أصنام القضية وأفق التغيير

الانحدار في مكانة القضية الفلسطينية لم يقع بسبب متغيرات إقليمية أو دولية. هذه كذبة كبيرة، يكذبها الفاشلون على شعبهم، وكأن تلك القضية هي فحسب، قضية معادلات إقليمية ودولية.
الثلاثاء 2020/09/29
عجز مشترك

ماذا يملك ثنائي السلطة في رام الله وغزة، لكي يقدمه للناخبين الفلسطينيين؟ ماذا حصد الفلسطينيون من السلطة والأخرى، غير الفشل والاهتراء والتناحر والفساد والاقتتال وضياع المشروع الوطني؟

الفلسطينيون يعرفون الواقع الذي يعيشون فيه. يعرفون أكثر خواء خيارات السلطتين، وعجزهما المشترك، وكل على انفراد، عن استقطاب الناس لأي عمل.

لقد فشلوا فحسب، ولكنهم يريدون المزيد.

هذا وحده كاف، للقول إن مشروعا وطنيا يمثله تيار جديد، هو وحده القادر على إخراج القضية الفلسطينية من المستنقع الذي وجدت نفسها فيه، مشروع لا يُمسك بالقضية من تلابيب الشعارات، ولا الوعود الوهمية، ولا الحلول التي لا أفق عمليا لها.

“الشعاراتية” الفلسطينية علة حقيقية. إنها ذلك الشيء الذي يختزل معادلات الواقع كلها في بضع كلمات، ويحولها إلى “مقدس”. وبينما تمضي الحياة في طرقها المعتادة، فيتغير فيها ما يتغير مما يتطلب التمعن فيه، فإن صنم “المقدس” يظل ثابتا، حتى يُصبح نوعا من موقف مفارق لا علاقة له بالحياة.

لقد تكبدت القضية الفلسطينية من هذه الشعاراتية ما لم تتكبده أي قضية إنسانية أخرى. والسبب، هو أن قادتها ظلوا عاجزين عن قراءة الواقع، وعن التعامل معه بحساب.

وقراءة الواقع لا تعني القبول به. هذا سوء فهم آخر. ولكنها تعني فهمه، وفهم سبل التعامل معه لتغييره.

بعض البداهة تكفي لتجعل من قراءة الواقع عملا ثريا وفعالا. ومن تلك البداهة تأتي الانتفاضات الشعبية، وأعمال التمرد، والعصيان العام، لأنها تسجل جمعا بديهيا بين الإرادة العامة والإمكانيات الواقعية.

الشعاراتية قيد على الإرادة، وقيد أسوأ على الإمكانيات، لأنها مصدر إحباط.

لم يكن الجزائريون الذين حاربوا الاستعمار الاستيطاني الفرنسي بحاجة إلى قوالب شعاراتية. كانت المقاومة مجرد تعبير عن الموقف العام، وعن استعداداته.

الشيء نفسه حصل في فيتنام. فالمقاومة هناك كانت عملا شعبيا من أرفع طراز.

في هذين المثالين معا، لم تكن هناك سلطة تحوّل “القضية” إلى سلعة تتاجر بالمقدس، أو بكلمات، أو أصنام. كان العمل اليومي، والتضحيات هما المعيار. ولم تكن القضية قضية “مكاتب” وثيرة، ولا إدارة أموال، ولا حتى خيارات أيديولوجية.

لا توجد استراتيجية وطنية فلسطينية، لأنه لا يوجد من يقرأ الواقع، ويبحث في معادلاته. أسوأ من ذلك، لأن الشعب الفلسطيني نفسه أُجبر على أن يجلس في المقعد الخلفي. وبدلا من أن يكون هو صانع التغيير، صار قادته هم صانعو الهزيمة والفشل، لأنهم استغنوا عنه.

الانحدار في مكانة القضية الفلسطينية لم يقع بسبب متغيرات إقليمية أو دولية. هذه كذبة كبيرة، يكذبها الفاشلون على شعبهم، وكأن تلك القضية هي فحسب، قضية معادلات إقليمية ودولية. إنها قضية شعب أولا، ومن بعد ذلك يكون ما يكون. الموقف الشعبي من قضيته هو الأساس. ومن لا يضع ثقله، وفهمه، وخياراته على هذا الأساس، فمن الأجدر به أن يُعيد النظر، لأن قراءته خاطئة.

مشروع وطني يمثله تيار جديد هو وحده القادر على إخراج القضية الفلسطينية من المستنقع الذي وجدت نفسها فيه، مشروع لا يُمسك بالقضية من تلابيب الشعارات ولا الوعود الوهمية

انظر متى بدأ الشبان الفلسطينيون يبحثون عن لجوء وهجرة، وستعرف متى ومن أين بدأ الانحدار. انظر متى برزت ظاهرة “القتل دفاعا عن الشرف” وستعرف متى وكيف بدأت “القضية” تخسر شرفها بالذات. ثم انظر إلى النزاعات الفلسطينية، ومنها تلك التي أدت إلى أن يقتل الفلسطيني أخاه، وستعرف متى ولماذا أصبحت نزاعا عشائريا، لا قضية قومية، ولا حتى قضية وطنية.

