أصولية الأيديولوجيات السياسية تؤدي إلى نهايتها

السبت 2014/08/16
فشل التجربة الشيوعية لا يعطي شهادة براءة للرأسمالية

صراعات كثيرة دارت بين الأيديولوجيتين الشيوعية والرأسمالية على مدار غالبية القرن العشرين، ورغم استماتة كل فريق في إثبات صحّة توجهه، فإن أيا من هاتين الأيديولوجيتين لم تحقق مفهوم التصالح العام، وهو المحور الذي تدور حوله كل الفلسفات السياسية على مدار التاريخ.

يقدم أمين حافظ السعدني في كتابه “أزمة الأيديولوجيات السياسية” قراءة مختلفة للأيديولوجيتين الأكثر تأثيرا في العالم خلال القرن العشرين وربما حتى الآن وهما: الشيوعية والرأسمالية. يتناولهما كرؤيتين أحاديتين عبرتا عن أزمة الثنائية الفكرية المغلقة على الوجه العموم، وعن أزمة الاستقطاب المذهبي خلال القرن العشرين في المجال الأيديولوجي على وجه الخصوص.

انطلق السعدني في كتابه نحو تحقق صحة فرضيته الرئيسية التي ترى “أن كثيرا مما يقال إنه حتمي لا يعدو كونه نتيجة مبادرات لغوية، بمعنى أن هاتين الأيديولوجيتين انطلقت كل منها (على حدة) من عقيدة نظرية جامدة، ادعت ـ بأصولية سياسيةـ حيازتها للحقيقة بشكل غير قابل للتفاوض، ووفقا لمبادئ فكرية ارتكزت على سلفية اقتصادية (إن صح المجاز) فجاءت التجربة العملية كاشفة لزيف مقولاتها، وكان القرن العشرون المختبر التاريخي لتنفيذ ادعاءات كل من هاتين الأيديولوجيتين”.

يرى السعدني أنه إذا كانت الأيديولوجيا ـ بمعناها الحرفي ـ هي علم الأفكار، فإن هذا المعنى الكلاسيكي للمفهوم قد تطور إلى البحث في الوسائل التي يمكن بها تطبيق الأفكار وتحويلها من مجرد بحث إلى خطة عمل، إما لتثبيت قيم سياسية معينة، وإما للإطاحة بهذه القيم من أجل تغيير المجتمع. فلم تعد الأيديولوجيات تقف عند حد فهم الظاهرة السياسية والحكم عليها وتقييمها، بل أصبحت تهدف إلى جانب وظائفها المعيارية إلى توجيه سير الأحداث في المجتمع تثبيتا أو تغييرا، بمقتضى نظرية أو فلسفة معينة يؤمن بها أصحاب هذا المذهب أو ذاك. وإذا كان بمستطاعنا أن نتمثل مقولة هيغل من أن بومة منيرفا لا تحلق إلا عند الغسق، فإن ذلك ينسحب على الأيديولوجيا، ذلك لأن من أبرز خصائصها أنها لا تزدهر إلا في أوقات الأزمات السياسية، خصوصا تلك التي تنجم بسبب قصور النظام القائم وعجزه عن تحقيق رغبات الناس.

ويشير إلى أن أزمة الأيديولوجيات بصفة عامة “تكمن في أحاديتها الدوغماطيقية واعتبار حقائقها أقرب إلى النصوص المقدسة أو “التابو” كما تكمن في أن سعيها إلى ترميم أية ثغرة في واقع المجتمع من أجل المحافظة على طبقية الواقع، قد جعلها في حالة صراع مستمر مع الأيديولوجيات الأخرى، وهو ما أدى إلى شيوع مقولة “نهاية الأيديولوجيا” تلّمسا لعلم متفرع من أحكام القيمة بوجه عام، ومحايد من الناحية السياسية بوجه خاص، رغم ما يحيط هذه الدعوة من غبار أيديولوجي”.


