أصيلة: الثقافة في خدمة التنمية

أصيلة تستثمر الثقافة لتنهض بنفسها وتنتصر على التخلف بعد تراكمات عقود من العمل والعطاء والتخطيط.
الجمعة 2019/06/28
مقصد للمثقفين والسياح من جميع أنحاء العالم

يعرف الفيلسوف الفرنسي أندريه مالرو الثقافة بأنها “ما يجعل من الإنسان شيئا آخر غير كارثة العالم”، هذا بالضبط ما فعله مهرجان ثقافي بمدينة مغربية مغمورة وفقيرة على سواحل البحر الأطلسي.

قبل 41 سنة كانت أصيلة قرية ساحلية منسية يمتهن سكانها صيد السمك، واليوم هي واحدة من أشهر المدن المغربية بفضل مهرجانها السنوي الذي حولها إلى منارة ثقافية يحج إليها مثقفو العالم كل صيف.

استفادت المدينة التي توصف بأنها كانت “مهملة” من هذه الشهرة على الصعيدين الاقتصادي والتنموي حيث تتحول كل صيف إلى مقصد للمثقفين إضافة إلى السياح سواء من داخل المغرب أو خارجه.

من المؤكد والبديهي إذا أن أصيلة في 2019 ليست هي نفسها في 1978، وهو ما تبرزه البنايات الحديثة التي تلوح على تخوم المدينة ومن الجهة المطلة على البحر حيث بدأت تظهر سلسلة من الفنادق والمطاعم الفخمة.

محمد بن عيسى: موسم أصيلة هو مشروع ثقافي مستمر وليس مهرجانا فقط
محمد بن عيسى: موسم أصيلة هو مشروع ثقافي مستمر وليس مهرجانا فقط

هذه النهضة ليست وليدة الصدفة وإنما نتاج تراكمات عقود من العمل والعطاء والتخطيط، حيث يعترف عراب المهرجان ورئيس بلدية أصيلة الدبلوماسي المخضرم محمد بن عيسى بذلك.

يقول محمد بن عيسى “إن موسم أصيلة هو مشروع وليس مهرجانا أو احتفالا عابرا فقط. نحن منذ انطلاقة الموسم قبل 41 عاما، تبنينا تصورا واضحا، يتمثل بتوظيف الثقافة والفن موردا كالذهب أو النفط لتحفيز الناس واستقطاب سبل الاستثمار في هذين المجالين لتطوير البيئة الاجتماعية والاقتصادية في المدينة”.

ويضيف “نحن نتحدث عن مدينة كانت قبل 41 عاما عبارة عن ‘خرابة’ مدينة قديمة، وكانت ظروف المعيشة قد وصلت فيها إلى حدود لا تليق بكرامة الإنسان وعيشه الطبيعي”.

يبدو واضحا أن بن عيسى يفكر بشكل مزدوج أي كمدير للمهرجان ورئيس للبلدية ما يجبره على الانشغال بالثقافة والانخراط في العمل التنموي في آن واحد.

ويربط كثيرون ازدهار الثقافة وقدرتها على مواجهة التحديات بضرورة وجود اقتصاد قوي، لكن أصيلة أثبتت أن العكس ممكن. فبدل أن تنتظر المدينة قدوم التنمية للتعريف بنفسها، استغلت الثقافة لتنهض بنفسها وتنتصر على التخلف بكل أشكاله وهاهي اليوم واحدة من أبرز المدن المغربية.

وأسهم المهرجان أيضا في ترميم التراث الثقافي للمدينة وتطوير بنيتها التحتية؛ حيث تتوفر اليوم على مركز للملتقيات الدولية يحمل اسم العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني، إضافة إلى مكتبة “بندر بن سلطان”، كما يجري حاليا بناء أكاديمية للفنون الجميلة والتصميم ستكون جاهزة في 2020. كل هذه المشاريع الثقافية وغيرها من العشرات من المشاريع التنموية جاءت بدعم من عدد من الدول الخليجية.

ويؤكد مسؤولون محليون أن أصيلة مقبلة على نهضة اقتصادية، حيث يجري العمل على إعداد منطقة صناعية ستوفر فرص عمل كبيرة للشباب، لاسيما لحاملي الشهادات العليا.

وينغص احتمال توقف المهرجان فرحة السكان الذين يدركون جيدا أن حيوية مدينتهم مرتبطة به. نجح المغرب ومن خلفه بن عيسى هذه السنة في هزيمة شبح النهاية، لكن السؤال يكون أو لا يكون مازال مستمرا رغم التطمينات التي بثها وزير الخارجية السابق في قلوب محبي المهرجان.

 وقال بن عيسى في افتتاح الدورة الـ41 للمهرجان نهاية الأسبوع الماضي إنه “لم يتوقّع حجم التعاطف وأشكال الدعم التلقائي والطوعي للاستمرار لاسيما من لدن العاهل المغربي الملك محمد السادس”، لكنه لم يتوان أيضا خلال تصريحات صحافية على هامش المؤتمر في طرح مخاوفه من إمكانية توقف المهرجان.

وليست المشكلات المادية وحدها ما يهدد بتوقف المهرجان وإنما أيضا الخشية من عدم ظهور جيل جديد يأخذ المشعل عن مؤسسي المهرجان وهو ما يؤكده بن عيسى بالقول “أتمنى أن يكون هناك ريع خاص ومستمر بموسم أصيلة كما يحدث في دول الغرب، وإلا ستساورنا الشكوك كل عام بأن الموسم يكون أو لا يكون، ونأمل من المفكرين والمثقفين أن يكونوا رسلا لهذه الغاية”.

14