"أضحية الشيك المصدق" تثقل كاهل العائلات الليبية

اعتاد الليبيون على أن يكون عيد الأضحى مناسبة سعيدة لهم، حيث تلتقي العائلات والأقارب، ويتذكر الغني الفقير، كما تجتمع العائلة على أشهى المأكولات، لكن الأمر اختلف هذه السنة بسبب الفوضى وغلاء الأسعار، حتى أصبح العديد من الليبيين يفكرون في التنازل عن خروف العيد خلال هذ العام.
الجمعة 2016/09/09
اللعب مع الكبش ينتهي ليلة العيد

بنغازي - أزمة السيولة النقدية التي تعيشها ليبيا بسبب الخلاف السياسي والتوتر الأمني، ألقت بظلالها على تحضيرات عيد الأضحى الذي سيحل بعد أيام قليلة، منتجة ما بات يعرف في البلاد بـ”أضحية الشيك المصدق”.

في شوارع المدن الليبية، تنتشر لافتات كتب عليها “ضحّ دون أن تدفع نقدا” وهي لافتات كتبها تجار للأغنام يبيعون أضاحي العيد مقابل صكوك بنكية، يتم اعتمادها من البنوك العامة، وذلك لمواجهة أزمة السيولة النقدية التي تعاني منها ليبيا منذ أشهر.

وتنص الصفقة على ذهاب المواطن الراغب في شراء أضحية العيد، إلى البنك الذي يمتلك فيه حسابا جاريا لتصديق صك باسم التاجر صاحب الأضاحي، وتقديم الصك إليه عوضا عن دفع القيمة نقدا، لكون ذلك أصبح من الأمور شبه المستحيلة في ليبيا، بعد دخولها أزمة سيولة حادة، ووقوف المواطنين طويلا أمام البنوك للحصول على مبلغ مالي قليل يسدّ حاجياتهم اليومية.

ويصطف الآلاف من الموظفين في بنغازي يوميا استعدادا لعيد الأضحى، أمام شبابيك الصرافة للحصول على مرتباتهم ومستحقاتهم المتأخرة عن شهر يوليو الماضي.

البعض من البنوك لا تصرف نقدا سوى 500 دينار فقط لعملائها، وهذا مبلغ لا يكفي لشراء الأضحية، لذلك التجأ بعضهم لشراء الخروف مقابل شيك بنكي.

وتعد ظاهرة الأضاحي مقابل صك جديدة على السوق الليبية، وقد أفرزتها الحرب الأهلية التي تعيشها البلاد، بل ولاقت استهجان نسبة كبيرة من المواطنين، لكون التجار يضيفون مبلغا إضافيا إلى السعر الأصلي للأضحية، بدعوى أن الدفع “بصك مصدق” وليس “نقدا”، كما قالت المواطنة نعيمة المصراتي.

الحكومة تتأخر في اتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من ارتفاع الأسعار، ومساعدة محدودي الدخل للحصول على أضاحي العيد بأسعار مناسبة

المصراتي التي تعيل أسرتها أوضحت في حديثها أن “ما يجري الآن يسمى استغلالا لحالة المواطن الذي يكون في حاجة إلى توفير الأضحية.. فشراء الخروف حاليا في ليبيا بالدفع النقدي 600 دينار (435 دولارا)، وإن لم تكن لديك نقود فستدفع 700 دينار (507 دولارات) أو 800 دينار (580 دولارا) للتاجر بصك بنكي.. هذا استغلال، لأن المواطن الليبي أصبح محتاجا بسبب أزمة ليس له دخل فيها”.

غلاء فاحش

يقول تجار المواشي إن ارتفاع الأسعار هذه السنة يعود إلى ارتفاع أسعار الأعلاف، إلى جانب قلة المعروض في الوقت الحالي بسبب تهريب الكثير من الأغنام خارج البلاد.

ويؤكد أحد مربي المواشي غلاء الأسعار ولكن هذا الغلاء له أسبابه حسب رأيه، فالمربي اليوم يشتري قنطار العلف بـ100 دينار ويشتري القصب “البرسيم الجاف” بـ13 دينارا للحزمة الواحدة، إلى جانب عدم قدرة المربي كما كان في السابق على الحصول على الخبز الجاف نظرا لارتفاع سعره في المخابز، وأيضا بسبب التقنين الحاصل في استهلاكه داخل البيوت.

ويضيف أنه يتم تهريب عدد كبير من الأغنام عبر الحدود المشتركة الليبية التونسية نظرا لفارق العملة، كما لم تسلم من التهريب الخراف المستوردة بالعملة الصعبة وحتى الأعلاف المحلية، وهذا سبب كاف لارتفاع الأسعار بشكل جنوني.

