أصل الحكاية الفلسطينية في محشر غزة

الفلسطينيون في المحشر الغزي يصنعون حدثا من تلك الأحداث القليلة، التي تلخص تاريخا طويلا، وتعود بالأذهان إلى بدايات واحدة من أهم وأقدم القضايا الراهنة على المسرح الدولي.
السبت 2018/04/07
غزة تصنع الحدث

في الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر 1948، كان المحتلون الصهاينة يريدون اجتياح قطاع غزة، لإنهاء الوجود العربي على ساحل فلسطين، وطرد سكان قطاع غزة إلى سيناء، وقد أضمر ديفيد بن غوريون أن تكون تسوية تداعيات الاجتياح بالاستجابة لطلب ملك الأردن، عبدالله بن الحسين، وإعطائه ميناء يحلم به، على ساحل البحر المتوسط، في موضع من شاطئ رفح الفلسطينية على الحدود مع سيناء، كانت للأردن فيه كتيبة عسكرية.

في تلك الأيام، كان قائد القوات المصرية في قطاع غزة هو اللواء الركن أحمد فؤاد صادق، الذي تلقى أمراً من وزير الدفاع المصري حيدر باشا، بأن ينسحب مع قواته إلى الحدود الدولية لمصر. لكن الرجل رفض الالتزام بقرار الانسحاب، على ما في الرفض من خطورة على مستقبله العسكري.

وأول ما فعله اللواء أحمد فؤاد صادق، هو جمع كل مخاتير عائلات قطاع غزة، من اللاجئين الجدد وأهالي المنطقة، وحدثهم بصراحة قائلاً “جاءني الأمر بالانسحاب وأن أترككم تواجهون مصيركم، لكنني رفضت وسأظل أرفض وسأحافظ على عروبة غزة. أما المصير الذي ينتظركم فهو القذف بكم إلى رمال سيناء ولا سلاح في أيديكم. لا أريد منكم مشاركتي في القتال، لأنكم شعب أعزل، لكن شيئا مهما عليكم أن تعملوا على توفيره لي، وهو الهدوء والتزام الصمت والتحلي برباطة الجأش، ومنع أبنائكم من الهياج والفوضى والهلع، لأن هذا الأمر يؤثر على معنويات جنودي”.

ولعل تلك الشجاعة هي التي جعلت الضباط المصريين الأحرار، الذين كانوا من رتب عسكرية صغيرة، يعرضون بعدئذ على اللواء أحمد فؤاد صادق أن يتسلم قيادة الانقلاب الذي تحول إلى ثورة، ولكن الضابط الكبير امتنع بسبب إدراكه أنه لن يكون قائدا فعليا للضباط، وقد احتفظ بالسر، وأوكلت القيادة إلى اللواء محمد نجيب.

جمع اللواء صادق قواته ونشر ضباط الاستطلاع، وحدد النقاط التي سيتوغل منها العدو، فأدرك أن العدو في اختياره للنقاط يهدف إلى عزل وتطويق الجيش المصري في القطاع وإرغامه على الانسحاب. فتحرك سريعاً، واحتل بعض التلال، ومنها ما يقع في إحدى مناطق احتشاد مسيرات العودة اليوم، وهي تلة الشيخ نوران شرق خان يونس، وأراضي الدنقور في أقرب النقاط إلى النقب على مشارف رفح وكرم أبوسالم.

ولما بدأ الهجوم الإسرائيلي واجهته القوات المصرية ببسالة، في الدنقور أولا ثم في كرم أبوسالم ومنعت التوغل. وقد كتب الجنرالات اليهود في مذكراتهم فيما بعد، أن ما خسرته قواتهم في الدنقور وكرم أبوسالم وحدهما يزيد عن مجموع ما خسره اليهود في كل حرب العام 1948.

لم يصل إلينا أي تفصيل عن الرؤية الكاملة التي رآها اللواء الركن أحمد فؤاد صادق، وجعلته يصمم على حماية عروبة غزة وإبقاء السكان فيها. وأغلب الظن أن رؤيته أخذت في الاعتبار ضرورة إبقاء الحجم السكاني الكثيف للاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة، لأن هذا الوجود السكاني المكثف، ستكون له تأثيراته الضاغطة، لإعادة كل اللاجئين إلى أراضيهم، وستكون غزة مخزنا بشريا منتجا للثورات والأشكال الإعجازية من التصدي لآثار الجريمة التاريخية.

