أطباء نفسانيون

الأحد 2016/03/06

تحدثت روايات عديدة كتب معظمها سجناء أن الأطباء النفسانيين هم غالبا من يرسمون خطط التعذيب في سجن غوانتانامو، وللوهلة الأولى يسود الاعتقاد بأن مسؤولا أمنيا يرسم خطط التعذيب، لكنّ حقائق أثبتت أن من يدير سجن غوانتانامو هم أطباء نفسانيون ذوو كفاءات عالية وعلمية متطورة ويعتمدون على أحدث الطرق العلمية والنفسية لما يُسمى الحرب النفسية، والتي أساسها تدمير كرامة الإنسان وإحساسه بآدميته وإنسانيته. ويعمل بعض هؤلاء الأطباء النفسانيون لصالح وزارة الدفاع الأميركية، ووظيفتهم تحديد نقاط الضعف لكل مُعتقل.

ففي سجن غوانتانامو ومنذ اللحظات الأولى للاعتقال، حسبما ذكرت الروايات، يجلس المُعتقل بحضرة المُحققين والمسؤولين عن التعذيب الجسدي ولكن يرأس هؤلاء الطبيب النفساني الذي يُدير الجميع وفق درايته العميقة بعلم النفس، والنفس البشرية، ويُحدد من خلال العديد من الأسئلة وبعد أن يُعطي أوامره لمن يُعذب السجين وللمحققين، بأن يقوموا ببعض التجارب والممارسات مع السجين كي يحدد نقاط ضعفه.

فالبعض نقطة ضعفه الخوف من الكلاب، عندها يطلب الطبيب النفساني أن يُعذّب السجين بهجوم الكلاب المُتوحشة عليه، والبعض لا يحتمل نقص النوم، فيمنع من النوم لأيام، وآخرون يخافون الماء فيتم إغراقهم طويلا في ماء مثلج أو بدرجة الغليان.

الطبيب النفساني العظيم ويا للأسف هو سيد التعذيب في كثير من السجون ومنها سجن غوانتانامو، وهو العقل المُدبر والمُخطط لكنه ليس اليد المُنفذة، كلّ من حوله أدوات وأشخاص وظيفتهم الطاعة والتنفيذ بعد أن يوزع عليهم الطبيب النفساني أدوارهم وخطة التعذيب لكل سجين.

الأطباء النفسانيون الذين نسوا أنهم أقسموا ذات يوم قسم إيبوقراط إذ لا يجوز أن يحصل طبيب على شهادة الطب إن لم يُسمّ قسم إيبوقراط بأن يُمارس مهنته بإنسانية وبضمير حي وألا يؤذي إنسانا وأن يخفف آلام المرضى الجسدية والنفسية وألا يجري إجهاضا جنائيا.

كيف يمكن لطبيب يحمل أعظم مهمة إنسانية في العالم أن يصير مُجرما؟! وأن يؤسس مدرسة علمية متطورة في أساليب تعذيب الإنسان جسديا ونفسيا وأن يُسخّر علمه وأبحاثه من أجل الشر والأذى!

كيف يمكن لطبيب أقسم أن يخفف من معاناة الإنسان أن يُساهم في تعذيب وإهانة هذا الإنسان، وأن يؤلف كتبا عن أحدث طرق التعذيب النفسي ويعمل مستشارا في السجون، مُعتمدا على ما يُسمى الحرب النفسية، وتتلخص هذه الحرب في المبالغة في الإهانة الدينية للمُعتقلين وفي تعريتهم باستمرار، لأن التعرية أكثر ما يذل السجين وتساويه مع الحيوان، إلى ما هنالك من تحرشات جنسية واغتصاب وإلى إجبار السجين على ممارسات فاحشة لا تخطر ببال، كل تلك الممارسات المُهينة أبدعتها عقول أطباء نفسانيين باعوا ضميرهم للشيطان، وألقوا بقسم إيبوقراط في المزبلة، وما عاد لهم سوى قَسَمٍ واحد هو الولاء المطلق للقوة الظالمة ولإغواء المال القذر، القوة التي تُحقر الإنسان وتذله وتهين كرامته.

كيف يشعر هذا الطبيب النفساني وهو برفقة جلادين ومجرمين ورجال أمن ومخابرات وهو يسهّل مهمتهم ويقدم لهم أحدث وسائل التعذيب النفسية والجسدية! كيف يشعر وهو يواجه إنسانا أعزل متألما مضطربا وخائفا وعليه كطبيب أن يخفف آلامه ويشفيه منها بدل مضاعفتها ويبالغ في سحق إنسانيته وتدميره وقتله.

تحت شعار محاربة الإرهاب تُمرّر كل الجرائم والممارسات بحق الأفراد والشعوب، وهؤلاء الذين يتحكمون بصنع القرارات في العالم ويقوّمون البلاد والعباد حسب مصالحهم: إرهابي أم غير إرهابي.

وأعتقد أننا بدل أن نوجه كل غضبنا واستنكارنا واحتقارنا للقوة الغاشمة التي تعذب السجناء خاصة سجناء الرأي، علينا ألا ننسى العقل المُدبر والمفكر والمخطط لأساليب التعذيب النفسية والجسدية، ألا ننسى تلك العقارب السامة المختبئة في أروقة السجون وأقبية المخابرات: الأطباء النفسانيون الذين باعوا أنفسهم للشيطان وتنكروا لقسم إيبوقراط. هؤلاء يجب أن تُسحب منهم شهادة الطب ويتحولوا للمحاكمة كمجرمين في حق الإنسانية والطب.

كاتبة من سوريا

21