أصفاد القبيلة تكبل أصوات المرأة المبدعة

ثمة كتابة مغايرة ومختلفة يبدو فيها الانقلاب والجموح والثورة على مشهد متكلس، يعاني من الجمود والعطب والرضوخ لتكريس أسماء هجرت الشعر منذ زمن فات، ثم تظهر أجيال جديدة تحفر أصواتها الشعرية، معلنة عن تجارب مغايرة بقصائد برية مفخخة بالرمز ومشغولة بقضايا الإنسان، من هذه الأصوات تبرز الشاعرة المصرية رضا أحمد معبرة عن أبناء جيلها كواحدة من الأقلام المنفلتة من فكرة التجنيس الأنثوي للقصيدة. “العرب” التقت رضا أحمد للحديث إليها عن ديوانها الأول “لهم ما ليس لآذار”، وعن تجربتها الشعرية، وعن راهن الشعر في مصر، وعن العديد من المواضيع الأخرى.
الأربعاء 2016/11/30
صرخة المبدعة ضد القيود والأعراف الذكورية

تؤكد الشاعرة المصرية رضا أحمد في بداية حديثها على أن الشعر هو طريقها لوضع الأشياء في مكانها الصحيح، رغم أنها كانت بعيدة جدا عن هذه المخاطرة، فهي كما تقول تتمايل بين الخط والظل واللون داخل اللوحات، إلا أن الشعر دائما يحتفظ لنفسه بالوقت المناسب ليلقي بنا في قصيدة.

بدأت رضا أحمد خطواتها الجادة في الكتابة منذ ما يقرب من خمس سنوات، لم تكن قبلها تحتاط لأفكارها الصغيرة عن الشعر إلا أنه بالمداومة على القراءة والاطلاع عرفت أنها تكتب بلغتها الخاصة وقصيدتها المختلفة. وكان هذا الوقت المناسب لتخرج إلى تجربة النشر وإصدار ديوانها الأول “لهم ما ليس لآذار” عن دار نبض للنشر والتوزيع، الذي حرصت فيه على تماسك الموضوع في متواليات شعرية تجعل من الحزن والوحدة والعوز والقلق والخوف مادة أساسية تحفظ للإنسان كرامته وإحساسه بالحياة، ومصدرا للتباهي.

ضبابية المشهد الشعري

يبدو أن ثمة ضبابية تشغل سماء المشهد الشعري المصري، عن هذا تجيبنا رضا أحمد بقولها “كنت لا أحب التعرض لهذا، ولكن للأسف المشهد الثقافي بالكامل تغلب عليه النزعة الإقصائية ويغيب عنه الوعي بحتمية الاختلاف والتنوع وضرورة التجديد، البعض ينصب نفسه محتكرا لهوية القصيدة ويقتصر الإبداع على ذائقته الخاصة.

نرى مثلا عنصرية تجاه قصيدة النثر من التيار المحافظ الذي يقاومها بكافة السبل سواء المؤسسي أو الأكاديمي أو الملتقيات الشعرية ويسعى إلى حبس القصيدة والحفاظ على مفهوم الشعر مستقلا بعيدا عن أي حراك، وإن كان ذلك التيار الرجعي برؤيته هذه لا يختلف عن آخرين ممن يضعون أنطولوجيا للشعر الحديث بمقياس ما يروق لهم من أسماء كأصدقاء وشعراء الجيل نفسه وهكذا، الرجعية السلفية لكهنة الشعر ستحل محلها أصوليات أخرى تنتظر دورها في الساحة الأدبية، كأن الشعر وقف لقناعتها ووعيها ومأدبة مناسبات يتبادل فيها الجميع المجاملات الشخصية.

ترى أحمد أن المشهد الشعري الحالي معطل عن التطور الحقيقي للقصيدة كفن إنساني يتميز بالحراك والقصيدة ذاتها بعيدة عن التأثير في القراء، نظرا لغلو البعض من الشعراء في بناء القصائد على أسس من الغموض أبعدت بها عن روح الشعر وقيمته الفنية واتجاه مشوه للمدارس السوريالية والدادية وغيرهما، واستنساخ لتجارب غربية بعينها وتعريب النصوص الغربية التي تختلف عن ثقافتنا مما يصنع شقا يستحيل عبوره بين الشاعر والواقع المجتمعي.

وبالتالي يشعر المتلقي بأن القصيدة تخاطب مواطنا غريبا عنه أو نخبا بعينها وليس هو الكادح الذي يسعي لرؤية نفسه، لكنّ هناك أملا ضئيلا وطفرة حقيقية؛ بعض قصائد النثر الحديثة تتجه بقوة للجمهور البسيط باستخدام اليومي والهامشي اللذين قد يعيدان الحياة إلى الشعر، وهي تعتقد أن هذا بفضل الحراك الثوري الذي فعّل وظيفة الكلمة وقوتها في التغيير.

