أصوات أدبية سورية تواجه قاموس التحريم السلطوي

الاثنين 2013/09/02
المكان الذي يقاس فيه عمق الزمان باتساع المكان هو السجن

تبدو سوريا لمن يعرفونها، ولكثير من السوريين أيضاً، بلداً مكتشفاً للتو، بعد انفجارها ذلك الانفجار المستمر منذ ما يزيد عن السنتين. وكما هو الحال سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعلى المستوى الثقافي أيضا، مفاجئةٌ هي الطاقات الإبداعية التي كانت مطمورة هذا الوقت كلّه، رغم أن من الطبيعي أن يكون المشهد ظالماً بهذا الشكل في بلد كل ما لديه ثلاث صحف، وتلفزيون رسمي، ولاحقاً صحيفتان وتلفزيون شبه رسميين. الثورة أو الحرب، مهما اختلفت الأسماء، كشفت عن وجوه سورية عديدة، لكنّ الإعلام مصر على تقديم وجه واحد، هو الوجه الكالح للتطرّف.

في وجوه سوريا الجديدة ما يشبه اندفاع الحمم من البركان الخامد. فجأة وجدت اللغة نفسها تواجه قاموس التحريم السلطوي، بالتزامن مع كسر السوريين لجدار الخوف، ثم راحت تواصل كتابة حكاية هذا البلد الحزين، في شجاعته وبأسه، في رعبه وخرابه. النصوص الشبابية التي تتوالد على جدران "فيس بوك" تكتب الحكاية السرية لسوريا الأخرى، سوريا التي لا تزال مجهولة رغم أنها في الواجهة الآن.

النصوص التي بدأت تخرج إلى العلن تقدم لغة جديدة، ترسم خريطة الإنسان والبلد كما هي، وتساهم في ردم عقود الصمت المديدة، وتعلن الحرب على كل شيء.

عبود سعيد: ينمو مثل ذئب أعمى


هو من مواليد منبج 1984، يعمل في ورشة خراطة، صدرت له نصوص بالألمانية تحت عنوان "أفهم شخص على الفيسبوك". وللذين ما زالوا يتساءلون من هو عبود السعيد، يقول:


"أنا عبود السعيد، مقيم في منبج، حيث لا تذهب الفتيات إلى المقاهي، وحيث لا يوجد بناء أعلى من أربعة طوابق. إبن أخي الصغير كلما طلبت منه أن يقول : "الله أكبر" يقول لي: عيب !!! في المدرسة كنت أجلس في المقعد الأخير، وذهبت إلى الجامعة لأتعرف على فتاة غير محجبة ومعها موبايل فيه بلوتوث، وكانت تسمي هاتفها النقال Catwoman، من أجلها سميتُ هاتفي النقال: "مياو "ومع ذلك لم تكترث.

أنا أعمل كحداد، يعني مطرقة وجرخ ومفتاح 1314، أنام مع سبعة إخوة في نفس الغرفة، ولا أملك خزانة، لذلك أخبئ رسائلي الخاصة في قن الدجاج، أحياناً تبيض الدجاجة فوق كلمة أحبك، وأحياناً تتغوط فوق الملاحظة التي في آخر الرسالة. أمي لا تعرف كيف تطبخ اللازانيا، وحتى السنة الماضية كنت أعتقد أن "الكرواسان" نوع من الطعام الغالي يؤكل بالشوكة والسكين. كل مساء أحلم بأنني "هانيبال ليكتر" وأمامي على الطاولة، دماغ الفتاة التي أحبها.

في الباص أجلس في الكرسي المعاكس لأراقب جارتي، ولم أر طائرةً في حياتي إلا الطائرات الحربية. أسرق الكهرباء من أقرب عمود، وفتاة برجوازية تدفع لي فواتير الإنترنت. في الحارة يتمسخر الأولاد على الشامة التي في جبيني، وأخي الكبير لا يصدق أني شاعر.. بينما أولاد عمي لو عرفوا أنني شاعر، لطبلوا خلفي بالطناجر والتنك. عندي قلم رصاص أخربش به أحياناً، وأبريه بالسكين، وآخر قلم أزرق غالٍ جاءني كهدية، انفجر في جيب قميصي. في الأعراس أجلس قريباً من المطرب، في خيم العزاء أنا من يضيف القهوة المرة، وفي المقاهي طاولتي دائماً هي طاولة المقطوعين. أنا عبود السعيد، أداعب رقبة الحيوان الذي يسكن داخلي، لكي ينمو مثل ذئب أعمى" .


