أطالب بعدم معاقبة الفاسدين في العراق

السبت 2016/03/12

معظم العراقيين يحلمون اليوم بمحاسبة الفاسدين واستئصالهم من جميع أجهزة الدولة، إضافة إلى استعادة الأموال المنهوبة، وإنهاء المحاصصة الطائفية، لكن المخاض العسير يؤكد أن تحقيق تلك الأمنيات معا من المستحيلات.

ماذا لو كان على العراقيين الاختيار بين طريقين، الأول يضمن تحقيق الأمنيات المذكورة، باستثناء معاقبة الفاسدين، إلا إذا عرقلوا استعادة الأموال المنهوبة.

أما الطريق الثاني فيصر على معاقبة الفاسدين، لكنه يدخل البلد في نفق مظلم جديد ويؤدي إلى ضياع الأموال المنهوبة إلى الأبد، وقد لا يؤدي إلى استئصال المحاصصة العميقة أو استبعاد الفاسدين.

أي الخيارين هو الأفضل إذا كان الهدف إنقاذ البلاد؟ علما أن التاريخ مليء بتجارب دول، نجحت في طي صفحات مؤلمة، دون معاقبة جيوش المذنبين.

عدم معاقبة الفاسدين، يبدو خيارا مؤلما، لكن الغاية قد تبرر الوسيلة أحيانا، خاصة إذا كانت السبيل الوحيد لإيقاف دوامة الانهيار.

الفاسدون والمجرمون، ليسوا عشرات أو آلافا معدودة، وإذا أضفنا من حصلوا على مناصب كبيرة وصغيرة لا يستحقونها وأساؤوا استغلالها، فسنصل إلى مئات الآلاف وربما الملايين.

عملية اجتثاث بهذا الحجم، لا يمكن لأي بلد في العالم أن يهضمها، فما بالك ببلد على حافة الانهيار؟ واجتثاث حزب البعث والجيش العراقي كانا من أبرز أسباب الكارثة. وسيكون لأي اجتثاث جديد عواقب وخيمة، وقد تنتهي بتسلق إقصائيين جدد.

المرحلة كانت فاسدة في بنائها، ولو دخل أي شخص فيها، فإنه كان سيقتل أو يهرب أو يدخل في منظومة الفساد، ولو بطريقة قد تبدو له شرعية.

معظم الأموال المنهوبة ذهبت إلى المئات من المحيطين بالمسؤولين الكبار، وتسربت بعد ذلك إلى الآلاف من المشاركين في الفرهود، لذلك ينبغي الاختيار بين استعادة الأموال المنهوبة وبين بناء الآلاف من السجون دون استعادة ولو جزء ضئيل منها.

التلويح بمعاقبة جميع الفاسدين، وهم الأغلبية في رأس هرم الدولة، بل وقاعدتها أيضا، سيجر العراق إلى انفجار يفوق الكوارث السابقة، خاصة في ظل إفلاس البلاد الوشيك.

في جنوب أفريقيا كان هناك عشرات الآلاف يستحقون العقاب في نهاية النظام العنصري، لكن مانديلا اختار طي صفحة الماضي لإنقاذ البلاد.

التهديد بمحاكمة الفاسدين سيؤدي إلى توحيد جهودهم لمنع الكشف عن مصير الأموال، وسيتم اختراع طرق لتوجيه الاتهامات لأشخاص ماتوا، أو سيتم اغتيالهم خصيصا لهذا الغرض، وإيصال التحقيقات إلى طريق مسدود.

وسيتم ترتيب الوثائق والتأثير على المحاكم، لترتيب انتهاء كل الخيوط إلى أكباش فداء، يتم التضحية بها لإبعاد الشبهات عن كبار الفاسدين.

وسيدافع من سرق دولارا واحدا عمن سرق 10 مليارات دولار خشية وصول النار إليه لاحقا، وستنتهي العاصفة بعمليات تجميلية مثل التي شهدناها في الأشهر الماضية.

أما التلويح باسترجاع الأموال فقط وعدم معاقبة الأشخاص، فقد يشجع الكثيرين على تقديم معلومات عن صفقات الفساد دون خشية من الانتقام.

وسيحاول الكثير من الضالعين في الصفقات على إخفاء صلتهم، وترك الطرق مفتوحة لاسترجاع الأموال، بعد الاطمئنان إلى نجاتهم من العقاب.

النظام المصرفي العالمي يسمح بمطارة الأموال التي تم تحويلها عبر المصارف وهي الأغلبية الساحقة من الأموال المنهوبة، مقارنة بالأموال المسروقة نقدا.

وتحويل مبلغ مليار دولار إلى حساب في بريطانيا مثلا، قبل 10 سنوات، يسمح للعراق بمطالبتها بكشف مصير المبلغ النهائي، حتى لو تنقل إلى عدة بلدان أخرى.

على العراقيين الاختيار بين استرجاع معظم الأموال المنهوبة، وفتح الطريق لبناء البلد، وبين الدخول في اجتثاثات جديدة قد تنتهي بالانحدار إلى وضع أسوأ من الحالي.

كما أن طي صفحة الماضي سيسمح بإقصاء الفاسدين وغير الأكفاء بسهولة، بدل أن يواصلوا القتال إذا كان العقاب هو البديل. ويمكننا أن نتخيل أن معظمهم يدرك أن نهايته قريبة، ويتمنى التخلي عن الغنائم، لو أتيح له ذلك.

محاصرة كل هذه القطط في زاوية ستؤدي إلى معركة شرسة، إلا إذا فتحنا لها نافذة للهروب.

المؤشرات تؤكد أن معظم دول العالم ستساعد في استعادة الأموال المنهوبة، إذا اختار العراقيون إنقاذ البلاد، بدل الدخول في نفق مظلم قد يؤدي إلى كارثة أسوأ من الكوارث السابقة.

11