الشعر ليس مأدبة مناسبات

تشير رضا أحمد إلى أنه لا توجد حركة نقد فاعلة في المشهد الأدبي تواكب خطوة بخطوة المسار الإبداعي في كافة أشكاله، نظرا لعدم وجود مراجعات للمفاهيم والخطوات الإجرائية والمناهج والفلسفات النقدية من ناحية، ومن ناحية أخرى بسبب التوظيف العقيم لنظريات النقد بمنهجيتها الواحدة بعيدا عن تحليل النص الإبداعي من أجل فهمه واستجلاء جمالياته واستكشاف دلالاته.

يبدو أن هناك شريحة عريضة أصبحت تنظر إلى الثقافة كسلعة. ثمة مخاطرة بالدفع بأسماء جديدة إلى المشهد الإبداعي يقع على كاهل النشر جزء كبير منها، في هذا الإطار تقول ضيفتنا “بالنظر إلى المشهد الحالي سنجد أن الثقافة صارت صناعة تحول فيها المنتج الثقافي إلى سلعة تحتاج إلى تجار لتسويقها ووسائل لترويجها، الأمر الذي أدى إلى تشويه الثقافة كقيمة وسلوك إنسانيين ووجود ممثلين عن الثقافة يزجون بالأسماء التي يرضون عنها لتصدر المشهد الثقافي سواء بإنتاج دواوين شعرية أو عقد لقاءات إعلامية وحضور دائم في المؤتمرات”.

وعن الشعر واعتبار بعض الأصوات أنه بمثابة مكانة اجتماعية، هل يمكن أن يضيع هذا الأمر الشعر؟ تجيب ضيفتنا بأن هذا ليس جديدا؛ فالشاعر يسعى إلى مكانة اجتماعية، والشعر قديما ﻳﻜﺎﺩ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﻮﺳﻴﻠﺔ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪﺓ ﻟﻠﺘﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ ﻣﻜﺎﻧﺔ ﺍﻟﻘﺒﻴﻠﺔ ﺑﻴﻦ ﺟﺎﺭﺍﺗﻬﺎ، ﻓﺎﻟﺸﺎﻋﺮ كان المؤرخ والعراف والمداح، ومن هذا المتوارث رسخ الشعر هذا المفهوم في الذهن العربي فلا يكاد يخلو خاطر مواطن عربي من حلم أن يصبح شاعرا كبيرا، هذا الأمر لا يضيع الشعر، ولكن يخلف له كما كبيرا من المحاولات والتجارب الإبداعية التي تتنوع ما بين الرديء والجيد وغير الجدير بالتصنيف.

الشاعرة والأصفاد

تستطرد أحمد “حين ننظر إلى وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية نجد أن هناك حصارا يمارس على الثقافة بقولبتها في حيز قناة ومحطة إذاعية أو مجلة، الأمر الذي يجعلنا أمام أطروحات بأسماء معروفة تستضيفها دائما هذه المنافذ الإعلامية بعيدا عن الحراك الثقافي والمشهد الشعري على أرض الواقع، تجد نفسك أمام موضوعات معدة مسبقا وشخصيات بعينها. وهذا الأمر يهمش دور الإعلام وليس الشعر ويفسد على المتلقي ذائقته”.

رضا أحمد: المشهد الثقافي المصري بالكامل تغلب عليه النزعة الإقصائية

وعن ﻏﻴﺎب ﺍﻟﺸﺎﻋﺮة الفاعلة ﻓﻲ ﻣﺤﻴﻂ ﺍﻟﻤﺸﻬﺪ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ﺍﻟﻤﺼﺮي والعربي، واستمرار ﺍﻷﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﻤﻜﺮﺳﺔ بدءا ﻣﻦ نازك اﻟﻤﻼﺋﻜﺔ وصولا إلى إيمان مرسال تجيب رضا أحمد “اﻟﻤﺸﻬﺪ اﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ﻋﻤﻮﻣﺎ مثقل ﺑﺘﺮﻛﺔ ﻣﻦ اﻟﻤﺸﻜﻼﺕ اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﻴﺔ، أي إبداع إذن ﻳﻤﻜﻦ أن ﻳﻨﺒﺖ وينمو ﺑﻘﻮﺓ وﺣﺮﻳﺔ وأﻣﺎﻥ في واﻗﻊ ثقافي ذكوري ﺗﺠﺎه ﻣﻨﺘﺞ اﻟﻤﺮﺃﺓ اﻹﺑﺪﺍﻋﻲ، ﻧﺠﺪ اﻟﻤﺮﺃة ﺣﺎﺿﺮة ﺑﻘﻮة ﻛﻤﻠﻬﻤﺔ في النصوص ﺍﻷدﺑﻴﺔ وﺧﺎرﺝ ﺳﻴﺎق اﻟﻮعي ﺑﺪورﻫﺎ الحيوي كمبدعة ﻟﻬﺎ ﺣﻖ اﻟﺘﻌﺎﻃﻲ اﻟﻨﺰﻳﻪ ﻣﻊ ﻣﻨﺘﺠﻬﺎ اﻷدﺑﻲ، فيخرج ﻋﻠﻴﻨﺎ مثلا ﻣﺘﺜﺎﻗﻒ ﻳﻘﻮﻝ إن اﻟﻤﺮأة ﻋﻨﺼﺮ ﻏﻴﺮ مبدع ﻓﻲ اﻟﻜﻮﻥ.

