أصيلة تحتفي بالشعر والشعراء

منتدى أصيلة يصدر كل سنة كتبا تتضمن المداخلات التي قدمت في مختلف الندوات لتكون مراجع مفيدة لكل من يرغب في الخوض في القضايا المذكورة.
الثلاثاء 2019/07/09
الثقافة وسيلة أساسية لدعم بناء الدولة المغربية

في العديد من دوراته السابقة، انتقد البعض من المغاربة ومن غير المغاربة، مهرجان أصيلة بسبب ما سموه بـ”الإفراط” في التركيز على القضايا السياسية وإهمال قضايا مهمة أخرى أدبية وفكرية وغيرها.

غير أن هذا الاختيار من جانب إدارة المهرجان ومنتدى أصيلة وجامعة المعتمد بن عباد لم يكن اعتباطيا ولا عشوائيا، بل تأسس على رؤية متصلة بالواقع اتصالا وثيقا. فعلى مدى العقدين الماضيين، واجه العالم العربي العديد من القضايا الساخنة لها صلة بأحداث جلها سياسية.

ولأن إدارة المهرجان اختارت منذ البداية أن تكون الفعاليات والندوات مرتبطة بالواقع المغربي والعربي والعالمي، فإنها ركزت بالفعل على قضايا أساسية مثل الفصل بين الدين والدولة وظاهرة الإسلام الأصولي والعنف والإرهاب والعلاقة بين العرب والغرب والعلاقة بين عرب المشرق وعرب  المغرب والتحولات السياسية والاجتماعية في القارة الأفريقية… كما انعقدت ندوات حول النخب الثقافية وعلاقتها بأنظمة الحكم في البلدان العربية وعن الاغتراب العربي ومشكلة الهجرة وغير ذلك. وقد شارك في كل هذه الندوات سياسيون ودبلوماسيون وباحثون في مجالات مختلفة وصحافيون يمثلون مؤسسات إعلامية بصرية وسمعية مرموقة. وفي كل سنة، يصدر منتدى أصيلة كتبا تتضمن المداخلات التي قدمت في مختلف الندوات لتكون مراجع مفيدة لكل من يرغب في الخوض في القضايا المذكورة أو في الكتابة عنها أو في التوثيق لها.

وكان هذا الاختيار ذكيا وناجعا على مستويات متعددة، إذ بفضله أصبح مهرجان أصيلة يحظى بشهرة لا عربية فقط، بل عالمية، وباتت الديناميكية التي يتمتع بها وسيلة لمقاومة مختلف أنواع الانغلاق والتحجر.

شهرة عالمية
شهرة عالمية

كما أن هذا الاختيار، دعّم ورسخ ثقافة الاختلاف، والحوار، مصدر كل ثقافة تطمح إلى الانبعاث والإحياء، ومنح أصيلة، المدينة الصغيرة، القدرة على أن تتبوأ مكانة المدن والعواصم.

وعلينا ألاّ ننسى أن عقل مهرجان أصيلة، ومهندس توجهاته هو الأستاذ محمد بن عيسى الذي لعب أدوارا سياسية مهمة على مدى أربعة عقود سواء عندما كان نائبا في البرلمان أو وزيرا للثقافة أو وزيرا للخارجية أو سفيرا في واشنطن. ولم تمنعه أدواره السياسية من أن يكون دائم الحرص على ربط علاقة متينة مع المفكرين والفنانين والشعراء والكتاب لا من المغاربة والعرب فقط، بل من جميع أنحاء العالم. وكان يفعل ذلك ويمارسه انطلاقا من إيمانه بأن الثقافة وسيلة أساسية لدعم بناء الدولة المغربية الحديثة وترسيخ مبادئها وقيمها وتوضيح سياستها الداخلية والخارجية.

وفي العديد من دورات مهرجان أصيلة، خصوصا تلك التي انتظمت في العقدين الأولين، كان حضور الأدب والشعر ومختلف الفنون الأخرى مثل الفن التشكيلي والموسيقى بارزا. وكانت إدارة المهرجان تحرص على دعوة شعراء وكتاب وفنانين كبار من المغرب، ومن البلدان العربية، من القارة الأفريقية، وأيضا من أوروبا وآسيا والولايات المتحدة الأميركية، وأميركا اللاتينية. ومن أشهر زوار أصيلة في دورات مهرجانها، يمكن أن نذكر الروائي الإيطالي ألبرتو مورافيا والروائي البرازيلي خورخي أمادو والروائي السوداني الطيب صالح والشاعر السينغالي ليوبولد سيدار سنغور والفنان الفرنسي جورج موستاكي والشاعر  الفلسطيني محمود درويش… واحتفاء بذكرى من ماتوا من مشاهير زوارها وعشاقها، أقامت بلدية أصيلة التي يرأسها الأستاذ محمد بن عيسى حدائق وساحات تحمل أسماءهم.

 وهذا ما فعلته مع سنغور والشاعر والروائي الكونغولي تشيكايا أوتامسي، وأيضا مع الطيب صالح ومحمود درويش. أما الشاعر العراقي الراحل بلند الحيدري فقد أطلقت باسمه جائزة للشعراء الشبان تسند كل عامين.

وربما للرد على من عابوا عليها إهمالها للأدب والفن، اختارت لجنة مهرجان أصيلة في دورته الواحدة والأربعين أن يكون الشعر العربي في هذا الزمن العربي المتقلب أحد محاوره.

ومرة أخرى كان هذا الاختيار حكيما. ففي هذه الفترة التي اشتد فيها اللغو والضجيج السياسي والديماغوجي والشعبوي، وتهشمت الأحلام التي فجرها ما سمي بـ”الربيع العربي”، كان لا بد من تجديد الاحتفاء بالشعر والشعراء، وإعادة الاعتبار لجمال الكلمة ولإشراقة القصيدة.

  وقد شارك في الندوة التي استمرت يومين شعراء ونقاد قدموا مداخلات عميقة عن همومهم الشعرية والإنسانية في واقع عربي يتسم بالتقلبات والتغيرات السريعة والمفاجآت التي غالبا ما تكون محبطة للعزائم، وحاملة لأزمات ومشكلات ومحن أشد مرارة وقسوة من تلك التي سبقتها. وما كان ملفتا للانتباه هو أن جل الشعراء الذين شاركوا في ندوة أصيلة، أمثال العراقي حميد سعيد والبحريني قاسم حداد والمغربيين محمد الأشعري والمهدي اخريف، كانوا متفائلين إذ أنهم أجمعوا على أن الشعر رغم كل ما يواجهه راهنا من أزمات وعراقيل وإحباطات، سيظل حيا وسيظل دائما مصدرا أساسيا للأمل والحب والنبل والسلام…

14