وحتى يومنا هذا، ظلت هذه الحقيقة هي التي تؤخذ في الحسابات عند رسم السياسات الإسرائيلية، وهي التي جعلت إسرائيل طوال فترة احتلال قطاع غزة بعد عدوان 1967 تفتح الباب لسكان المنطقة المكتظة للعمل في إسرائيل، وتحسين أحوالهم المعيشية.

لا نبالغ في القول إن البرقية القصيرة، المكثفة والموجزة، التي أرسلتها المسيرات أكثر أهمية من عشرات المعارك الضارية، التي يخسر فيها العدو جنودا مدججين بالسلاح

وهذا للأسف ما يجهله محمود عباس ضحل المعرفة بحقائق التاريخ ومقتضيات السياسة عند التعامل مع المجاميع السكانية، لا سيما، وهنا المفارقة، أنه يبني خطابه السياسي على منحى التسوية ورفض المقاومة والانزلاق في ما يسميه الاعتدال، وفي الوقت نفسه يمارس سياسات من شأنها إذكاء الشعور بلا جدوى التسوية وإبقاء المقاومة وسيلة وحيدة وتأجيج التشدد دون أن يدري، وحتى إنتاج كائنات من السلفية الجهادية.

اليوم، نرى الفلسطينيين في المحشر الغزي، وسط بحر سياسي إقليمي ودولي عالي الموج، وفي هذه الحلقة الزمنية من التاريخ يصنعون حدثا من تلك الأحداث القليلة، التي تلخص تاريخا طويلاً، وتعود بالأذهان إلى بدايات واحدة من أهم وأقدم القضايا الراهنة على المسرح الدولي.

فكل حدث يُقاس بمدى تأثر الطرف الباغي به، وبمدى انعكاساته على العقل السياسي للقوى التي ساعدت على البغيْ، وبمدى إحراجه للأطراف التي يُفترض أنها ظلت تحمل راية القضية، لكنها أسقطتها من يدها وحساباتها وسياقاتها.

لا نبالغ في القول إن البرقية القصيرة، المكثفة والموجزة، التي أرسلتها المسيرات أكثر أهمية من عشرات المعارك الضارية، التي يخسر فيها العدو جنودا مدججين بالسلاح. ذلك لأن البرقية القصيرة تطرح موضوعا أريد له أن يُنسى، على الرغم من كونه يتعلق بقضية عادلة وإنسانية ومشهودة، تؤيدها حقائق التاريخ المعاصر، وشرعية الأمم المتحدة، وشواهد الحياة اليومية. فقد دفع الحدث الأميركيين إلى التأمل في أصل الحدث وجذوره. فهناك أناس اقتلعوا من بيوتهم وحقولهم، يريدون العودة إليها، وهذا منطق بات ولا منطق في الانتقاص من وجاهته.

والأوروبيون قرأوا الحدث فاستذكروا الظلم التاريخي، والإسرائيليون رأوا في الحدث تذكيرا بالفعلة الشائنة في العام 1948 وأعادتهم المسيرات إلى نقطة الصفر، بعد أن تقدموا مسافات معتبرة على طريق التضليل، بل تقدموا على هذه الطريق مسافات في الوعي الرسمي العربي.

وهناك من بين الإسرائيليين من عادوا إلى بعض الحقيقة، وأدانوا جرائم جيشهم القديمة والجديدة التي طالت المسيرات.

أما عُتاة المتطرفين الصهاينة، فقد أوقعت المسيرات فيهم ذعراً، عندما بدت الجريمة مكشوفة أمام الأمم القريبة والبعيدة، وباتوا يفتشون عن وسيلة لتهدئة الناس في محشر غزة، لأن مثل هذا الحدث من شأنه أن يتفاقم وأن يستولد أحداثاً أخرى من نوعه وجنسه!

9