أضاع المنفيون البيت وتاهوا

الأربعاء 2017/10/25

المنفيون غرباء أينما يعصف بهم النوء، مستوحشون وسط الحشود، لا المدن الغريبة تغيثهم ولا الوصول يسعفهم، جحيم أوطانهم يتّسع كل مساء ليلتهم الجميع دون استثناء: يفترس الصامتين والشامتين والمتواطئين والمحايدين، وينتزع قلوب الأمهات ليضع في صدورهن براكين حزن. قد يخطئ الموت الهاربين، ولكن الرزايا تنهمر من جهات الطامعين تكسف بصيص الأمل؛ فتنطوي الأرواح على حطام أحلام مضاعة ما بين حرائق بغداد ودمشق والموصل وحلب وطرابلس.

تشهيت -أنا المنفية في ضجيج البلدان- أن أغدو بحرا شاسعا تحاذيه صيحات النوارس وغنج الدلافين، وتخيلت أن الملحَ سيغدو حارسي من عفن العمائم وترياقي من غصة التيه في اللاوطن؛ فكنت أردد: آه لو كنت بحرا إذن لكنت احتضنت ذاكرة الأنهار التي تفوح بعبير حقول القمح والرز وأشذاء البساتين ولكان في أعماقي متسع للخلاص من جحيم الحروب.

ولكنت حرة أنتسب إلى القارات كلها، لا أحتاج إلى جواز سفر منبوذ في المطارات كلها ولا ترهقني إجراءات البحث عن إقامة شرعية في بلاد الإخوة أو مدن الأغراب، لا عِرق ولا طائفة تحكم على زمني، ولا متربصون يحاصرونني بتأويل الأسماء وترهات الطوائف والأقوام الفضلى.

لو كنت بحرا لكنت وطن نفسي وغايتها واكتفيت بذاتي، ماءً يعانق السماء وتستحم فيه الشهب والنجوم، لو كنت بحرا لحملت المدن إلى أحلامها والنساء إلى قصائد العشاق والسفن إلى مقاصدها أو مصائرها، لو كنت البحر لما حاصرتني شرائع استباحة المختلف وخطابات الترويع وتفاهات لصوص السياسة.

ذات زمن وأنا أجوب البلدان في وحشة العمر تشهيت لو أنني نخلة منسية في بستان أهلي لعلني كنت سأنجو من لعنة اللاوطن، أحنو على شجر البرتقال وتسكنني العنادل وحفيف النهر وأطلّ من عليائي على الكروم وشجر التفاح وأكواخ الحراس وأسّاقط على الجياع بعض تمْرٍ أو أستسلم لمزنة مطر تزيح عنّي غبار الحروب ورماد الحرائق، لكنني تغاضيت عن هذه الأمنية أيضا، فنخيل وطني شبيه أمهات البلاد لم يسلم من جنون الغاصبين، ولكانوا حينها رجموني بجشع نفوسهم وانتزعوا جُمّار قلبي بفؤوس الكراهية فلا أعود أصلح لمنفى ولن أجد ملاذا ولا يعرفني وطن.

في قصيدة قصيرة للشاعر الراحل يوسف الصائغ يتنبأ بما صرنا إليه، لا بيت ولا وطن ولا ذاكرة يقول:

“أمس..

رجعتُ إلى بيتي..

لكني لم أجد البيت مكانه..

وتعجّبتُ:

أتراني أخطأتُ الحارةَ والشارع؟

كيف يضيّع إنسانٌ مثلي بيته،

أو يخطئ جيرانه..؟

أطرقتُ.. ولم أسال أحداً..

يجدر أن أنسحب الآنَ..

وأكتم أحزاني..

وأروح أفتش في وطني،

عن بيت ثان!”.

لكن الشاعر لم يتنبأ بيوم سيتبدد فيه الوطن هباء، حروب احتلال وطائفية ونزاعات عرقية حول كنوز الأرض وحدود الأرض، غابت عن رؤيته أن الوطن سيتناهبه لصوص وقناصون وأن الناس ستغشاهم غيبوبة وعي، فأنىّ له أن يحظى ببيت ثان؟

لقد أضاع المنفيون البيت وتاهوا، لا بيت يعرفهم ولا الشوارع تألف خطاهم، لا المدن تتقبّلهم ولا الذاكرة ترتضي نكران تعلقاتهم الخرقاء بوطن أنكرهم، ولا القلب يخفق لغير رائحة خبز تنّور وعبير طلع النخل وهديل الفواخت في الظهيرة، المنفيون كائنات مستوحدة قلقة لا تثبت على أرض ولا تحلق في سماء، كائنات مصابة بمتلازمة حنين عصيّ لا يعالجه طبيب ولا شامان ولا تشفيه سوى أغنية عشق مجدولة برائحة بيت أليف.

كاتبة عراقية

14