دارا عبد الله: لم أعد أصلح إلاّ سجيناً


هو من مواليد القامشلي 1990. يدرس الطب، يكتب للصحافة، تعرض للاعتقال على خلفية مشاركته في الثورة. ومن نصوصه الجديدة نقرأ:



اللغة


منذُ البدء كانَ الصوتُ مادَّة اللغة، يتمايزُ الصوت الخام بتدرُّج تاريخي بطيء إلى الحرف المنطوق المُشخَّص. في بلاد العجم حيث أنتَ جاهلٌ باللغة، عليكَ بالنكوصِ إلى الصوت الخام، اللغة الكونية المشتركة، أم اللغات جميعاً. مثلاً: "ولاه" نطقٌ صوتي مخابراتي سيفيدك في نداء أصغر عنصرٍ من قبيلة أفريقية مهملة إلى أهمِّ موظَّف في شركة "مايكروسفت".


أنقذوا العري


هنا في ألمانيا أتمرَّن في ناد مُختلط، اليوم في غرفة تغيير الملابس تعرَّت فتاة بشكل كامل أمامي، كانت متعجِّبة من "بحلقة"عيوني الجائعة، نظراتي كانت قريبةً من نظرات العمال السوريين في لبنان إلى فتيات "التيار الوطني الحر"، شبقٌ منهك يتطاير منها، سألتني إن كان جسدها جميلاً؟ قلت لها: "yes"، ابتسمت بلطفٍ وأدارت ظهرها، دقائق وأصبح عريها بحكم العادة، خفتُ من تعوُّد عيني على عريها، أنقذوا العري يا شباب، العري الكامل المحض هو نقيضُ النقاب الكالح، كلامها يفقد لذَّة التلصُّص، أليس الأبيضُ هو المكافئ المعاكس للأسود؟!


المكان في السجن


البلاطةُ هي وحدةٌ لقياسِ القِدَم في السجن، كلَّما كانَ لكَ بلاطاتٌ أكثر كنتَ أكثرَ عراقة، الأقدمُ هو الأكثرُ راحةً لأنه يملك مكاناً أوسع. الأكثر راحةً هو الأكثر تعاسة، البلاطةُ هي وحدةٌ لقياس الألم. المكانُ الوحيد الذي يقاس فيه عمقُ الزمان باتِّساع المكان هو السجن، أحد السجناء القدماء اعترف لي بأنه عندما يبني بيته سيجعل أرضيَّته قطعةً واحدةً متَّصلة، لن يسمح لتقاسيم البلاط أن تظهر، انتقاماً من ذاكرته.


من عدم الحرية إلى حرية العدم


مفتاحٌ صغيرٌ فتحَ باب السجن الكبير، المسافة الزمنيَّة بين مَهجع السجناء وحيّ القصور، كالغَبَش الفاصل بين اليقظة والنوم، ثوانٍ قليلةٌ تفصل مكاناً يموت الناس فيه ببطءٍ وصمت، عن مكانٍ يضجُّ بالحياة الفارهة. السيارات مصطفَّة على حوافّ الطريق مثل سلاحفَ نائمة.

نظرتُ إلى السماء، شعرت بدوارٍ لاذع، أدهشني ارتفاعُ الأشياء عن الأرض. لا أبعاد في السجن. اكتشفتُ أثناء المشي أنَّ المسافة بين فخذيَّ قد اتَّسعت. سألتُ فتاةً مارقةً في الشارع عن الوقت، خافت وابتعدت كأنها رأت كائناً خرافياً، تفرَّستُ وجهي في مرآة سيَّارة واقفة، أخفْتُني، أشبه بعجوز يمشي جيئةً وذهاباً مُحتَضَراً تحت مصباحٍ يمعِنُ في التوهُّج، ارتدادٌ تامٌّ إلى حالة الهيولى الأولى، أنفاسي سريعة ومتقطّعة، صوتُ صرير عميق أسمعهُ من صدري، كالصوت الصادر من قطعة حديدٍ يحاول حدَّادٌ بعبثٍ أن يكْشُط الصدأ عنها، سيَّارات الأجرة ترفضُ الوقوف، بعد أكثر من نصف ساعة.

