أضواء السينما الأرجنتينية تتلألأ في سماء سوريا

الفن السابع يمدّ جسور التعاون الفني بين دمشق وبوينس آيرس.
السبت 2021/07/10
"إلسا وفريد".. رهان على الحب حتى الرمق الأخير

في محاولة متجدّدة لتقديم نوع مغاير من السينما العالمية بعيدا عن السينما الهوليوودية المهيمنة، قُدّمت في دمشق عروض من السينما الأرجنتينية لاقت ترحابا من الجمهور السوري، الذي تنوّعت مشاربه واهتماماته بين طلاب الأدب الإسباني بجامعة دمشق وعشاق الفن السابع بشكل عام.

دمشق – اختتمت مساء الخميس عروض السينما الأرجنتينية في العاصمة السورية دمشق، والتي امتدت على مدار ثلاثة أيام متتالية في دار الأسد للثقافة والفنون، تم خلالها عرض ثلاثة أفلام هي “إلسا وفريد” و”في انتظار عربة دفن الموتى” و“خوان موريرا”. وهي عروض أتت ثمرة تعاون بين المؤسسة العامة للسينما السورية وسفارة الأرجنتين بدمشق.

ويؤكّد المنظمون أن “مؤسسة السينما السورية تسعى من خلال هذه الفعالية التي تحمل طابعا إنسانيا عميقا إلى إظهار القيم المشتركة لدى الشعبين في سوريا والأرجنتين، كما تعمل على ترسيخ التعاون الفني بين البلدين في قادم الفعاليات المشتركة”.

وعن المهرجان قال مراد شاهين، المدير العام للمؤسسة العامة للسينما السورية “السينما حاضرة بين الدول من وجهة النظر الدولية وهي حاضرة من وجهة نظر إنسانية وثقافية. وهي أكبر دليل على أن المجتمع الإنساني يشترك في الكثير من العادات والطبائع والتقاليد، فالسينما تساهم بشكل كبير في تقريب أفكار الشعوب من بعضها البعض. هذا التعاون مهمّ جدا للعديد من الأسباب الاجتماعية والثقافية والإنسانية، لأنه سيمكن من التعرّف على تجارب الآخرين والاطلاع على عادات وتقاليد وطبيعة مجتمع آخر ومحاولة فهم هذه التقاليد، كذلك سيمكن من التعرّف على التجارب السينمائية الأخرى والاستفادة منها. وبالتالي معرفة ما وصلت إليه الأرجنتين تقنيا ودراميا”.

أكثر من نسخة

الأفلام المنتقاة ضمن أسبوع السينما الأرجنتينية بدمشق عكست صورة البلد اللاتيني من جوانبه الحضرية والريفية

برز فيلم الافتتاح “إلسا وفريد” الذي أنتج في العام 2005، من إخراج ماركوس كارنيفال وبطولة مانويل ألكسندر وألسين زوريلا وفريريكو لوبي، وفيه سعى مخرجه إلى تقديم حالة من الحياة الاجتماعية الموجعة والساخرة معا والتي تعالج موضوع الأمل.

وتتحدّث قصة الفيلم عن تجمّع بين ثلاثة أشخاص مسنين، امرأة ورجلين يقعان في حبها، أحدهما يتقاعد من عمله ليعيش في مدريد والآخر يعيش حياته وكأنها مغامرة مستمرة.

والسيدة العجوز التي لا تعترف بسنها وحالتها المرضية، تبقى على حراك إنساني عالي الوتيرة وتخلق المزيد من النشاط، وأيضا تتسبّب في العديد من المشكلات للرجلين وأيضا لابنها الذي يقوم بإصلاح ما تقوم به من أخطاء، حتى على مستوى إصلاح سيارة جيرانها التي حطمت أجزاء منها وهي تقود سيارتها بتهوّر.

في الفيلم توجه نحو التمسك بالحياة حتى آخر لحظة فيها، ودعوة إلى الأمل في مواجهة مصاعب الحياة التي تحاصر الناس. حمل الفيلم فكرة حياتية هامة، أن الأمل في الحب لن ينطفئ وستبقى الرغبة بالحياة موجودة لمن يمتلكون طاقة الحب والعمل عليه. فمسار حياة شخوص العمل ورغم المواجع التي فيها، تحمل دائما أملا بالعيش الكريم والسعيد الذي سيأتي.

