أصوليات وشائعات

الخطباء المفوهون، أرهقوا أحصنتهم الأيديولوجية قبل تحقيق أي أمنية أو ابتعاد أي خطر. بل إن ما جرى فعلا، على أيديهم، هو صنع الكوارث أو فتح بطون الأوطان للغزاة، والتذابح الطائفي.
الأحد 2018/06/10
بث الشائعات لإشعال الفتنة

لم تعد خيول الأيديولوجيا الأصولية، قادرة على حمل فرسانها الكُثر، الحالمون بالهيمنة على العقول وعلى مقادير الناس، بخطاب الوعود القصوى بالرفاه والعدالة والحياة الطيبة. فهؤلاء أنفسهم هم الذين يغلقون مسالك الطريق الطويل، الموصل إلى تحقيق الأمنيات والسعادة، ويفتحون طريقا معاكسا!

بدت الدروب مضنية ومعقدة لا يحتملها حصان الأيديولوجيا، برغم سعة شروحاتها واستطالة صفحات فقهها وتأويلاته. وربما الحصان، استشعر بفطرته ثقل الراكب الحالم أو المخادع، وعاف لغته وأيقن أنه يكذب!

لعل من طبائع ممتطي هذه الأيديولوجيا، أن يتحين الفرصة للقفز في مكان يناسبه ويُجزيه، على الأقل لأنه يتقن الخطابة ووصم الآخرين بالخيانة، بعد أن يكون قد سئم الزُهد. ولكي تكون قفزته في موضع يناسبه، من تضاريس السياسة وسوقها الرائجة في أوقات النزاعات، يفضل النزول في أرض بيئته الاجتماعية أو الطائفية لكي يبيع الأحلام لبسطائها. عندئذ، تصبح الطائفة، هي المناخ الملائم لبائع الأيديولوجيا بلا تقوى.

وتتراكم في هذا الإطار، خبرات أخرى للانتماء، وخبرات سياسية، علما بأن الطائفية نشأت وتجذرت خارج منطق أي فهم اجتماعي في إطار أي أيديولوجيا، وخارج أي عاطفة قومية أو إنسانية!

على سبيل المثال، كان أحد أبرز المفوهين في ممارسة خطاب بخليط من الأيديولوجيا والسياسة ومزاعم العدالة اللفظية مع إنكار آلام الأشقاء؛ قد استمع إلى رواية قصيرة وملفقة، عن دولة الإمارات، تتعلق بالقدس، يفضحها شطط المنطق وانعدام القرائن، فاعتمدها وعرضها في السوق السياسية التي يبيع ويشتري فيها، لكي يجعل دولة مقتدرة، تطارد أصحاب عقارات بجوار الأقصى، لكي تشتريها وتحيلها إلى إسرائيل.

وكأن إسرائيل مأزومة أو قاصرة على هذا الصعيد، أو كأن احتلالها للقدس وتدابيرها لتعميق الهيمنة عليه، معلقة على مصير عقار، فيما المنظومة القيمية للفلسطيني هي التي تحمي الأملاك ولا يحميها الخطباء.

سُمعت الرواية بلسان ملتحٍ أرزقي في إسرائيل، يتغنى بقطر وأردوغان، فالتقطها واعتمدها خطيب يتغني بخامنئي، ويبغض قطر ودول الخليج كلها في الأصل. والمثال في الحقيقة، نتاج احتياج السياسة للشائعة مهما كانت سخيفة وقصيرة الأمد وبلا أي براهين.

الخطباء المفوهون، أرهقوا أحصنتهم الأيديولوجية قبل تحقيق أي أمنية أو ابتعاد أي خطر. بل إن ما جرى فعلا، على أيديهم، هو صنع الكوارث أو فتح بطون الأوطان للغزاة، والتذابح الطائفي، وداخل أصوليات الطائفة الواحدة، أو الإتجار بالمخدرات. تحولوا إلى سوق الكلام والشائعة، بخليط من المتناقضات بين الخطاب والسلوك، ولم يقنعوا مخلوقا بأن للإنسان ثمنا في حساباتهم، وظلوا يكذبون!

24