أضرار المبيدات الحشرية تطال القلب والدماغ

دراسات وبحوث لا تزال تحاول فك كيفية مساهمة المبيدات الحشرية في الإصابة بأمراض القلب والموت، ومعرفة المستويات وعدد المرات التي يكون فيها التعرض أكثر ضررا.
الخميس 2019/10/03
استنشاق المبيدات الحشرية قد يسبب السكتة الدماغية لاحقا

كشف العديد من العلماء، في السابق، أضرار التعرض لمبيدات الحشرات وصنّفوها ضمن مصادر التلوث التي تشكل خطرا متفاقما على صحة الإنسان والبيئة. وفي الوقت الذي أثبت فيه الباحثون تسبب هذه المواد الكيميائية في الإصابة بالأمراض الصدرية وضعف الخصوبة، أشار بحث جديد إلى أن الخطورة قد تطال القلب والدماغ.

لندن- توصّلت دراسة أجريت لفترة طويلة في هاواي إلى أن التعرض لمستويات عالية من المبيدات الحشرية قد يؤدي إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب أو السكتة الدماغية.

وأوضح مؤلفو الدراسة في مجلة (جورنال أوف ذي أميركان هارت أسوسيايشن) أن العاملين في الزراعة يحتاجون إلى ارتداء معدات الوقاية الشخصية وحتى بعد التقاعد يجب أن يستمروا في مراقبة صحتهم لكشف المضاعفات القلبية الوعائية.

وقالت المؤلفة الرئيسية زارا بيرغ من كلية “فورت بيك كوميونيتي كوليدج” في بيك بولاية مونتانا، “مفعول مبيدات الآفات طويل الأمد ويظل في الجسم لفترة طويلة، لذا قد تظهر آثاره الجانبية بعد 10 أو 20 سنة”.

وأضافت بيرغ، التي شاركت في الدراسة كجزء من بحث الدكتوراه في جامعة هاواي في مانوا بهونولولو، “قد لا يعتقد الكثير من العمال أن التعرض للمبيدات خلال سنواتهم الأصغر أو المتوسطة أمر بالغ الأهمية ولكنه في الواقع هو كذلك”.

وخلال الدراسة، استخدم فريق بيرغ بيانات من برنامج “كواكيني هونولولو هارت”، الذي أنشئ عام 1965 لدراسة أمراض القلب عند أميركيين ويابانيين، في منتصف العمر، يعيشون في جزيرة أواهو. وُلِد المشاركون بين عامي 1900 و1919 في اليابان أو هاواي وكانت أعمارهم تتراوح بين 45 و68 عامًا في بداية الدراسة. تم تحديث البيانات خلال عام 1999، بعد مدة طويلة إلى 34 سنة من المتابعة للمشاركين الناجين.

ركزت بيرغ وزملاؤها على 7557 من الرجال الذين قدموا معلومات عن تاريخ عملهم ولم يكن لديهم مرض في القلب في بداية فترة الدراسة.

ولقياس التعرض للمبيدات الحشرية، استخدم فريق البحث المقياس الذي تعتمده إدارة الصحة والسلامة المهنية التي تقدر كميات المبيدات النموذجية التي يتم التعرض لها خلال يوم عمل يستغرق 40 ساعة، بناء على نوع الوظيفة والسن وعدد سنوات العمل، خاصة بالنسبة إلى العاملين في الصناعة والمعامل والمزارع.

بعد ذلك، فحص فريق بيرغ السجلات الطبية لتقييم من أصيب بأمراض القلب والأوعية الدموية، والتي عرفوها بأنها مرض القلب التاجي أو حادثة دماغية مثل السكتة الدماغية.