يقول أحد المواطنين بسوق بنغازي إن بائعي المواشي يبررون ارتفاع السعر بالزيادة التي شهدتها أسعار الأعلاف، وتكاليف نقل الخراف من المناطق البعيدة دون مراعاة جيب المواطن الذي لا يستطيع شراء أضحيته بالأسعار المعروضة الآن، في حين كان سعر الخروف قبل شهرين بـ300 دينار ليبي.

وترجع الأزمة المستمرة في السيولة النقدية منذ بضعة أشهر -بحسب مصرف ليبيا المركزي- إلى تخزين التجار لأموالهم في بيوتهم وعدم إيداعها بالبنوك، الأمر الذي تسبب في نقص السيولة لديها.

ولم تنجح مساعي المصرفين المركزيين في طرابلس وبنغازي من حل الأزمة، بعد أن أقدما على طباعة الملايين من الدنانير الليبية في روسيا وبريطانيا مؤخرا.

ويؤكد العديد من المواطنين أن أسعار الأضاحي فاقت التوقعات ولا تتماشى مع مستوى دخل الفرد، منتقدين تأخر الحكومة في اتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من ارتفاع الأسعار، ومساعدة محدودي الدخل للحصول على أضاحي العيد بأسعار مناسبة.

المواطن ناجي الفاخري، أطلق من جهته مصطلح “تجار الأزمات” على البائعين الذين يبيعون أضاحي العيد بصكوك بنكية وبأسعار مرتفعة، مؤكدا أنهم “يستغلون أزمة السيولة الحالية لتحقيق مكاسب مالية كبيرة خلال هذه الأيام”.

وطالب الفاخري “الجهات المسؤولة في الدولة الليبية بمتابعة الأمر ومراقبة البيع والحد من سطوة هؤلاء التجار الذين لا يراعون ظروف المواطن ولا يستوعبون أنهم في أيام مباركة لا يجوز الاستغلال فيها”.

الأسعار ترتفع مئتين في المئة

ولا تتوفر أرقام رسمية في ليبيا عن عدد المواشي المتوفرة لعيد الأضحى، أو عدد الأضاحي المتوقعة للعام الجاري.

ويرى المواطن فوزي العريبي من منظور آخر أن “التجار الذين يبيعون أضاحي العيد بشيك مصدق، ساهموا في حل أزمة المواطن بذلك”، مشيرا “لولاهم لما استطاع الليبيون أن يؤدوا شعيرة التضحية في هذا العيد”.

وعن فارق الزيادة في سعر الأضحية بين الدفع النقدي والدفع بصك، يقول العريبي “أظنه أمرا طبيعيا، فالتاجر أيضا ربما يلحقه الضرر نتيجة البيع بصكوك، فذلك سيؤدي إلى نقص السيولة لديه واحتجاز أمواله التي يدير بها تجارته داخل البنك، فهو لن يستطيع إخراجها لعدم وجود سيولة بالبنوك وذلك في حد ذاته خسارة له وتعطيل لتجارته”. “لا يوجد حل دون مقابل”، يقول طاهر محمد، تعليقا منه على البيع بالصكوك، “زيادة سعر الأضحية المشتراة بصك بنكي أمر طبيعي”، موضحا في الوقت نفسه أنه “لا يمكن القول إن كل التجار زادوا في أسعار أضاحي الصك المصدق، بل البعض منهم فقط”.

ويقول تجار المواشي في بنغازي إن الإقبال على الأضاحي هذه السنة مازال محدودا وخصوصا أن السيولة النقدية لم تتوافر بالمدينة مؤكدين أن التعامل بالشيك المصدق يساعد الأهالي على شراء الأضاحي، مشيرين إلى أن الأسعار الموجودة لا تتوافق مع المرتبات المحدودة للمواطنين الذين أكد بعضهم أنهم لم يستلموا مرتباتهم إلى حدّ الآن.

ويقول عمر وهو رب أسرة متكونة من خمسة أنفار “لم أفكر بعد في الشراء لعدم وجود القيمة، وكذلك لظروف السكن وإن بقي السوق على وضعه الحالي فقد لا أشتري أضحية هذا العام حيث لا يكلف الله نفسا إلا وسعها”.

أما الحاج الحبيب فحاله لا يختلف عن حال أغلبية الليبيين ويرى أنه “في ظل غلاء المعيشة التي تشهدها البلاد وحلول العام الدراسي والنقص الحاد في السيولة احترت في توفير السيولة وعليه قررت ألا أشتري أضحية هذه السنة”.

طقوس العيد

تبدأ تجهيزات العيد قبل أيام معدودات من حلوله حيث تبدأ النساء في التجهيز الداخلي للمنزل وتستعد لهذه المناسبة، فيما يتكفل الرجال بالمشتريات من السوق وعادة ما تكون المشتريات إذا ما استثنينا الخروف محصورة في الخضروات والبهارات وأدوات الذبح بالإضافة إلى المشروبات والحلويات.