وقفت إحداها، قلت للسائق أن يأخذني إلى ساحة الميسات، الدم المتخثِّر على ظهرِ يدي اليمنى مثل بحيرةٍ من صقيعٍ أحمر، سألني إن كنتُ في السجن، أجبته بـ: نعم، مرَّت فترة صمتٍ طويلة، نظرتُ إلى ملامحه المتعبة، كانت الدمعة مُستقرَّة على خدّه الأيمن، مسارُ الدمعة على وجهه ترك انطباعاً في داخلي، كالأخدود الغائر الذي تتركه مياه النهر في صلب الأرض. إنها هزيمة.

على عكس الدخول، لا يخرجُ المرءُ من السجن دفعةً واحدة، الإفراج النهائي يُخِرج أقلَّ كميَّة منك. أوَّل ليلةٍ في البيت لم أتجرَّأ على التمدُّد الكامل على السرير، ولم أبقَ في التواليت أكثر من 30 ثانية (بقيت على هذه الحالة حتى ذهبتُ إلى بيروت)، ثلاثُ ساعات وأنا أشاهدُ مباريات كرة قدم خليجيَّة، في الساعة الرابعة صباحاً، كنتُ على وشك أن أجهش بالبكاء وأقول لهم أن يعيدوني إلى السجن، لم أعد أصلح سوى أن أكون سجيناً.


يزن الحاج: انتظار عبثيّ


كاتب سوري من مواليد دير الزور 1985، نشر مجموعة قصصية بعنوان "شبابيك". يعمل في حقل الترجمة. من نصوصه الأخيرة نقرأ:


«بكفٍّ سئمةٍ نفض الغبار عن الحاجز الإسمنتي. جلس مدلّياً قدمه اليمنى، فيما أسند أخمص بندقيته على الفخذ الأخرى، تاركاً أصابع كفه ترسم دوائر وهمية على الفوهة.

أشعل سيجارةً مادّاً ناظريه إلى منعطفٍ قريبٍ، كانت تمرّ به كل صباح، نافثاً الدخان بهدوء. كل شيءٍ يدعو إلى الوجوم. حواجز اسمنتية ومعدنية تناسلتْ بعد يوم الجمعة ذاك، لتسدّ كل الطرق المؤدية إلى البناء المحاذي، الذي انتصب على سطحه رشّاشٌ وأزواجٌ من العيون المستنفرة.. بنادق تضاعفت أعدادها، تتدلّى على الأجساد الفتيّة المتوترة.. عيونٌ خاويةٌ فقدتْ بريق الكبرياء الشاب لتشي بمكابدةٍ منهكةٍ مع السّهر في ليالٍ ربيعيةٍ كشّرتْ عن قسوتها وآيات رعبها بعد سنواتٍ طويلةٍ من الرتابة.. شوارع مقفرةٌ لا تستعيد اضطرابها إلا مع مرور سيارة عابرة، حينذاك تتحفّز الأجساد، وتتحجّر الأكفّ على البنادق، فيما تعانق السبّابة الزّناد..

تلويحاتٌ جنونيةٌ من الكهل الوحيد، ذي الرتبة الأعلى، بيـن سـرب الشباب ذاك، لا تهدأ إلا عند تراجع السيارة لتغيّر طريقها، فيعود، من ثمّ، الوجوم الثقيـل المشـوب بتنهـدات الجميع، وتُقفـر الشـوارع إلا مـن نسائـم القلـق.

أنزل جسده بهدوء عن الحاجز، ضبط حمّالة بندقيّته على كتفه، وحدّق مجدداً بذلك المنعطف. كان موقناً بأنّ انتظاره لمرورها عبثيٌّ تماماً، ولكن السيارات العابرة، التي تجود بها الشوارع أحياناً، كانت تزيد من آماله.