المزارعون يحتاجون إلى ارتداء معدات الوقاية الشخصية وحتى بعد التقاعد يجب أن يستمروا في مراقبة صحتهم لكشف المضاعفات القلبية الوعائية
المزارعون يحتاجون إلى ارتداء معدات الوقاية الشخصية وحتى بعد التقاعد يجب أن يستمروا في مراقبة صحتهم لكشف المضاعفات القلبية الوعائية

بشكل عام، كان هناك 451 رجلاً فقط تعرضوا لمستوى عال من المبيدات الحشرية و410 تعرضوا لمستويات متوسطة، بينما لم يسجل تعرض البقية لها. بعد ضبط عوامل الخطر القلبية الوعائية الأخرى مثل العمر والوزن والنشاط البدني والكحول والتدخين، وجد الباحثون أن الرجال الذين يعانون من ارتفاع في معدلات التعرض لمبيدات الحشرات كانوا أكثر عرضة بنسبة 42 بالمئة من أولئك الذين لم يصابوا بأمراض القلب والأوعية الدموية خلال السنوات العشر الأولى من المتابعة.

وأشارت بيرغ “التعرض الشديد لمبيدات الحشرات خلال منتصف العمر أدى إلى أمراض القلب والأوعية الدموية لاحقا. المبيدات يمكن أن تؤثر أيضا على الكولسترول وتركيز المعادن الثقيلة في الجسم”.

لم يكن مرض القلب مرتبطًا بمستويات منخفضة أو معتدلة من التعرض للمبيدات الحشرية ولم يظهر ارتباط بين التعرض الشديد لها وبين المرض على المدى الطويل لأكثر من 34 عامًا.

ويشير المؤلفون إلى أنه من بين القيود على الدراسة هو أن نسبة صغيرة فقط من الرجال تعرضوا لمستويات مرتفعة أو معتدلة لمبيدات الحشرات. وأضافوا أن كون الرجال جميعهم من مجموعة عرقية واحدة يمثل قوة في التحليل لأنه يزيل بعض الاختلافات المحتملة المُربكة ولكنه يعني أيضًا أن النتائج قد لا تكون قابلة للتعميم على السكان الآخرين.

وتقول بيرغ “الأهم من ذلك، يجب على العمال حفظ سجلاتهم الطبية وتوثيق التعرض المحتمل للمبيدات، خاصة إذا كان أصحاب العمل لا يفعلون ذلك”. وتوصي العمال بارتداء “معدات وملابس واقية مناسبة، وطلب البعض إذا لم يتم توفيرها”.

ولا تزال الدراسات والبحوث تحاول فك كيفية مساهمة المبيدات الحشرية في الإصابة بأمراض القلب والموت، سواء من خلال الالتهاب أو الإجهاد التأكسدي ومعرفة المستويات وعدد المرات التي يكون فيها التعرض أكثر ضررًا.

وقال خوان بيدرو أريبولا من جامعة غرناطة في إسبانيا، والذي لم يشارك في الدراسة، إن “الأبحاث حول تعرض الإنسان للملوثات البيئية معقدة وصعبة للغاية”.

وأردف هيلث لرويترز عبر البريد الإلكتروني، “في رأيي، يجب أن تكون النصيحة الرئيسية هي استخدام ‘المبدأ الوقائي’، لأن الوقاية تظل أفضل من العلاج. لا يدعو الأمر للشعور بالذعر، نحن محاطون بالمواد الكيميائية التي ساعدتنا إلى حد كبير، لكن علينا تجنب التعرض لها قدر الإمكان”.

يشير الكثير من العلماء إلى أن ذلك ليس بالأمر الهين فحتى مع تجنب التعرض للمبيدات الحشرية في المزارع، تعلق بقاياها داخل الخضروات والغلال وقد تنتقل إلى جسم الإنسان رغم الغسل الجيد للأطعمة.

وقد وجدت دراسة نقلتها شبكة “سي.أن.أن” الأميركية عن مجلة (جاما إنترنال مديسين) شملت نساء يخضعن لعلاج نقص الخصوبة في الولايات المتحدة، رابطاً ما بين تناول حصص أكبر من الخضار والفاكهة التي تحتوي على كميات كبيرة من المبيدات الحشرية المترسبة أو العالقة، وتضاؤل فرص الحمل وزيادة فرص الإجهاض.

