أصولية شيعية وسنية.. ودم سوري كثير

الجمعة 2013/12/27

في خطابه الأخير، يرفض أمين عام حزب الله، حسن نصر الله إمكانية قبول أية ملاحظات حول دخول حزبه للمعركة السورية، فهو يعتبر هذا الأمر نهائيا ولا رجعة عنه وغير قابل للمراجعة، والأهم يجب ألا يشكل مادة خلافية بين الأطراف اللبنانية التي يجب أن تهتم بقضايا أخرى، وهل هناك أهم من قضايا السلم والحرب بالنسبة لسياسي وطني، أم أن ساسة لبنان، باستثناء قيادات حزب الله، حكم الزمان عليهم أن يتحولوا إلى رجال خدمات ومناسبات على اعتبار أنهم يعيشون في زمن حزب الله؟

طبعاً نصر الله، صاحب الخطابات المدروسة- ليس في صياغاتها بل وفي إخراجها أيضاً من حيث عدد الابتسامات وتوقيتها ووقت إطلاقها وكذا لحظة رفع الإصبع بالتهديد ولحظة تسبيل الذقن وتزبيط العمة- ليس ملزماً بطمأنة اللبنانيين من ارتدادات حربه في سوريا، ولا ملزما بما قد تجلبه تلك الارتدادات على أمن اللبنانيين، كل ذلك سيكون “فداء للمقاومة”. ما دام هو قد ذهب لتلك الحرب دفاعاً عن لبنان من خطر التكفييريين الواقفين على حدود الدولة والذين بعد أن ينهوا حربهم ضد بشار الأسد وينجزوا إفناء الأقليات في سوريا “أكثر من عشرين أقلية” سيلتفتون إلى لبنان.

اللافت في خطاب نصر الله الأخير أنه يتحدث عن حرب طويلة الأمد لا أفق زمنيّا لها، حرب وكأنها تبدأ اليوم، أو كأنها مستوطنة منذ قرون في المنطقة، لقد أزاح كل ما يمكن اعتباره وقتي وآني في هذه الحرب، وربطها بقضايا صراعية تاريخية، قضية فلسطين وعروبة لبنان والخير والشر، نازعاً عنها أبعادها السياسية التي قد تحصر الحرب ضمن أطر سياسية ونطاقات جغرافية محددة، وحوّلها إلى مجرد اقتتال مفتوح يمكن لأي طرف فيه أن يختار ما يناسبه من المسوّغات لدخول هذه الحرب والاستمرار بها، هي أشبه بميدان رماية يتنافس فيه المتنافسون وصاحب القدرة على التسديد والرمي الصائب هو الذي يفوز.

وكان قائد جبهة النصرة أبو محمد الجولاني قد سبق ظهور نصرالله بيوم عبر إطلالته على قناة الجزيرة، والمصادفة الغريبة توافق خطاب الرجلين وأسلوبهما ورؤيتهما للصراع ومآلاته، وكذلك ثقتهما الزائدة بامتلاكهما للمكوّنات التي يدعون تمثيلها، وباعتبارهما يمثلان القيادة العسكرية المكلّفة بإنجاز المهمة المقدسة، الجولاني بإخضاع العلويين وربما إبادتهم، ونصر الله بإعادة السنة” التكفيريين إلى قمقم الخضوع وتأديبهم.

الخطير في كل ذلك، أنهما لا ينطقان عن عبث، كما أنهما ليسا في طور المزايدة ولا حتى في إطار رفع المعنويات لمقاتليهما على الأرض، بل أنهما يطرحان برنامجهما الحربي على الهواء مباشرة ويهيئان بيئاتهما للقادم، فالمسألة لا تخرج عن إطار الخبر والعلم بصيغة خطاب سياسي منمق ولكنه مباشر وحي. فالرجلان في نهاية الأمر ليسا مقرران بل هما منفذان لأوامر مرجعيات عليا يعود لها مسألة تقدير المواقف وتقرير المصائر والدفع بالأمور إلى وجهات معينة، وقرار بهذا الحجم وبكل ما يستتبعه من تكاليف وجهود واستحقاقات لا يستطيع الأتباع (من التابعين) تحمل مسؤوليته، بل يلزمه أعلى المرجعيات.

حسناً، ماذا يعني ذلك غير خلوص الأمر في النهاية إلى حرب دينية يشعلها رجال الدين؟ ترى ألا يتضمن قرار الولايات المتحدة الأميركية تهميش الجيش الحر والتوجه للتفاوض مع الجبهة الإسلامية هذا المعنى؟ هل يعني ذلك أننا سنشهد في مرحلة لاحقة تهميش بشار الأسد والتفاوض بدلا منه مع حسن نصر الله بصفته القائد الميداني للجبهة الأخرى؟ ألم يلغ نصر الله المجال السياسي النظامي السوري حينما تحدث عن حرب يخوضها في سوريا وكأنه يقوم بدورية في قلب الضاحية، تماماً مثلما ألغى الجولاني وطنية الثورة السورية بإقصائه مكوناً سورياً بكامله؟


* كاتب سوري

9