها اليومية.

الخلاف مع اليهود

فلسطينيون يتكلمون العبرية والعربية

كلمة “سامري” تعني في العبرية القديمة محافظا، أي كل سامري يجب أن يكون من المحافظين على شرائع الدين وأحكامه وضوابطه كما يجب أن يكون محافظا على التوراة القديمة، والتي يعتبرها السامريون التوراة الأصلية والتي تختلف اختلافا كبيرا عن التوراة اليهودية، حيث تحتوي كل من التوراتين على فروقات تصل إلى حد تكفير كل طائفة الأخرى. ويعتقد السامريون أنهم يملكون النسخة الأصلية للتوراة، التي يعود تاريخها إلى ما يزيد عن 3600 عام ومكتوبة على جلد غزال، ويؤمنون بخمسة أسفار من التوراة، ويقدسون جبل جرزيم بنابلس، وينفون ادعاء دولة إسرائيل بقدسية القدس.

ويرجع العديد من المؤرخين العداء بين السامريين واليهود إلى مرجعية دينية، وقال الكاهن الأكبر للطائفة السامرية هارون أبوالحسن والذي توفي سنة 2013، إن السامريين واليهود يؤمنون بتوراة واحدة، إلا أن السامريين يؤمنون بالأسفار الخمسة الأولى من الكتاب المقدس ولا يؤمنون بالبقية، وبعد هروبهم من بطش فرعون في مصر القديمة، عاش السامريون منشقين عن اليهود، حيث أن اليهود في أنظارهم هم من انشق عن الديانة من بني إسرائيل.

وحدث الانشقاق بين اليهود والسامريين في زمن الملك سليمان وداوود، فكان الاختلاف على الهيكل، الذي يؤمن اليهود بوجوده في القدس، إلا أن السامريين لا يؤمنون بذلك الهيكل، هيكل سليمان، كما لا يؤمنون بنجمة داوود، ويؤمنون بأن هيكل سيدنا موسى على جبل جرزيم حيث يعيشون، بالإضافة إلى إيمانهم بأن قصة سيدنا إبراهيم حول ذبح ابنه إسحاق كانت على جبل جرزيم، في حين ينفيها اليهود ويؤمنون بحدوثها في القدس، كما أنهم يؤكدون على الآية الوحيدة في التوراة التي لم يُغيّرها اليهود وهي قول الله “وجعلت البركة على جبل جرزيم”.

وترتكز الديانة السامرية على خمسة أركان أساسية هي، وحدانية الله الواحد الأحد، نبوة موسى بن عمران كليم الله ورسوله، التوراة خمسة أسفار، قدسية جبل جرزيم وهو قبلة السامريين، واليوم الآخر وهو يوم الحساب والعقاب، وكل سامري لا يؤمن بالأركان الخمسة إيمانا أكيدا ثابتا وراسخا غير قابل للشك، لا يعتبر سامريا، وتعتمد العقيدة السامرية على الوصايا العشر التي أنزلها الله على موسى الكليم في جبل سيناء، بعد خروجهم من مصر وتحررهم من عبودية فرعونها، وهي “لا تكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تنطق باسم الله كذبا، احفظ يوم السبت، احترم أباك وأمك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد شهادة زور، لا تشته بيت قريبك وما يحويه، احفظ قدسية جبل جرزيم الذي اختاره المولى لإقامة الشعائر الدينية عليه”.

20