وتُرشّ المبيدات الحشرية على الخضار والفاكهة لحمايتها من الفطريات، والأعشاب الضارة والحشرات والقوارض. لكن، تزيد التساؤلات حول مخاطر التعرّض لهذه المبيدات، خوفاً من إمكانية تسببها في أعراض سلبية طويلة الأمد على الصحة.

وبحسب الطبيبة يو هان تشوي، وهي باحثة في قسم التغذية التابع لجامعة “هارفارد” والكاتبة الرئيسية للدراسة، يتعرّض غالبية الأميركيين للمبيدات الحشرية بشكل يومي، عن طريق تناول الخضار والفاكهة.

وتضيف تشوي “كانت هناك مخاوف من أن التعرّض لكميات قليلة من المبيدات الحشرية من خلال تناول الغذاء، كما حدث مع الأشخاص الذين شاركوا في الدراسة، قد يتسبب ببعض الآثار السلبية، خاصة بين الأشخاص سريعي التأثر، مثل الحوامل وأجنّتهن. وتثبت دراستنا أن تلك المخاوف واقعية”.

وشملت الدراسة 325 امرأة تراوحت أعمارهنّ بين 18 و45 عاماً، يخضعن جميعاً لعلاج العقم بمساعدة التكنولوجيا الإنجابية في مستشفى ماساتشوستس العام.

وأتمت السيدات استبياناً حول الغذاء الذي يتناولنه، وحول معدل الطول والوزن لديهن بشكل عام. وقاس الباحثون العوامل التي قد تؤثر على نتائج الدراسة، مثل تناول المشاركات للمكملات الغذائية.

دراسة تكشف أن التعرض الشديد لمبيدات الحشرات خلال منتصف العمر يؤدي إلى أمراض القلب والأوعية الدموية لاحقا

وحلل الباحثون نسبة تعرّض كل امرأة للمبيدات الحشرية، عن طريق تحديد ما إذا كانت الخضار والفاكهة التي تتناولها كل مشاركة تحتوي على كمية كبيرة أو صغيرة من بقايا المبيدات. وتشمل الفاكهة والخضار التي تحتوي على تركيز أقل من المبيدات الحشرية الأفوكادو والبصل والذرة وعصير البرتقال والدراق والفراولة والسبانخ والفليفلة.

ووجد الباحثون لدى مقارنة النساء اللواتي تناولن أقل من حصة يومياً من الخضار والفاكهة ذات التركيز العالي للمبيدات الحشرية، أن النساء اللواتي تناولن حصتين أو أكثر من تلك الفاكهة واجهن فرص حمل أقل بنسبة 18 بالمئة، كما تراجعت لديهنّ فرص إنجاب طفل على قيد الحياة بنسبة 26 بالمئة.

ووجد الباحثون أن تناول الخضار والفاكهة التي تحتوي على نسب عالية من المبيدات الحشرية، مرتبطٌ بشكل مباشر بإمكانية فشل الحمل. وفي المقابل، فإن تناول الخضار والفاكهة التي تحتوي على مبيدات حشرية أقل، بدلاً من تلك التي تتركّز فيها المبيدات كان مرتبطاً بزيادة فرص الحمل، بحسب الباحثين.

وتقول تشوي “الخيار المنطقي استناداً إلى هذه النتائج هو استهلاك الفاكهة والخضار ذات التركيز القليل للمبيدات الحشرية، بدل الفاكهة والخضار ذات النسب العالية”. لكنها أكدت على أهمية انتظار تأكيد أو تكرار نتائج هذه الدراسة من خلال إجراء دراسات أخرى في المستقبل، نظراً لأن النتائج التي أظهرتها هذه الدراسة هي الأولى من نوعها على الصعيد الطبي.

17