أضواء على التحقيق الحكومي البريطاني المتعلق بتنظيم الإخوان المسلمين

الاثنين 2014/09/29

منذ أن أعلن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، في أبريل الماضي، عن التحقيق الحكومي المتعلق بتنظيم الإخوان المسلمين، سرت شائعات كثيرة حول نتائجه. وقد اعتبر أعضاء التنظيم المصريون المقيمون في لندن ومؤيدوه من البريطانيين أنّ التحقيق حيلة ملفقة من كاميرون تهدف إلى استرضاء حكومات منطقة الخليج.

تصنيف الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية في الآونة الأخيرة، فسر بعض الإشاعات التي أفادت بأن تأجيل الحكومة البريطانية الكشف عن نتائج التحقيق كان بسبب عجزها عن العثور على أي دليل يربط التنظيم بالإرهاب. وغالبا ما تقوم عناصر الإخوان المسلمين بنشر هذه الإشاعات الخاطئة والتي تستند إلى إدراك/تفسير خاطئ لأهداف التقرير وتطوّره.

من المستبعد جداً أن ينجح التحقيق في تصنيف تنظيم الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، ولكن قد يفترض/يخمّن بعض المراقبين – من المُلمّين بقانون مكافحة الإرهاب البريطاني والصفات المميزة لتنظيم الإخوان المسلمين – أن التقرير يطمح خاصة إلى حظر التنظيم على التراب البريطاني. إلّا أنّ المتطلبات القانونية البريطانية لتحقيق هذه الخطوة تبقى صارمة جداً.


هل يصنف الإخوان كمنظة إرهابية؟


على مدى العقد الماضي باءت معظم محاولات الحكومة البريطانية لحظر جماعات أكثر تطرفاً من الإخوان المسلمين –على غرار التنظيمات السلفية المتطرفة- بالفشل، سواء بسبب القانون البريطاني نفسه، أو التدقيق الصارم الذي تفرضه المحاكم البريطانية على تنفيذ القانون. لكن الحكومة البريطانية، التي وضعت أهدافا مختلفة تماما لتقريرها، كانت مدركة لهذه الديناميكيات منذ البداية. فبغض النظر عن الأسباب التي تحفّزه، تعود جذور التحقيق إلى خطاب كاميرون بمونيخ سنة 2011، حيث صرح رئيس الوزراء بوضوح باقتناعه أن أُسس الإرهاب الذي يُمثّله تنظيم القاعدة تنبع من التطرف الذي تُمثّله جماعات على غرار تنظيم الإخوان المسلمين.

وقد كوّن هذا الخطاب سياسة/مفهوم حكومة كاميرون بهذا الشأن، إذ ترى في الإخوان المسلمين منبعا لأيديولوجية سامة تجد في الإرهاب أبرز تجلياتها، إن لم تكن الوحيدة. لذلك فالهدف الحقيقي من هذا التحقيق البريطاني لا يكمن في تصنيف الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، بل في إجراء دراسة استقصائية على نطاق حكومي حول مجموعة تبقى كيانا غامضا لمعظم المسؤولين البريطانيين، على الرغم من احتلالها لمركز شديد الأهمية، سواء على الصعيد العالمي أو على الصعيد المحلي.

خلافا للمعتقد المتداول في العالم العربي، لا تعُج أروقة السلطة في لندن بالمسؤولين المُدركين لماهية جماعة الإخوان المسلمين وأيديولوجيتها وأهدافها وأسلوب عملها. بل هم ينحصرون في بعض الاستثناءات الملحوظة، وغالبا ما تستند آرائهم بهذا الصدد إلى آراء بعض المعلقين من خلايا التفكير البريطاني أو الجامعات الذين يكونون إما أعضاء تابعين للتنظيم نفسه أو على علاقات مالية وطيدة مع المجموعة ومختلف مُموّليها. وتنسج هذه الآراء المتعاطفة والمؤثرة صورة مثالية للتنظيم، وتُروج لاعتداله مُنكرة تطرّف آرائه وأعماله. وقد تمّ تهميش معظم منتقدي التنظيم، الذين غالبا ما يفتقرون إلى أي دعم من المؤسسات الممولة.

وفي هذا السياق، فإن الحكومة البريطانية الحالية تدرك جيدا هذه الديناميكيات، وتسعى بجدّ إلى تصحيحها. لذلك، بادرت إلى تقسيم التحقيق إلى شقين؛ يسعى الأول، برئاسة وزارة الخارجية، إلى تحليل طبيعة أنشطة مختلف منظمات الإخوان المسلمين في جميع أنحاء العالم، ولا سيما في العالم العربي. فجماعة الإخوان المسلمين ليست تنظيما متجانسا، ولكنّها تملك فروعا في 90 بلدا، ممّا يجعل التدقيق في أنشطتها عملية معقدة بشكل خاص، باعتبار أن لكل فرع تاريخه وطريقة عمله.