وآﺧﺮون ﻳﻨﺘﻬﺠﻮن ﻫﺬه اﻟﻨﻈﺮة رغم عدم اﻟﺘﺼﺮﻳﺢ ﺑﻬﺎ، اﻷﻣﺮ اﻟﺬي أدى إﻟﻰ ﺗﻬﻤﻴﺶ إﺑﺪﺍﻉ اﻟﻤﺮﺃة ﻓﻲ اﻟﻤﺸﻬﺪ اﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ﻣﻦ ﺑﻨﻲ ﺟﻠﺪﺗﻬﺎ، ﻫﺬا إضافة إلى ما ﺳﺘﻘﺎﺑﻠﻪ من ﺍﻟﺠﻤﻬﻮر العادي ﻣﻦ اﺳﺘﻬﺠﺎن وتقييد ﻟﺪورﻫﺎ، ﻓﺒﻌﺾ الكاتبات ﻳﻀﻄﺮرن إﻟﻰ اﻟﻜﺘﺎﺑﺔ ﺗﺤﺖ أﺳﻤﺎء ﻣﺴﺘﻌﺎرة ﺧﻮﻓﺎ من اﻷﺳﺮﺓ وﻧﻈﺮة اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ وبعضهن يصفدن ﻗﺼﺎﺋﺪﻫﻦ ﺧﻮﻓﺎ ﻣﻦ اﻟﺬﺋﺎب اﻟﺘﻲ ﺗﺘﺮﺑﺺ في ما وراء اﻟﻜﻠﻤﺎت وتلصق ﺑﻬﻦ تهما وﺃﺣﻜﺎما ﺷﺨﺼﻴﺔ ﻻ ﺗﻠﻴﻖ ﺑﺎﻟﺘﻌﺎﻃﻲ ﻣﻊ اﻟﻤﻨﺘﺞ اﻷدﺑﻲ”.

وتشير أحمد إلى أن هناك ﺟﺎﻧبا آﺧﺮ، هو أن ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﻨجز الإبداعي ﻟﻠﻤﺮﺃة ﻻ يخرج إﻟﻰ اﻹﻃﺎﺭ اﻹﻧﺴﺎﻧﻲ واﻟﺘﻔﺎﻋﻞ اﻟﻮﺍﻋﻲ ﻣﻊ ﻣﺸﻜﻼﺕ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺑﺤﻴﺚ ﺗﺴﺠﻦ أفقها ﺑﻨﻈﺮﺓ ﻣﻨﻐﻠﻘﺔ إﻟﻰ ﻛﻮﻧﻬﺎ أﻧﺜﻰ ﻓﻘﻂ ﻟﻴﺴﺖ ﺟﺪﻳﺮة إﻻ ﺑﺎﻟﻜﺘﺎﺑﺔ ﻋﻦ اﻟﺤﺐ واﻟﻬﺠﺮ.

وعن اﻷﺻﻔﺎد اﻟﺘﻲ تتم ﺻﻨﺎﻋﺘﻬﺎ ﻟﺤﺒﺲ الأنثى، تقول “ﺣﻴﻨﻤﺎ أخرج ﻣﻦ اﻟﻘﺼﻴﺪﺓ أكاد أﺳﻤﻊ ﺻﻠﻴﻞ أﺻﻔﺎد، إن اﻟﻤﺒﺪﻉ اﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻻ ﺑﺪ ﻟﻪ ﻣﻦ أن ﻳﻜﺘﺐ ويعبر ﻋﻦ رؤيته ﺗﺠﺎه اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﺮﻣﺘﻪ، ﺑﻌﻴﺪﺍً ﻋﻦ أي ﺳﻄﻮة ﻳﻤﻜﻨﻬﺎ أن ﺗﻨﺎل ﻣﻦ ﺗﻠﻚ اﻟﻌﻼﻗﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺮﺑﻂ اﻟﺸﺎﻋﺮ ﺑﻤﺎ ﺣﻮﻟﻪ”.

15