أصول العنصرية

الثلاثاء 2014/03/04

الأصول، هي المفردة التي ينبغي التوقف عندها، حيث استعمالها في اللغة العربية، الشفهية خاصة، يحيلنا على الفور، إلى التقييم الإيجابي غالبا للشخص، حيث ابن الأصول، أو ابنة الأصول، هو الكائن المنحدر من عائلة معروفة أو أصيلة، غير مزوّرة.

هذا يأخذنا إلى الفهم العميق للفظة، أصل الإنسان، أو العائلة، أي الدم.

هذا تماما ما حاولت الثقافة الغربية التخلّص منه، إذ ليست قيمة الكائن بالدم الذي يحمله، وبالعائلة التي ينتمي إليها، بل قيمته تتأتى من فردانيته، ثقافته الشخصية، سلوكه، حاضره، أي أن الماضي والانتماء البيولوجي لا يلعبان دورا في تقييم الإنسان، إنما ما يحمله هذا الكائن من قيم ومعارف وإمكانيات، وما يقدّمه إلى مجتمعه والعالم.

تقسيم العالم بيولوجيا، إلى طبقة الدم النبيل، والأخرى، الدم غير النبيل، هو ما يُعتبر في الغرب كأحد تجليّات العنصرية. ومن المعروف للكثيرين، لوم الغرب وإدانته لعقلية هتلر كأشهر العنصريين الذين قسموا البشر وفق انتماءاتهم البيولوجية، وتحدث عن العرق السامي، النظيف، الخالص.

من هنا، حصل الكثير من أولاد المهاجرين أو اللاجئين أو النازحين من أصول وثقافات أخرى، في الغرب، على مناصب كبيرة، فالرئيسان ساركوزي وأوباما، أكبر شاهدين على هذا المثال، وهناك في كل حكومة غربية تقريبا، شخص من أصول أجنبية، يتمتع بمنصب مهمّ وفعال في حكومة بلاده التي ينتمي إليها، ويخدمها بوفاء وإخلاص لا شك فيهما.فيما لا تزال الثفافة العربية، تستخدم الدم والبيولوجيا كمصدر للتقييم، هذا هو الفكر العنصري، المقسّم للعالم إلى طبقتي النبلاء والخدم.

ربما نتذكر في السياق، جمهورية أفلاطون الطوباوية، والتي تعدّ كذلك من أحد أشكال العنصرية، أو التمييز، وإن كان التمييز إيجابيا، قائما على التقسيم الطبقي المعرفي لا البيولوجي، حيث طبقة العلماء أو المفكرين، وطبقة العاديين، إلا أن هذا التقسيم تجاوزه العالم المعاصر، وحلّت القيمة الفردية للكائن الإنساني محل القيمة الجمعية، إذ لا أحد يرث قيمته من أصوله، بل من نتاجه الخاص.

تعرّضت السينما الغربية كثيرا إلى مواضيع التمييز العنصري، حتى يكاد أحدنا يشعر أحيانا، ومن شدّة المبالغة بالحرص على حماية الشعوب من فيروس التمييز، بأن كون أحدهم قادما من ماض مقهور وقد مورس عليه هذا التمييز في السابق، فهو ميزة له حاليا، إذ يخشى أحدنا من توجيه نظرة ما، دون قصد، لتُترجم على أنها سلوك عنصري.

العنصرية رفيقة التعصب، كلاهما ينظران إلى العالم نظرة التفوّق. النظرة التي أيضا تقسّم العالم إلى قسمين: أعلى وأدنى، منتصر وخاسر، ولكن ليس ضمن مقاييس فكرية تتعلق بالانتصار المعرفي أو التفوّق العلمي أو الفكري.

كاتبة من سوريا مقيمة في باريس

15