وتشغل الأضحية مرتبة عالية في تقاليد الليبيين، وعيد الأضحى يعرف في ليبيا بالعيد الكبير، وهو عيد فداء وتضحية، وخلال الأيام العشرة الأولى من شهر ذي الحجة يهيّئ الناس أنفسهم لاستقبال هذا العيد.

وهناك بعض الشعائر التي يخص بها الليبيون أضحية العيد، فقبل البداية تعطى الشاة قليلا من الماء ويحرق نوع معين من البخور يسمى الجاوي، ثم تحفر حفرة في الأرض ويراعى ألا تكون في طريق المارة لأنه يعتقد أنها ستكون مسكنا للجن، لذلك يتجنب الليبيون المواقع التي تسفك فيها دماء الحيوانات باعتبارها مساكن للجن.

بعدها يوضع الخروف على الأرض بحيث يكون رأسه قريبا من الحفرة وفي اتجاه القبلة، ويمسك أحدهم بيده اليسرى أرجل الكبش وبيده اليمنى عنق الضحية، وبذلك تتقاطع يداه، ويقوم آخر بذبح الأضحية.

وتقتضي التقاليد أن تسمى الذبيحة على اسم شخص، قد يكون رب العائلة أو أحد الأقارب الأحياء أو المتوفين.

الأزمة المستمرة في السيولة النقدية بالبلاد مردها تخزين التجار لأموالهم في بيوتهم وعدم إيداعها بالبنوك

ويسود الاعتقاد بين الليبيين بأن كبش الأضحية سوف يمتطيه الشخص المسمى عليه ويسير به إلى الجنة يوم القيامة، وهو هدية إلى الله، فينبغي أن يكون صحيحا معافى ويجب أن يكون كبشا جميلا قويا أقرن لا عيب فيه إطلاقا.

ويوضع مسحوق الملح فوق دم الذبيحة ثم يردم بالتراب. ويتم الاحتفاظ بعظمة الفك الأيمن في البيت لدرء العين الحاسدة وجلب الحظ السعيد.

وتقوم النساء في البيت بتجهيز ما يسمى بـ”العصبان”، وتصنع هذه الأكلة الأمازيغية من البطن والأمعاء الغليظة والدقيقة والتي تعرف بالمصطلح الشعبي عند الليبيين بالدوّارة.

والعصبان نوعان هما اليابس والعصبان الطازج الذي يعد ويؤكل في اليوم نفسه، أما الجاف فيعد ويترك ليجف ثم يؤكل في وقت أخر خلال فصول السنة وخاصة في فصل الشتاء، والعصبان اليابس يحضر من كتل أحشاء الشاة بعد غسلها مثل الأمعاء الغليظة والدقيقة والمعدة (الكرشة) والشحم المحيط بالمعدة وكذلك الرئة والكبد والقلب حيث تقطع هذه المكونات وتخلط بالبهارات المكونة من الملح والفلفل والكركم والزيت، ثم تلف كلها في قطعة من الكرشة (المعدة) وتربط من الخارج بواسطة قطعة من الأمعاء الدقيقة إلى أن تنتهي الكمية، ثم تعلق على حبل في الهواء الطلق حتى تجف في الشمس وبعد ذلك تقلى في الزيت وتحفظ في آنية خاصة وتستعمل في طبخ العديد من الأكلات.

أما النوع الآخر من العصبان فيحضر من بطن الخروف كما في إعداد الأول لكنه يؤكل طازجا. ومن الأكلات الشعبية والتي يتميز بها العيد أيضا “القلاية”، وبعد الانتهاء من هذا يكون لحم الخروف قد جف بعد غسله وهو لا يزال كاملا، فبعض العائلات تفضل أن تجري عملية التقطيع وإعداد القديد في يوم العيد، والبعض منها يقوم بذلك ثاني أيام العيد.

ومن أشهر أكلات العيد خبز العيد عند أهل نفوسة وطرابلس، وتحضير خبز العيد عادة قديمة جدّا في ليبيا، لا يزال أبناء الأمازيغ يمارسونها إلى الآن، بل كانت عادة شائعة في طرابلس القديمة إلى عهد قريب، فالكثير من العائلات الطرابلسية التي كانت تسكن المدينة القديمة، ظلت تحضّر خبز العيد على الطريقة الليبية التقليدية (الأمازيغية)، حتى ثمانينات القرن الماضي. وهو عبارة عن رقائق من فطائر كانت قديما تحضر في أول أيام العيد من دقيق القمح بعد إضافة الماء والقليل من الملح ويعجن ثم يقطع على شكل كرات متوسطة الحجم تفتح على هيئة رقائق دائرية بواسطة تحريكها بين اليدين، ثم تطهى في الفرن التقليدي. وبعد النضج تفتت وهي ساخنة إلى قطع صغيرة وتخلط بالسكر وزيت الزيتون، وتقدم في أوان خاصة من الفخار.

20