أصل المشكلة القطرية

الاثنين 2017/06/12

كتبت في المقالة السابقة المعنونة “من الدّوحة إلى يثرب.. أو الهجرة المستحيلة” عن الأهداف التي تسعى قطر ومعها الإخوان المسلمون إلى تحقيقها. واليوم أودّ أن أجيب عن تساؤل آخر يراود المواطنين الخليجيين والعرب، ويتعلق بالأسباب التي دفعت قطر إلى اعتناق أيديولوجية الإخوان المسلمين في مشروعهم المتمثّل في إقامة الخلافة الإسلامية، والتضحية بالدولة القطرية ومقدراتها المالية ومصالح شعبها من أجل هذا الهدف.

سنعود إلى الوراء قليلا، محاولين تتبع المسارب التاريخية التي أوصلت حكام قطر إلى هذا المصير المؤلم.

عندما قام الشّيخ حمد بإقصاء والده عن الحكم سنة 1995، قام بعض أتباع والده والقبائل القطرية الموالية له بمحاولة إفشال ذلك الانقلاب، ولكن الابن استطاع أن يتغلب على هذه القوات، فاستتب له الأمر.

غير أنه تربع على العرش، ممسكا بصولجان الحقد على المملكة العربية السعودية التي اتهمها آنذاك بأنها كانت وراء هذه المحاولة. وأيا كانت مصداقية اتهاماته أو بطلانها فإنه بعد أن أصبح أميرا للبلاد، كان عليه أن يخرج من دوامة الكراهية الشخصية ومنطق الثأر، ولا يدخل الثارات القديمة في منطق الدولة. وهذا ما أطلق عليه ماكس فيبر بـ“أخلاقيات المسؤولية”.

وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وإعلان أميركا الحرب على أفغانستان والعراق في ما بعد، وإسقاطها الدولة العراقية، بدلا من إسقاط النظام الدكتاتوري لصدام حسين، وقيامها بتفكيك الأمن والجيش ومؤسسات الدولة، والتي سقط الجيش الأميركي على إثرها في وحل العراق، خرج علينا الأميركيون بفكرة الشرق الأوسط الجديد ونظرية “الفوضى الخلاقة”.

ومفاد هذه النظرية أن هذه المجتمعات العربية مجتمعات همجية لم تدخل الحداثة، ولن تدخلها في المستقبل المنظور، وأن الدكتاتوريات الحاكمة في دولها لم تكن ممتثلة بالكامل للنظام الدولي. فكان الأفضل إسقاطها واستبدالها بحكام جدد قادرين على ضبط مجتمعاتهم.

وكان الرأي آنذاك في الدوائر الغربية أن أفضل مكون سياسي يمكن الاعتماد عليه هو الإخوان المسلمون، لأنهم يستعملون اللغة الدينية التي تفهمها هذه المجتمعات، كما أنهم القوة الوحيدة المنظمة سياسيا في هذه المنطقة.

فما كان من قطر إلا أن تلقّفت هذه الاستراتيجية للغرب، وقدمت نفسها عرابا للمنطقة بكاملها، باحتضانها هذا التنظيم، وضخ الأموال المتأتية لها من ثرواتها الطبيعية في هذا الاتجاه. وأضحت تتصرف كقوّة عظمى في المنطقة، باعتبارها الدولة التي تعمل على تنفيذ هذا المخطط الكبير، وباعتبارها حلقة الوصل بين القوى الغربية وهذه التنظيمات الإسلاموية التي ستوكل لها إدارة المنطقة.

وفي غمرة هذه النشوة أصبحت قطر مركزا عالميا يحج إليه كل من أراد أن يفهم ما يجري على الأراضي العربية، وكل من يحاول أن يستشف مستقبلها. لقد أصبحت أكبر من حجمها الحقيقي الآلاف من المرات، بسبب تواطؤ الغرب على تحقيق أهدافه من خلالها، وهمّشت الدول الكبيرة في المنطقة، حتى أن بعضها بات يطلب رضا قطر لكي لا يقع في محور مواجهة سطوتها الإعلامية والتآمرية والمالية.

وبعد أن حدث ما سمّي بـ“الربيع العربي”، دخلت قطر أتون المعركة التي أعدت لها وأعدت نفسها لها بكافة الأسلحة المتاحة في حوزتها، من أموال وإعلام وسلاح وتخابر وغدر وخداع. فتدخلت في أحداث تونس وساهمت في إسقاط الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي ولا يزال يرنّ في آذاننا الصوت الذي صرخ “بن علي هرب”، وكانت تبثه قناة الجزيرة على مدى أشهر.

وعندما بدأ العهد الجديد في تونس كانت قطر تتدخل في مسار الأحداث لمصلحة الإخوان، أي حزب النهضة، وأنصار الشريعة، وألّبت القيادات السياسية بعضها على بعض، ووضعت خطة استثمارية للسيطرة على قطاع الخدمات، حتّى تتحكم في سوق الإعلان وتحرم منه أي وسيلة إعلامية لا تتوافق معها. غير أن القوى المدنية والنخب البورقيبية استطاعت أن توقف هذا المد القطري.