اليسار والشيوعية


يؤكد السعدني على أنه ليست هناك صلة بين الماركسية الأصلية كما وضعها كارل ماركس وبين الشيوعية التي طبقت بشكل شمولي في الاتحاد السوفيتي السابق، ويقول “كانت ممارسات القادة السوفييت من لينين وحتى غورباتشوف أبعد ما تكون عن جوهر الماركسية، فماركس وإن كان من أنصار الاتجاه التاريخي، إلا أنه لم يكن مفكرا شموليا، ولم تنطو فلسفته على أي نزوع إلى الدكتاتورية التي مارسها الحكام السوفييت، واعتقدوا أنهم يخدمون بها القضية الاشتراكية حسبما يفهمونها، فتعاملوا مع الماركسية بالزيادة والانقاص، وأعملوا فيها معاول التحريف والتشويه، لفرض رؤاهم المذهبية. وعلى الرغم من أوجه القصور الواضحة في الماركسية، فإن مطبقيها قد أخطأوا مرتين، الأولى عندما اعتبروها برنامجا متكاملا ومرجعية أحادية صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، والثانية عندما أساؤوا تطبيقها في مجتمع لم يكن مهيئا ـ طبقا لماركس نفسه- أن تنجح فيه، وأصروا على إنجاحها، بعناد أيديولوجي منقطع النظير، وكان ذلك مما أدى في نهاية الأمر إلى إعدام التجربة”.

فشلت الشيوعية عندما اختزلت حقيقة الوجود الإنساني المركب في نظرية أحادية مغلقة

انهيار التجربة الشيوعية في الاتحاد السوفيتي أدى إلى تعذّر تصور منطق لليسار بمعزل عن هذه التجربة، لتصور البعض أن انهيار النظام الشيوعي السوفيتي لابد وأن يعني انهيارا لمنطق اليسار في جملته، في حين أن اليسار لم يكن منسوبا بكل مكوناته إلى مدرسة الشيوعية وحسب، بل إن كثيرا من اليساريين عارضوا اعتبار الاتحاد السوفيتي موطن الاشتراكية وقلعتها المجسدة والمعبرة عن حركات اليسار المختلفة في العالم كله، فاليسار سواء في أوروبا الغربية أو غيرها، ليس فقط الشيوعية، فهو منها أسبق وجودا وأوسع نطاقا، وإن كان قد أصابه بعض الوهن خلال هيمنة الشيوعية على مقدراته خلال القرن العشرين وازداد أمره سوءا بعد انهيارها في النهاية.


النظام الرأسمالي

فيما يتعلق بالرأسمالية يوضح الكتاب أنه “على الرغم من أن الليبرالية منذ بداية ظهورها وفي طرازها الكلاسيكي والمحدث، قد قدمت نفسها على أسمى وجه من خلال تأكيدها للقيم التي دافعت عنها طوال تاريخها، وعلى أساس أنها منظومة متكاملة من الحقوق الفردية سياسيا واقتصاديا، وبالجملة اجتماعيا، إلا أن الرأسمالية ركزت فيها على الجانب الاقتصادي فقط، ولذلك فإن هذه الطبقة تعتبر اليبرالية في شكلها القديمة هي في الأساس المذهب لممارساتها الاقتصادية والذي يعطيها التبرير النظري لتشبثها بقدسية الصالح الخاص في مقابل العام، وهو ما أدى إلى اعتبارها شكلا مسؤولا عن استفحال الرأسمالية المعاصرة رغم عدم صحة ذلك. كما أدى إلى وقوع الليبرالية برمتها في أزمة شديدة تمثلت في الخلط بين الصورة الأنانية للفردية في جانبها الرأسمالي وبين مجمل الأيديولوجيا الليبرالية، في حين أن الرأسمالية هي تطبيق لفلسفة الليبرالية في مجال واحد فقط هو المجال الاقتصادي”.

