"أصوات" رواية عربية كتبت في ثمانية أيام

في عام 1958 ذَهَبَ سليمان فيّاض لزيارة إحدى مدن الدلتا، وعلى الأخص قرية الشّعراء للقاء صديق هناك، وأثناء تواجده استمع لحكاية حدثت عام 1948 عن ابن من أبناء هذه القرية وفد من الخارج مع زوجته الأجنبية، وقامت نساء القرية بإجراء عملية ختان مريعة لها، بقدر الاندهاش الذي أبداه سليمان فياض للحكاية، إلا أنّه فسّر الواقعة بأنها نوعٌ من الحدّ الذي قامت نساء القرية بتطبيقه ضدّ ما حدث لهنّ من اقتطاع لجزء من جسدهن ومصادرة حقهن في الحرية، ليكتبها لاحقا في رواية كاملة.
السبت 2017/05/06
النساء ضد حرية النساء (لوحة للفنان غسان السباعي)

أرسل يوسف السِّباعي في عام 1970 سليمان فياض مع وفد مصري إلى ألمانيا، وهناك بدأ كتابة الخيوط الأولى لحكاية سمعها سابقا، وما إن عاد إلى مصر حتى أخذ في استكمال الحكاية فكان يذهب إلى كازينو يوم الجمعة في السّاعة العاشرة ويكتب حتى السّاعة الخامسة عصرًا، وحين يعود إلى البيت يقوم بتبييض ما كتبه، ويظل طوال الأيام الخمسة الباقية في البيت لتحضير الفصل الجديد.

هكذا خرجت رواية “أصوات” كما يقول في مئة صفحة بعد ثماني جلسات وكأنّها دفقة شعورية واحدة، يقول عنها المؤلف: «تبدو لي، كُلّما تصفحتها، وكأنّها كُتبتْ في جلسة واحدة، أو أنّها، كما يقولون، ولدت في طلقة واحدة».

على لسان الشخصيات

تأتي حكاية الرواية الصادرة عن دار الشروق، على لسان شخصيات عدّة تبدأ بالمأمور الذي يتلقى برقية حامد البحيري من باريس والذي صار من أثريائها يطلب منه بصفته الرسمية مساعدته في العثور على أهله الذين فارقهم منذ ثلاثين سنة عندما كان طفلاً في العاشرة. ثم تبدأ الشخصيات تسرد بنفسها وقع هذه البرقية، والاستعدادات لاستقبال الابن الغائب وزوجته، من الأعيان والعمدة مرورًا بالطبيب الذي كتب تقرير الوفاة بناء على رغبة المأمور الذي جعلها وفاة طبيعية، لتعود الحكاية من جديد إلى المأمور الذي انفتح به السّرد.

البداية بدأها المأمور غنائية حيث يرصد وجوده في المكتب بلا عمل وقلقه من البرقيات القادمة من القاهرة، أما النهاية فقد جاءت عبر تساؤلات يطلقها المأمور هنا وهناك دون أن ينتظر إجابات ليبيِّن فداحة المُصيبة ليس بالنسبة إليه فقط، وإنما بالنسبة إلى حامد أيضًا، وأسفه على الجهل الذي أوصلنا إلى هذا الدرك الأسفل؟ وغيرها من الأسئلة.

الرِّوايةُ تأتي في أربعة أقسامٍ هي عودة الغائب، وهو الفصل الذي يؤسِّس للزيارة والاستعدادات لها من قبل مسؤولي الدولة (المأمور والعمدة)، وهي الزيارة التي «قلبت حياة الدرويش رأسًا على رجلين». والقسم الثاني «دوامات في الدرويش»، وهو الذي يعود فيه حامد البحيري إلى حكاية هروبه من أبيه، وامتهانه مهنة غسل الأطباق على السفن التي طَافَ بها الدنيا وصولاً إلى فرنسا حيث عمل في مقهى جزائري ثم وصوله إلى ما وصل إليه من فنادق وشركات وغيرها.

ثمَّ يأتي القسم الثالث مذكرات محمود بن المنسي، وفيه يحكي عن جولات سيمون داخل القرية ودورها في علاج الأطفال من الأمراض، وفي المقابل حالة الكُره لسيمون، وهي الحالة التي كانت تتولّد في عيون زينب ونساء القرية وأحمد في ظل غياب زوجها الذي ذَهَبَ إلى القاهرة للقيام ببعض الأعمال وزيارة أصدقائه المصريين الذين كان يلتقيهم في باريس. وهو ما انتهى بمحاصرة سيمون كما جاء في القسم الرابع، ولكن أيّ حصار؟ ليس إلا حصار الجهل والحقد على سيمون من قبل نساء القرية لتنظيفها من الشعر الزائد وهو ما تطوّر إلى ختانها لتحدث الفاجعة بموتها.

