أطروحات الطائفية عجلت بتهاوي حركات الإسلام السياسي

الإسلاميون حين جعلوا هدفهم الوصول إلى السلطة مهما كلفهم ذلك من ثمن، تناسوا أن اللعبة السياسية لا بد لها من تأصيل فكر المشاركة لا مفهوم الغلبة، وانتشار مفاهيم الطائفية في أدبياتهم جعل الصدام هو الحتمية والنتيجة، سواء كانت هذه الحركات التي تدعي الانتساب إلى الإسلام متجلببة برداء السنة أو الشيعة.
الاثنين 2015/06/15
مجتمعات المنطقة تحصد ما زرعه الإسلام السياسي من تطرف وعنف وطائفية

عندما تتّبع خطابات رئيس حزب الله اللبناني ذي التوجهات الإيرانية حسن نصرالله منذ بدء الأزمة السورية حتى هذه الأيام، ستلاحظ حجم الانهزام في عنترياته وخطاباته الهوجاء، إذ تتكبد ميليشياته الكثير من الخسائر البشرية والمعنوية، التي تتزايد بضراوة هذه الأيام، ويبدو هذا واضحا في استماتته لحفظ ما تبقى من عنفوان الحزب وماء وجه الحركة.

تورّط حزب الله وبقية وكلاء الجمهورية الإيرانية في المنطقة في حرب الأطراف المتداخلة في سوريا، حيث جاءت الأزمة السورية في توقيت غير مناسب بالنسبة إلى حساباتهم وافتضحت قيمة الشعارات البطولية التي كان يرفعها الحزب ضد الاحتلال الإسرائيلي والقوى الدولية الطامعة في المنطقة.

في بداية الأزمة السورية كان حزب الله يسجّل انتصارات متعددة في القلمون وبقية مناطق الساحل السوري، ويكاد النظام يعتمد عليه في وضع الخطط العسكرية وربما ضبط يوميات المناطق التي ما زالت في قبضة الحكومة السورية، ولكن مع الوقت أصبحت الجثامين تتوجه بتتابع إلى الضاحية الجنوبية ومعها كانت الأمور تنفلت وتنهار بوجه الحزب الذي يجثم على صدر اللبنانيين قبل السوريين.

رفقاء السلاح وميليشيات بدر وأبو الفضل العباس هي الأخرى تعبّر عن فشل الحكومة العراقية في ضبط ميزان البلاد، فبعد أن استطاع تنظيم الدولة السيطرة على الموصل والقبض على مساحات شاسعة من الأرض العراقية، كشّرت الحكومة العراقية عن ظاهر ارتهانها بيد الحركات السياسية الطائفية التي تتغذى من وريد الولاية الإيرانية المهيمنة على حركات الإسلام السياسي الشيعية.

من واجب الأطراف السياسية أن تقبل بفكرة أنها جزء من المجتمع، ويجب أن يفكر الإسلاميون بمنطق المشاركة لا المغالبة

وإمعانا في تطييف الحالة العراقية قبلت الحكومة بإطلاق يد ميليشيات الحشد الشعبي لمواجهة تنظيم الدولة في الأنبار والرمادي، ليزيد من إلهاب المعركة الطائفية التي تغذيها حركات الإسلام السياسي المتناظرة، وفي معركة الكرّ والفرّ بين الحشد وتنظيم الدولة تسجل وقائع انتهاكات طائفية صارخة من الطرفين تزيد الطين بلّة.

في المقابل تعاني حركات الإسلام السياسي السني من انقلاب الطاولة بعد عزل الرئيس المصري محمد مرسي من سدّة حكم مصر، وقد جاءت به الانتخابات معلنة فوز الإخوان وبفارق بسيط عن أقرب منافسي الجماعة وكأن العصر الذهبي للإسلاميين قد بدأ، ولكن الحظ انتكس بعودة المؤسسة العسكرية إلى المشهد وأُودع الإسلاميون من جديد السجون، وفي تونس سجل الإسلاميون فشلا مدويا في الحكم، أما حزب العدالة والتنمية في تركيا والذي عده الإسلاميون الأنموذج الأزهى في عيونهم، فإنه يواجه أزمة عاصفة بعد إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية مؤخرا على نحو يعيق استئثارهم بتشكيل الحكومة واضطرارهم للتفاهم مع منافسيهم وإعاقة طموحاتهم المنفردة.