ثمّ أتت أحداث مصر، وكانت قطر من أهم محركيها، وساعدت الإخوان على امتطاء صهوة الأحداث، وتم لها ما أرادت باستيلاء الإخوان على السلطة. ولولا يقظة الجيش المصري، لأصبحت مصر محكومة من الدوحة رغم كل ثقلها البشري وميراثها الحضاري. وكان الهدف اللاحق لقطر هو حصار المملكة العربية السعودية.

ثم قامت انتفاضة في ليبيا، واستطاعت قطر أن تقنع الغرب بأن رؤيته للفوضى الخلاقة بدأت تتحقق. وانطلى عليه الأمر وقام بإسقاط النظام وأقنعته بأن القوى الإسلامية جاهزة لاستلام الحكم وضبط المجتمعات والحد من العمليات الإرهابية. فدخلت ليبيا في حرب أهلية وفوضى عارمة حتى هذه الساعة.

وإليكم غيضا من فيض التدليس القطري: لقد جاءت قطر بإرهابي معروف يدعى عبدالحكيم بالحاج، ونصّبته ممثلا لليبيا في اجتماع الحلف الأطلسي، فتصدر تلك الجلسة بين كبار جنرالات العالم. ودبّرت جريمة اغتيال اللواء عبدالفتاح يونس، وقد كان اغتياله اغتيالا للمشروع الليبي بالكامل.

وبعد سقوط المشروع الغربي القطري في تونس ومصر، أضحت قطر أشد إصرارا على الهيمنة على ليبيا، من أجل الاستيلاء على مقدراتها وموقعها الجغرافي، لزرع القلاقل في مصر تمهيدا لإعادة حكم الإخوان، ومساندة النهضة في تونس لعودة لا رجعة فيها للحكم. وقد استبشرت قطر ببوادر فوضى بدأت تطل برأسها في البحرين وعُمان. لكن تيقظ المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات واحتواءهما للفتنة كان سريعا وحازما.

وفي سوريا، استطاعت أن تساند القاعدة والإخوان المسلمين. فزادت من تعقيد المشهد السياسي والعنفي. كما اتفقت مع نظام السلطان رجب طيب أردوغان على إدخال كل المتطرفين العرب والأجانب إلى سوريا، وجلبت لهم الأسلحة من كل حدب وصوب لتقتيل الشعب السوري وتهجيـره وخلق حالة من الفـوضى تساعـدها على إقناع الدول الغربية بالتدخل العسكري لمصلحة فصائلها حتى تستولي على كامل التراب السوري.

غير أن ما حدث في ليبيا بعد التدخل الأجنبي كان درسا للدول الغربية منعها من التدخل العسكري في سوريا. وعندما فقدت هذه الإمكانية، لجأت إلى احتواء التحالفات المتناقضة، من خلال الاتصال بقنوات إيران وحزب الله، أملا في أن تجد مقعدا مريحا على مائدة التفاوض في مستقبل سوريا.

في هذه الفترة الزمنية الممتدة بين 2001 و2016 حدثت تغيرات على الساحة الإقليمية والدولية. فقـد أدركت أميركا والغرب أن حركة الإخوان المسلمين لا تحظى بقبول شعبي في المنطقة مثلما توهما، وأن الحركات الإرهابية قد خرجت من عباءتهما على مدار تاريخ المنطقة، لذلك لا يمكن الاعتماد عليها في ضبط هذه المجتمعات. إضافة إلى أن هذا التّنظيم رغم امتلاكه قدرة كبيرة على المعارضة والتآمر فإنه غير قادر على إدارة الدولة كما تبيّن من التجربتين التونسية والمصرية، وهو في ليبيا لا يمتلك أي حاضنة شعبية، كما عبّرت عنه انتخابات متتالية.

أدرك الغرب إذن أن نظرية الفوضى الخلاقة لم تحدث سوى الفوضى المحض، وأن الشعوب التي لم تطلها أضحت متمسكة بحكامها أكثر من أي وقت مضى، بعد أن شاهدوت إخوانها ممن لحقت بهم الكارثة قد قفزوا من السيء المعلوم إلى الأسوأ المجهول، أي من سفوح الآلام إلى وهاد الجحيم. وبدأ الغرب يعتبر أن تلك الوصفة السحرية التي قررها للمنطقة والتي أوكل لقطر أن تجرعها لها هي وصفة ملوثة لحقته فيروساتها في عقر داره. فقرر أن يتوقف عن إنتاجها. ولكن قطر التي قامرت بأموالها وسمعتها من أجل هذه الوصفة، بدأت تنتجها في معاملها غير عابئة بالأضرار التي تسبّبها للعرب والمسلمين والعالم أجمع.

لم تدرك قطر أنها بالونة كبيرة نفخ فيها الغرب بالهيدروجين، فحلق إلى شاهق، وعندما تسرب هذا الغاز، بدأت تنفخ فيه من غاز الوقود الذي تنتجه، فانفجر وهوى في اتجاه الأرض، فوقعت الواقعة.

كاتب ليبي

8