الانطباع السَّائد منذ روايات «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم و«قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، و«الحي اللاتيني» لسهيل إدريس، و«موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، الروايات المؤسِّسة لجدلية العلاقة بين الشرق والغرب، أن نظرة الآخر أيًّا كان موقعه تقع دومًا بين الإعجاب والنقد لما يشاهد، هنا الآخر يتمثل في الأجنبي؛ في سيمون التي لم تُبدِ استياءً ممّا رأت بل كان الإعجاب قرين مشاهدتها، والصُّورة الوحيدة السّلبية التي أظهرتها هي تعليقها على الحشرات في رؤوس الفتيات رغم وجود نهر النيل، وتساؤلها عن الغابات، الذي كان أشبه بتعجُّب لا أكثر «أين الغابات؟ لماذا يبدو المرض على وجوه الناس؟».

سيمون شخصية المرأة التي عرّت الروح الجاهلية المليئة بالحقد والكراهية للآخر

في الطرف المقابل كانت نظرة الآخر/حامد بحكم موقعه الجديد، قد تبدلت وتنوّعت، إذ بدأت نظرة امتنان أو شوق أبداها بعد عودته مباشرة، بل إنها ألغت الفوارق بين المكانين: القدوم والنشأة، ثمّ ما لبثت أن خفتت الصورة الوردية رويدًا رويدًا وبدأت نظرة الناقد. وبعد انطفاء جذوة البهجة التي كانت بادية عليه من طول مدة اللقاء وحُسن الاستقبال بدأت عينه تلتقط السلبيات التي جاءت من الأنا/الأجنبي الذي صار آخر بالنسبة إلى الأنا المنتمي إلى المكان.

الذكورية المزدوجة

العوار الحقيقي الذي كشفته سيمون ليس فقط الجهل الذي سيجهز عليها، أو حتى سطحية وهشاشة الذات التي راحت تجتهد في تقليد الآخر في الكلمات والحركات مثل زينب زوجة أحمد، أو في الطعام مثل العمدة، وإنما الذكورية الفجّة التي مارست تحرشاتها على جسدها على مستوى الواقع أو حتى على مستوى الخيال. فرغم أن العمدة ابتهج لرؤية سيمون إلا أن رؤيته لظهرها العاري وأقدامها جعلت الذكورية فيه تتحرك فيعلِّق قائلا «وجاءت سيمون مع حامد وأخيه أحمد إلى الدوار، بمظهر أبهج قلبي كذكر، وأغضبني كرجل».

أما أحمد، فلم يكتفِ باسترقاق النّظر إليها وهي ترقصُ في غرفتها مع حامد، وهو المشهد الذي يقول عنه «أعجبني المشهد وأثارني، أرضاني وأغضبني»، وهذا التناقض يكشف الازدواجية الذكورية ذاتها التي حدثت مع العمدة عندما رأى جسدها العاري، حتى تأتي الطامة عندما تطلب منه أن يتناولا الطعام على السطح، فيتحرّش بها فعليًّا بلمس أقدامها من أسفل، بل إن التحرش والمطاردة لم يتقصرا على الرّجال فقط، بل امتدا إلى النساء أيضا.

هذه الذكورية لم تجعل محمود بن المنسي يميّز حدود العلاقة بينه وبين سيمون، والمكانة التي وضعته فيها باعتباره صديقًا، يصطحبها للتجوُّل في القرية، وفي غياب زوجها كان الوسيط بينها وبين أهل زوجها في الترجمة، فما إن غيّبت الخمر عقله حتى تماهت الحدود وَكَشفَ عن ذكوريته واشتهائه لها، وراح يبوح لها بحبه وهيامه، وهو الأمر الذي تفهمته وردته إلى تأثير الخمر، فجاءت عبارتها «أنت سكرت يا محمود» دالة على رفضها لهذه الأشياء.

الأغرب أن عملية الختان التي قامت بها النساء بتحريض من القابلة، في الأصل هي صورة للدفاع عن الذكورية وحمايتها في الغياب، كما قالت نفيسة القابلة بأن المرأة إذا لم تُختن «تصبح هائجة مثل القطة، تطلب الرجال ولا تشبع أبدًا». في الحقيقة لم تكن سيمون سوى المرأة التي عرّت الروح الجاهلية المليئة بالحقد والكراهية للآخر الأفضل وليس الآخر البعيد مكانيًا.

وقد تصوّرت أن رد فعل حامد إذا عرف ما حدث لزوجته أنه لن يفعل شيئًا سوى أنه «سيغضب قليلاً، ويرضيها، وينسى ما حدث»، كما عرت الطبقية المتمثلة في العمدة الذي نظر إلى محمود بن المنسي على أنه ابن الخولي الذي يعمل في أرضه، وأن حامد أراد أن يطاول عائلته بماله، وهي صور اجتماعية تعج بها القرية المصريّة. إذن تنتهي الرواية بنهاية سيمون ضحية لجريمة بشعة تذكر بقضية ما زالت موجودة إلى يومنا هذا في أرياف مصر.

17