وظهرت قصة “إلسا وفريد” أولا من خلال فيلم أرجنتيني إسباني مشترك وهو الذي عرض في دمشق، لكن الحكاية ذاتها وبالعنوان نفسه ظهرت لاحقا  في فيلم أميركي أنتج عام 2014 بتوقيع المخرج مايكل ردفورد. وفي هذه التجربة عايش الفيلم ذات الفكرة التي قدّمتها المحاولة الأولى والتي تمحورت حول ضرورة التمسك بالحياة والحفاظ عليها حتى الرمق الأخير.

سينما وشعوب

Thumbnail

تبدو العلاقة الروحانية بين شعوب أميركا اللاتينية وسوريا علاقة خاصة، ذلك أن التاريخ الحديث لبلاد الشام قد سجّل هجرات بشرية كبيرة، تحديدا في نهايات القرن العشرين، باتجاه دول أميركا الجنوبية وحتى الشمالية.

وعبر سنوات طويلة هاجر سوريون إلى البرازيل والأرجنتين وتشيلي وفنزويلا وغيرها.. وقد حقّق هؤلاء نجاحات هامة في تاريخ تلك البلدان وصلت ببعض الشخصيات ذات الأصول العربية إلى مراتب قيادية منهم كارلوس منعم رئيس دولة الأرجنتين الذي يتحدّر من منطقة القلمون السورية.

هذا الرابط الإنساني والحضاري ما زال متوقّدا في نفوس شعوب تلك المنطقة، وهو ما يجعلهم متفاعلين مع أوطانهم العربية بكثير من الحبّ والشوق. وما يترجم ذلك الكثير من الإبداعات والأعمال الفنية المختلفة التي تجمع البيئتين.

وبهذا المنطق تحدّث سفير الأرجنتين بسوريا سيبستيان زافالا، قائلا “أردنا أن تكون عودة نشاط السفارة إلى سوريا من خلال الفن السابع، حيث تساهم السينما بشكل كبير في تقريب أفكار الشعوب من بعضها البعض، خاصة أننا نمتلك علاقة عميقة تؤكّد معنى التآخي بين شعبينا، ذلك أن في شعب الأرجنتين الكثير من الناس الذين يتحدّرون من سوريا، وقد ساهموا في بناء الدولة والمجتمع الأرجنتيني من نواح عديدة. والأفلام التي عرضت في هذه الفعالية تعبّر عن خصوصية المجتمع الأرجنتيني ونمط الحياة الذي توجد فيه، نحن نعمل من أجل سعادة الشعبين في سوريا والأرجنتين ونتمنى أن تتواصل هذه الجهود لما فيه خير البلدين”.

أفلام تعكس رؤى إنسانية عميقة
أفلام تعكس رؤى إنسانية عميقة

وواكبت السينما في الأرجنتين السينما العالمية منذ أن وجدت في أوروبا، ففي العام 1896 ظهرت السينما فيها من خلال عروض سينمائية أجنبية، ثم بدأت مغامراتها السينمائية الخاصة كما في أي بلد في العالم، واعتمدت في بداية نشأتها على تقديم التاريخ الوطني التحرّري للأرجنتين وكذلك الأدب.

فظهرت العديد من المحاولات السينمائية التي كانت الرواية أصلا لها، وحينها ظهر فيلم “أماليا” وهو أول فيلم أرجنتيني أُنتج عام 1914. وفي حقبة الثلاثينات شهدت السينما في الأرجنتين عصرها الذهبي مع دخول تقنيات الصوت والصالات السينمائية الحديثة، وصارت طقسا اجتماعيا محببا لدى الكثير من قطاعات الشعب.

وفي أواسط القرن العشرين ونتيجة ظروف سياسية صعبة، تراجع دور السينما الأرجنتينية وواجهت ظروفا سيئة حتى في الداخل. ولكن هذه المرحلة لم تطل زمنيا، حيث ظهر في نهاية الخمسينات جيل من المخرجين المتحمسين للعمل منهم: فرنادو أيالا وفرنادرو سولاناس وديفيد خوسيه الذين استطاعوا إحداث نقلة نوعية هامة.

وفي ثمانينات القرن الماضي ظهر مخرجون آخرون متميزون حقّق بعضهم نجاحات هامة وصلت بالسينما الأرجنتينية إلى منصات الجوائز العالمية منهم لويس بوينزو الذي حاز في العام 1986 جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي عن فيلمه “القصة الرسمية”، إضافة إلى بابلو ترابيرو وأدريان غارسيا وإرنستو إدواردز وهيرنان سايز.

14