بندقيته لا تزال، كدأبها، مستقرة على كتفه.. سيجارته مشتعلةٌ تطلق دخانها المعتاد.. الجعبة السوداء المثقلة بالمخازن لم تتغيّر.. وكذلك كان الرّصاص الذي كانت تمازحه يومياً بشأن كونه حياً أم لا ..الشارع ذاته، والزاوية ذاتها.. إنما قبل تناسل الحواجز. توشك الساعة على تمام الثامنة، وها هو ينهي سيجارته الرابعة.. كالمعتاد. ولكن بلا طلاب يمازحهم، أو طالباتٍ يتّقدْنَ بابتساماتهنّ المكتومة.

ليس ثمة مدرسةٌ اليوم. هذا ما قرره منتفضو البلد، لذا ارتفع معدّل القلق. يعيد جسده إلى الحاجز، ينزع مخزن بندقيته ويتأكّد من الرصاص. تكّة انغلاق المخزن تبدو أشبه بانفجار في صمت الشّوارع التي لا تستعيد اضطرابها إلا مع مرور سيارةٍ عابرةٍ أخرى. حينذاك، يعيد إشعال سيجارته، التي أطفأتْها الرّيح، يتأمل تلويحات الكهل الجنونية، وعودة الوجوم، ثمّ يمدّ ناظريه إلى المنعطف القريب الذي كانت تمرّ به كلّ صباح.


وائل قيس: حمص 153 كم



هو من مواليد دمشق 1987. يعمل في الصحافة، ويعد لإصدار كتابه الشعري الأول. عرفت لغته بكثرة انزياحاتها، من ذلك قوله:



منفردة


وحدكَ، وما كنتَ وحدكَ. تغازلُ المعنى، تمضي في محيطكَ، تبحثُ عن فرارٍ داخلي، السّوط يخيط جرح جسدكَ. وحدكَ، تَذكرُ لفافة تبغك، موسيقاك، قارئك المفضّل، صوت بائع الخردوات، حين يحثّك على بيع مقتنياتكَ الأثرية.

وحدكَ، عاطلٌ عن العمل، تَذكُر: صراخ البقّال، بائع الخضار، الحلاق، السبّاك، موظف الكهرباء، الماء، الهاتف، الكتاب المهمل على الطاولة، صاحب البيت القديم. وحدكَ، خرجت تصرخ، وحدكَ كنتَ بين الجميع.


أبيض


الكفن. صرختُ الأمّ الثكلى، العين المحدّقة في الهدف. ناصية العلم الذي لم ينكّس منذ خمسة عشرَ شهراً، الدّمع الملازم للعين المزروعة في سطرٍ كتب عليه النشيد. الشهيد رحلة في ساحة بيضاء، وطن أبيض، الأبيض يحتضن أرضك.


كولاج


صُبِغَ الرصيف بالأحمر، الفتى ينزف من جسده الأحمر، الأحمر على زجاج السيارة، غنى المغني "بالأحمر كفناه"، الجريح يبصق الأحمر، الشهيد تعمد بالأحمر. هل وجدَ أحدكم الحذاء الأحمر بين الركام..؟


منزل


صورٌ صغيرة بحجم أصبع طفل حديث الولادة. أمٌّ تُعيد ترتيب الوسادة، تُفكِّرُ سراً في وجبة اليوم المسائية. صوتٌ قويٌ يهزُّ المكان، الزجاج يتطاير، الطفل يبكي صمتاً، تلمس الأم بطنها. عند السُّرَّة حركة غريبة، الطفل يرفض الخروج.


حمص


المصادفة. لعنة الملل، الخيط الممدود أسفل القميص، اليد اليمنى، العين ذات الحاجب المجعد، السير على منتصف الطريق، السيّارة ذات اللون الأبيض، إصبعي الذي لا يفارق فمي، الأشخاص المجهولون، الثياب الداكنة، الشاخصات المرورية. على إحدى اللوحات الزرقاء كتب: حمص 153 كم.


عادات سيئة


أتعلمين يا أمي..؟

لم يكن الزمان، المكان جباناً أبداً.. لكن الأفعال "خَافَ، صَمَتَ، سَكَتَ، هاجرَ.. إلخ" الموروثة من اللغة، والمستخدمة في الماضي، هي من علمنا هذه العادات السيئة.

15