في ليبيا واليمن والبحرين والكويت تعاني حركات الإسلام السياسي، بشقيه السني والشيعي، من الارتباك والتشرذم نتيجة ذوبان حالة الدولة في بعض الدول، أو الصدام الطائفي في دول أخرى، تلهبه معركة إقليمية أكبر بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية بكل أطماعها الإمبراطورية وأحلامها الإسلامية التي تستبطن تاريخها الفارسي الممتد، وبين مشروع عربي يحاول المناكفة والانبعاث من جديد من تحت ركام الهزائم المعنوية الحادة، وتأتي “عاصفة الحزم” التي أطلقتها السعودية في مواجهة الحوثيين باعتبارهم وكلاء إيران في الجزء الجنوبي من العالم العربي بمثابة إعلان أوّلي عن هذا المشروع العربي الناهض.

تعبر حالة الإسلاميين في الأردن عن العلاقة التقليدية التي جمعتهم بالأنظمة القائمة ما قبل الثورات، إذ تعيش العلاقة صورة من الكرّ والفرّ بينهما، يحاول الإسلاميون استغلال الحيز المتاح من التحرك، وتعمل الحكومة على ضبط الآثار الناتجة عن سلوكهم وطموحهم السياسي دون أن يفكر أيّ من الطرفين في تطوير العلاقة باستحداث إصلاحات سياسية من قبل الحكومة، أو إطلاق عملية مراجعات وتحديث فكري من قبل الإسلاميين بدرجة تجعلهم استيعابيين لا إقصائيين.

في مصر لم ينجح الإسلاميون في احتواء المنافسين السياسيين ضمن تكتل يضمن مشاركتهم ويقوّي مناعة الحكم

في سوريا لا صوت يعلو على صوت الرصاص، يحاول الإخوان البحث عن موطئ قدم ضمن الحيّز المتاح من التحرك، ولكن الحركات الجهادية تقبض على المشهد وتدير المعارك باتجاه حادّ يؤذن بمستقبل غير مأمون ولا مضمون لما بعد الأسد.

الأمر نفسه أو قريبا منه في ليبيا التي تواجه أزمة إدارتها بحكومتين وبرلمانين متباينين، يقع الإسلاميون في طرف منها، يحملون السلاح تارة ويجلسون على طاولة الحوار تارة أخرى، ويأتي هذا ضمن مناخ عام دولي وإقليمي لا يقبل بالإسلاميين ويحاول تنحيتهم من المشاركة في إدارة بلدان ما بعد الثورات.

وأخيرا في المغرب الذي ربما يعطي انطباعا عن صورة جديدة وفريدة في علاقة حركات الإسلام السياسي بالنظام والمجتمع، إذ يأتي حزب العدالة والتنمية كأكبر كتلة برلمانية مؤثرة ولكنه يسير بالتوازي مع نهج البلاد الملكي المنضبط وضمن نسيج عمل الحكومة ويمارس السياسة دون انفراد أو استئثار، يوصم به الإسلاميون عموما عندما تخلو الساحة إلا من صوتهم الذي يأتي عاليا في الغالب.

في مصر التي سجلت أكبر انتصار للإسلام السياسي في العالم العربي أيّام فوز الإخوان غير الحاسم بمقعد الرئاسة قبل عزلهم، لم ينجح الإسلاميون في احتواء المنافسين السياسيين ضمن تكتل يضمن مشاركتهم ويقوّي مناعة الحكم، بل أطمعت النتائج الإخوان لمزيد من الاستئثار والانفراد الذي كان يتوجّس منه الليبراليون والأقليات الدينية الأخرى، فكانت سقطة الإخوان في لعبة السياسة الخطرة، سواء استخدم ذلك مبررا اعتسافيا لعزلهم أو حجة منطقية لخسارتهم، فإن من واجب الأطراف السياسية ومن بينها الإسلامية أن تقبل بفكرة أنها جزء من المجتمع وليست كله، وإن لوّحت بمنطلقاتها الدينية واحتكارها لملامح تفردها ونرجسيتها، يجب أن يفكر الإسلاميون بمنطق المشاركة لا المغالبة.

13