أطباق الطعام مهرب اللاجئين من الضغوط الاجتماعية والانعزال

وجد الكثير من اللاجئين السوريين وخاصة النساء في الطبخ مخرجا لهم من أزمتهم حيث انتشرت الأكلات السورية في الكثير من دول اللجوء، وكانت مواقع التواصل الاجتماعي المساند الأول للاجئات السوريات اللاتي بحثن عن توفير لقمة العيش عبر الطبخ السوري، الذي لاقى رواجا كبيرا وساعد السوريين على الاندماج وتحقيق الذات في البلدان الغربية.
الجمعة 2017/05/26
الطبخ يخلص النساء من قيود العائلة

برلين - لم يعد الطبخ مجرد روتين لتحضير الطعام بل تحول إلى نشاط ثقافي اجتماعي، يجمع بين مهاجرين سوريين في مختلف أنحاء العالم. “مطبخ غربة” مجموعة على “فيسبوك” تجمع أكثر من 8000 شخص، كانت تنشر يوميا صورا ووصفات لأطباق تقليدية من المطبخ السوري.

يتنافس أعضاء مجموعة على فيسبوك، مكونة من 8000 شخص، على تحضير الأطباق السورية مع إضافة لمساتهم الخاصة إليها، واعتمد البعض منهم على مكونات بديلة لتحضير تلك الأطباق التقليدية في المهجر.

تضم المجموعة أشخاصا من مختلف التوجهات السياسية والمدن السورية. وتسلط الضوء على تأثير المطبخ السوري وتأثره بمطابخ دول اللجوء والانفتاح عليها والتعلم من تجاربها.

تسأل انتصار عن البديل لمادة الدقيق المستخدمة في العديد من الأطباق السورية في ألمانيا، فيجيب أعضاء المجموعة بحسب خبرتهم ويعطونها النصائح.

ويسأل البعض منهم عن أماكن بيع أنواع معينة من الخضار أو الفاكهة، كانوا قد اعتادوا على تناولها في بلدهم الأم. وهنا يتناول متابعو المجموعة الحديث عن الأطباق الجديدة التي تعرفوا عليها في بلاد الهجرة.

ترى ريم أن المطبخ هو “أفضل مكان للتعبير عن المشاعر”، وقد عملت على تحضير “سفرة يابانية سورية” في الأردن بالتعاون مع صديقتها اليابانية، التي كانت مقيمة في سوريا. فالطعام كان حافزا لاستحضار الذكريات بدمشق.

ملكة جزماتي هي من أعضاء مجموعة “مطبخ غربة” لجأت إلى ألمانيا عام 2016 وبدأت بشكل متواضع امتهان الطبخ في برلين.

مبادرة تسلط الضوء على تأثير المطبخ السوري وتأثره بمطابخ دول اللجوء والانفتاح عليها والتعلم من تجاربها

تصف ملكة تجربتها في هذه المجموعة بالقول “عندما أرى صور الأطباق التي تملأ المجموعة أشعر وكأنني في مسابقة فنية، فكل شخص يصف الأطباق بقصيدة شعر. وجودي ضمن هذه المجموعة جعلني أخرج من تعصبي للمطبخ الشامي وقد تعرفت بفضله على أطباق من مختلف المدن السورية. كما شاركت مؤخرا في مناسبة خاصة للبرلمان الألماني والتقيت بالمستشارة الألمانية إنجيلا ميركل".

يعطي البعض عناوين ونصائح لتجربة مطاعم متخصصة بالطبخ السوري. وتصف هديل وجود هذا المطعم المتخصص في الحلويات السورية بـ”عزائها في الغربة”. وشاركت كرمل صورة لكعكة حلوى استخدمت فيها ألوان علم النرويج.

يحضّر رامز الطبخة الشعبية “المجدرة” ويقوم بتصويرها وينشرها على مجموعة “مطبخ غربة“، مفتخراً بنفسه أمام الفتيات الموجودات في المجموعة لكونه برع في تحضيرها، اشترك رامز في هذه المجموعة حسب قوله لـموقع “أمل برلين” لأنه يتبادل الخبرات والوصفات والأفكار وكذلك “للحفاظ على نكهة مطبخ البلد”.