في هذا السياق، يقول حافظ السعدني “شاركت النظم الحاكمة منذ قيام الدولة القومية في نشأة وتطور النظام الرأسمالي ابتداء من المرحلة الميركانتيلية وانتهاء بمرحلة الرأسمالية المعاصرة، وعلى كلا الصعيدين الداخلي والخارجي. فرغم ما يفترضه بعض الليبراليين من أن الدولة هي وسيط محايد أو حكم موضوعي يعمل على تحقيق التوازن بين الأفراد والجماعات، إلا أنه في ظل نمط الانتاج الرأسمالي فإن الدولة تخدم مصالح الطبقة المسيطرة، وتتبادل المصالح مع حائزي رؤوس الأموال، وهي تقوم ببعض الجهود الإصلاحية كاستجابة لضغوط الطبقات المقهورة، وكآلية لحماية المصالح الرأسمالية من تهديداتها ويستثني من تاريخ هذه العلاقة الدولة والنظام الرأسمالي مرحلة الدولة الكينزية، وهي الفترة الذهبية لقوة الدولة وتبنيها لبرامج الرعاية الاجتماعية في العالم المتقدم، والعالم الثالث على سواء، وقد امتدت هذه الفترة منذ بداية الثلاثينات إلى بداية السبعينات من القرن العشرين، ثم ظهرت التاتشرية / الريغانية في نهاية السبعينات لتعلن عن ميلاد الرأسمالية المتوحشة والانتكاس بدور الدولة مرة أخرى إلى مرحلة الدولة الحارسة”.

من أبرز خصائص الأيديولوجيا أنها لا تزدهر إلا في أوقات الأزمات السياسية

تمثّل العولمة الاقتصادية أبرز مساوئ الرأسمالية المعاصرة، خصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي الذي كان هو العقبة الوحيدة المتبقية أمام انفلات هذه الرأسمالية من عقالها واندفاعها على هذا النحو الذي تجسّده العولمة الآن، خصوصا في صورتها الأميركية، ففي ظل العولمة بدأت الدولة في إرخاء قبضتها عن الاقتصاد شيئا فشيئا لصالح الشركات العملاقة، التي بالغت في الانفلات من النظم والضوابط بدعوى تحرير الاقتصاد من قيود الدولة ومؤسساتها وقوانينها التي تكفل حماية النشاط الاقتصادي للمجتمع من أطماع الأفراد، فتقلصت سيادة الدولة الاقتصادية لصالح سيادة القطاع الخاص، وأصبح التحكم بالمعنى الاقتصادي وليست الحكمة بالمعنى السياسي هو الذي يحكم الدولة، بعد أن كانت الدولة من قبل أو هكذا يجب أن تكون هي التي تملك زمام الأمرين.

فشلت الشيوعية عندما اختزلت حقيقة الوجود الإنساني المركب في نظرية أحادية مغلقة تمركزت حول الاقتصاد كأحد جوانب الحقيقة وتجاهلت بقية جوانبها بينما أسرفت الرأسمالية، خصوصا بعد تعولمها، في التركيز على الجوانب السياسية والقانونية التي أطلقت العنان للحرية الفردية في المجال الاقتصادي.

ويخلص أمين السعدني إلى أن سقوط الشيوعية لا يعني رد اعتبار للرأسمالية، ولا يفيد بأن مساوئها قد زالت، بل أصبحت هذه المساوئ تتخذ صورا أكثر فجاجة وضراوة بعد انهيار القوى التي كانت تحد من غلوائها، ولعل تفاقم الرأسمالية في شكلها المعولم الجديد، كان أبرز المستجدات العالمية التي تتعارض مع أن تصبح الرأسمالية البديل الأمثل أو الطريق الإجباري أمام العالم ليسلكه بارتجالية متسرعة، ففشل التجربة الشيوعية لا يعطي شهادة براءة للرأسمالية.

7