لقد كانت تلك مظاهر اجتماعية وسياسية عصيبة، ولكنها لم تطلق صفارات الإنذار لدى قيادتا السلطتين.

ولئن كانت هناك مراكز تفكير، فيشهد القاصي والداني، كم أنها كانت من لزوم ما لا يلزم بالنسبة لتلك القيادات.

“المسؤول الفلسطيني” لم يكن يرغب بأن يُفكر له أحد، أو أن يدرس له أحد أي معادلات، أو أن يقدم له ما يجعله يتخذ قرارا رشيدا. الكل جلس على مقعد القرار، ليتخذه بمفرده، من دون قراءة لأي شيء. الأمر الذي جعل قراره أميّا، مكتفيا بقوالب الأصنام التي وضعها أمامه.

وتلك الأصنام لو أنه تعبدها بإخلاص لكانت “نص مصيبة”، ولكنه لم يفعل، وظل يطلب من الآخرين أن يفعلوا، وإلا أصبحوا “خونة”.

“المسؤول الفلسطيني” يجوز له أن يرتكب كل موبقات التطبيع، إلا أنه لا يسمح لغيره عشر معشار ما يفعل.

لماذا؟ لأن ذلك يحطم له واحدا من أصنامه، التي يريد من الآخرين أن يتعبدوا لها، بينما يوفر لنفسه أسبابا وتبريرات. وكل أسبابه “نضالية” بطبيعة الحال، أما أسباب الآخرين فـ”خيانية”.

هذا وضع عجيب فعلا.

“القضية المركزية”، كمفهوم، كان يعني أن يتخلى الآخرون عن كل قضية تعنيهم. وأن لا يهتموا بشيء يتعلق بحياتهم ومصالحهم واقتصادهم إلا تلك. وأن يواصلوا التضحية، لكي يرضى عنهم الجالسون في المكاتب الوثيرة.

وبما أنهم هم الذين يمنحون للناس شهادات الشرف والوطنية، فقد أصبح خائنا كل من لم يمتثل للشروط والقوالب التي يضعونها.

“كل شيء من أجل المعركة”. هذا واحد من أقدس الأصنام. ولقد امتثلت الأمة العربية لعبادته لأكثر من نصف قرن، حتى خسرت كل شيء ولم تكسب المعركة.

لماذا كان يجب على العراق أن يخسر نفسه، وأن يقع هو نفسه، في النهاية، تحت الاحتلال، بينما كان يجند كل قدراته وتحدياته لتحرير فلسطين؟

سؤال لم يجرؤ مسؤول فلسطيني واحد حتى على التفكير فيه، دع عنك تقديم جواب عاقل له.

كما لم يكن من المعقول أن تبحث عن سبيل لتبني قوة اقتصادية أو استراتيجية، أو أن تواجه مخاطر أخرى، إلا لحساب الصنم ذاك.

والمأساة لا تزال قائمة، بل إنها ظلت تشتد على الفلسطينيين مع مرور كل يوم كانت تبني فيه إسرائيل مستوطنات جديدة، وتتوسع في ضم المزيد من الأراضي. ولم يظهر أن أصحاب المكاتب نجحوا في إعداد خارطة طريق واضحة لشعبهم للخروج منها. وانشغلوا لنحو 30 عاما في البحث عن صفقات وأنصاف حلول وتسويات حتى لم يبق ما يمكن العثور على تسوية فيه. وفي لحظة الضيق الأخيرة، عندما أرادت إسرائيل أن تضم نحو ثلث الضفة الغربية وغور الأردن، فقد عزموا على”تسليم المفاتيح” للاحتلال.

لم يقدموا ذلك كاعتراف بالفشل. كما لم يقدموه كدليل على سوء تصرف في الإدارة والسلطة امتد لكل ذلك الزمن، وإنما كعمل من أعمال الاحتجاج واليأس. وهذا وضع عجيب فعلا.

اليوم، إذا كانت تبرز الحاجة إلى انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة، فلأن “القضية المركزية” بلغت من الانحدار إلى درجة أنها باتت تتطلب قيادة جديدة، وأن يعود الشعب الفلسطيني ليتبوأ المقعد الأمامي فيها، وأن يتقدم جيل جديد، نابع من رحم الأرض، لكي يتولى قراءة الواقع ويتأمل فيه ويبحث عن سبل لاستنهاض إرادة التحرير، من بين ما يمكن للناس أن يقرروه بأنفسهم.

9