وذكر أن الأكل وعملية الطبخ يداويان جراح الحنين والشوق للبيت والأهل، لذا فإنه يحرص دائماً أثناء الطبخ على التواصل مع والدته ويقول “حتى تكون لمساتها حاضرة في طبختي”.

ريتا باريش لاجئة في ألمانيا غادرت سوريا عام 2013 بهدف العمل في مجال الاقتصاد والأعمال، أسست مجموعة “مطبخ غربة” عام 2014.

قالت باريش عن تجربتها “عندما انتقلت إلى ألمانيا شعرت بوحدة شديدة، كنت أقضي معظم وقتي في العمل. بدأت بتجربة الطبخ كنوع من التسلية فأنا لم أكن أجيد الطبخ عندما كنت في سوريا".

وواصلت موضحة “تعلمت أول كلمات باللغة الألمانية في محلات السوبر ماركت. وبدأت بتحضير الأطباق التي كنت معتادة عليها في منزلي بدمشق، فكان شعوري جيدا. ثم قمت بتصوير الطبق الذي حضرته ونشرته على صفحتي الخاصة على فيسبوك وخطرت لي فكرة إطلاق تسمية مطبخ غربة على الموقع”.

وتابعت “بعد أن لقيت الفكرة رواجا من قبل أصدقائي، قمت بتأسيس المجموعة وبدأ الأعضاء بمشاركة صور للأطباق السورية من مختلف أنحاء العالم”. وأضافت “شعرت بالمتعة عند مشاركتي لهذه الصور وكأنني لا آكل بمفردي فـ’العزيمة الافتراضية’ (الدعوة الافتراضية إلى الطعام) لهذه المجموعة حررتني من شعور الوحدة، وكأنني أشارك الطعام مع من حولي".

وأشارت إلى أن هذه المجموعة أصبحت بمثابة فسحة أمل تجعلها تتعلم أشياء جديدة، فالأمر يتعدى موضوع الطعام. وتؤكد “أرى أننا عبر الطهي نحاول نشر الثقافة السورية”. وبينت أن هذا التجمع الصغير تحول إلى مساحة تعتمد على حرية الرأي واحترام الآخر وحتى الديمقراطية التي كنا نفتقر إليها. “مطبخ غربة” استطاع توحيد السوريين بمختلف توجهاتهم السياسية.

وأوضحت قائلة “نقوم بتنظيم مسابقات افتراضية للفوز بأجمل طبق، نختار صنفا معينا. ينشر المشاركون صور أطباقهم ونصوت لاختيار الفائز بالمسابقة، وأسعى الآن إلى التعاون مع جمعيات ومنظمات أخرى لتأسيس مشروع اقتصادي اجتماعي يهدف إلى تمكين المرأة ومساعدتها على دخول سوق العمل، عبر تأمين مطابخ مجهزة وإقامة ورشات للتعريف بالمهن في مجال المطاعم وتعهد الحفلات”.

كما كشفت أن أهمية المشروع تكمن في إعطاء فرصة للنساء اللاجئات اللواتي يرغبن في الاندماج والعمل. بدلا من الانعزال وخلق مجتمع منغلق، الطبخ يوفر الفرصة للهن للعمل بشكل لا يتعارض مع بيئتهن الاجتماعية.

وذكرت أنها رأت العديد من النساء اللاجئات اللواتي يرغبن في العمل، لكن بيئتهن المحافظة كانت لا تسهل لهن الحصول على عمل. فالطبخ هو مهرب من الضغوط الاجتماعية والانعزال الذي قد ينجم عن خوف اللاجئين الجدد من الانخراط ويجعلهم يتخلصون من قيود العائلة.

وختمت قائلة “استطعنا سابقا بالتعاون مع جمعيات وكنائس في فرانكفورت تأمين مطبخ لنساء من أفغانستان وسوريا. لأن مراكز اللجوء تفتقر إلى وجود مكان مناسب يسمح للنساء اللاجئات بالطبخ”.

وتسلط المبادرة الضوء على تأثير المطبخ السوري في مطابخ دول الاغتراب، والانفتاح عليها والتعلم من تجاربها، والتعريف بالمطبخ السوري.

21