ومن الواضح أن مشاركة بعض هذه الفروع في أعمال العنف تستقطب اهتماما خاصا. في بعض البلدان، تبقى صلة الفروع بتنظيم الإخوان المسلمين تلك واضحة، كما هو الحال، على سبيل المثال، مع حماس (التي يعرّفها ميثاقها نفسه على أنها “فرع جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين”)، أو في الآونة الأخيرة، الفرع الليبي للتنظيم، الذي شارك في صراع عنيف، إلى جانب حلفائه من السلفية، ضد الميليشيات المتناحرة. في بلدان أخرى، تبقى صلة الفروع فيها بالعنف غير مباشرة أو منعدمة. وتجعل هذه التعقيدات من تصنيف التنظيم بأكمله كمنظمة إرهابية (كما هو الحال بالنسبة لحماس) أمرا يكاد يكون مستحيلاً في المملكة المتحدة. لكن عدم توفر حظر تام لنشاط الإخوان لا يعادل بأي شكل من الأشكال حكما بالبراءة من الاتهام أو مصادقة بريطانية على النشاط، فهذا أبعد ما يكون عن رأي معظم الأصوات النافذة في الحكومة البريطانية.


ماهي منظمات الإخوان في بريطانيا؟


دقّق النصف الثاني من التقرير في أنشطة التنظيم داخل بريطانيا التي تُمثّل تاريخيا أحد المحاور الرئيسية لأنشطة جماعة الإخوان المسلمين في الغرب. إذ توفّر المملكة المتحدة سياسات لجوء سياسي مُتساهلة، ممّا خوّل لأعضاء من فروع مختلفة من جماعة الإخوان المسلمين في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط الاستقرار ببريطانيا، على مدى العقود الخمسة الأخيرة.

ففي أواخر التسعينات، كان الأمناء العامون للفروع السورية والعراقية والتونسية للإخوان المسلمين يعيشون في لندن.

ونتيجة لذلك فقد أنشأت كل مجموعة وطنية هياكل واسعة داخل المملكة المتحدة، وبادرت بجمع الأموال، ونشر مختلف المؤلفات، وتنظيم الأحداث، والضغط، والقيام بمجموعة واسعة من الأنشطة التي تهدف أساسا إلى دعم قضية الإخوان المسلمين.

تاريخيا، اتخذ أعضاء جماعة الإخوان المسلمين الذين وصلوا إلى المملكة المتحدة منهجين متعارضين للإقامة بها.

ففي حين فضّل البعض الانعزال والتركيز أساسا على دعم النضال الجاري في بلدانهم الأصلية، اختار البعض الآخر في نهاية المطاف تركيز جزء كبير من طاقاتهم على مجتمعات المسلمين البريطانيين، وعلى نطاق أوسع، المجتمع البريطاني، وإن لم يعن ذلك تجاهلهم للصراعـات في بلدانهم الأصلــية، وفــي المنطقة.

في منتصف التسعينات، بدأت المجموعة الثانية إنشاء منظمات جديدة، أهمّها “رابطة المسلمين في بريطانيا” التي تهدف أساسا إلى التأثير على طبيعة النقاش الدائر حول الإسلام داخل المجتمـعات الإسلامية البريطانية، ودوائر السياسـة والجمهـور البريطـاني بصـفة عامة.

وقد قامت الكيانات المتعددة، التي أنشأها نشطاء الإخوان على مدى السنوات العشرين الماضية، في تعزيز هذه الجهود: منابر الفكر والتعبئة، والجمعيات الخيرية، والقنوات التلفزيونية والعديد من أشكال النشاط السياسي الأخرى.

نجحت هذه المبادرات في نشر الفكر الإسلامي –الذي غالباً ما يتمّ صقله لملائمة البيئة البريطانية- بشأن القضايا العالمية والمحلية.

وقد حذر بعض المسؤولين البريطانيين والمعلقين منذ فترة طويلة بشأن الآثار السلبية لأنشطة شبكات الإخوان المسلمين في البلاد على المجتمع البريطاني.


ما دلالة شعار "نحن ضد هم"؟


في سياق آخر، سبق أن قيل إنّ هذه الشبكات الإخوانية قد قامت بنشر شعار “نحن ضد هم” داخل المجتمعات الإسلامية البريطانية الذي أدى إلى انقسامات وتوترات بين المسلمين البريطانيين والتيار الرئيسي للمجتمع البريطاني.

وقد قيل أيضا إنّ جماعة الإخوان المسلمين، وإن لم تشارك مباشرة في أي أعمال عنف داخل المملكة المتحدة، إلّا أنّها قامت بنشر أيديولوجية كوّنت أرضا خصبة داخل المجتمعات المسلمة البريطانية لبروز المجموعات الجهادية، وهي ظاهرة مثيرة للقلق هذه الأيام، في ظلّ مواجهة بريطانيا لواقع مشاركة مئات من الشبان في القتال في صفوف الدولة الإسلامية في كلّ من سوريا والعراق.

هذه الديناميكيات المحلية، وإن لم يدركها الجمهور العربي جيدا، إلّا أنّها على نفس قدر أهمية الديناميكيات التي تجري في منطقة الشرق الأوسط على مستوى تأثيرها على الحكومة البريطانية للمبادرة بتنفيذ عملية التحقيق في أنشطة الإخوان المسلمين.

من غير المحتمل أن ينجح التحقيق في نهاية المطاف بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، إلّا أنّ هذا العجز يبقى انتصارا واهيا للمجموعة ومؤيديها، باعتبار أنّ طموحات التقرير لم تشمل أبدا هذا الهدف.

في الواقع، بدلاً من التركيز فقط على الإرهاب، دقّق التقرير في مـا إذا كانـت جمـاعة الإخوان المسلمين- وعلى نطاق أوسع، الإسلام السياسي- تشكل تهديدا استراتيجيا لبريطانيا. وهناك الكثير من المؤشرات التي تبين أن الجواب سيكون بالإيجاب.


باحث متخصص في الشق الأمني من ظاهرة الإسلام السياسي في الغرب
7