"أطعم الفم تستحي العين" شعار الحملات الانتخابية في الكويت

كل الطرق جائزة للحصول على مقعد في البرلمان الكويتي، فالمرشحون يبالغون في استضافة المواطنين في خيام فاخرة حيث تقدّم إليهم أجود أصناف الطعام والغلال والحلويات، حتى أصبحت أهم من البرنامج الانتخابي للمرشح والخطب الرنانة التي تفقد بريقها مباشرة بعد انتهاء التصويت؛ فالولائم أصبحت عادة انتخابية في الكويت دأب عليها السياسيون منذ سنوات.
السبت 2016/11/12
الفاتورة باهظة

الكويت - لا يفكر المرشحون الكويتيون للانتخابات البرلمانية فيمن سيمنحونهم أصواتهم، في 26 نوفمبر الجاري، ببطون خاوية، إذ يحاول 454 مرشحا بينهم 15 امرأة في الدوائر الانتخابية الخمس، جذب الناخبين إلى تجمعات انتخابية جيدة التنظيم، عن طريق لوحات كبيرة تحمل وجوها باسمة وتنتشر في الشوارع، ومكبرات صوت تنطلق منها خطب نارية، وولائم فاخرة يدعى إليها الناخبون لكسب أصواتهم.

ومع اقتراب كل حملة انتخابية تطفو على السطح قضية المال السياسي، وهي ليست خصوصية كويتية، ولكنها ظاهرة عالمية تنتشر خاصة في العالم الثالث.

الحملة الانتخابية على الطريقة الكويتية تنعش المطاعم في أنحاء البلاد طوال فترة ما قبل انتخابات البرلمان الجديد.

قال ناصر محمد وهو صاحب مطعم يتلقى في الوقت الحالي من مرشحين بمناطق مجاورة طلبيات كل ليلة، يتكون كل منها من ثلاث شطائر كبيرة من الشاورمة، يبلغ سعر القطعة 50 دينارا كويتيا (170 دولارا أميركيا) “بفضل موسم الانتخابات انخفض عدد الزبائن المباشرين، غير أن خدمة التوصيل الخارجي صارت عالية”.

وعلى غرار مناطق أخرى في الشرق الأوسط يلعب الطعام دورا رئيسيا في الحياة الاجتماعية بالكويت في إطار تقليد حسن الضيافة، ولذلك فمن شبه المستحيل أن تحضر حدثا ما يخلو من الطعام في أي يوم من الأيام. وتنوه جميع الدعوات للمشاركة في الاجتماعات الانتخابية إلى أن الطعام سيكون متاحا.

المرشحون القبليون يحرصون على إبلاغ الضيوف بأن اللحم المطبوخ هو لحم خراف محلية، لا لحم خراف مستوردة رخيصة

وكتبت إحدى الناشطات على صفحات التواصل الاجتماعي قائلة “الطعام هو جزء أساسي في هذه المناسبة الانتخابية، لكي يعود الناس إلى منازلهم سعداء ممتلئي البطون”.

وأضافت “اطعم الفم تستحي العين.. هي عبارة محلية تعني أنك إذا أطعمت شخصا سيخجل من أن يخذلك. كل المرشحين يريدون منك شيئا واحدا… أن تصوت لهم”.

وخلال التجمعات الانتخابية تشاهد عمال المطاعم يحملون صواني عليها زجاجات مياه معدنية وأكواب الشاي والعصائر الطازجة، يطوفون بها على حشد يستمع إلى المرشح الذي يقوم بشرح رؤيته لمستقبل الكويت.

بعد ذلك يقصد المئات من الرجال والنساء إلى أقسام منفصلة في خيام مكيفة الهواء، حيث تكون بانتظارهم وليمة من أطباق لحم الأغنام (الإوزي) والأرز والسلطات والفواكه المستوردة والحلوى. يتكرر هذا المشهد في أنحاء الكويت، حيث تهدي أضواء المصابيح العملاقة الناس وسط ظلام الليل إلى الولائم التي تقام في الهواء الطلق.

ويصرّ المرشحون على أن الناس لا يأتون من أجل الطعام، وإنما للاستماع إلى المشاريع الانتخابية والتعرف على خطط مكافحة الفساد الإداري وإدخال الإصلاحات الاقتصادية التي تحتاجها البلاد.

وتشارك الآلاف من الكويتيات في الوقت الحالي في تلك الولائم الليلية إلى جانب الرجال. ويسمح لهن بالتصويت والترشح في هذه الانتخابات بعدما حصلن على هذا الحق في عام 2005.

المنسف سيد الولائم

قد يختلف المرشحون كثيرا في رؤاهم، ولكنهم يتفقون على أن جودة الولائم في المقار الانتخابية هي التي تجذب الناخب؛ خصوصا المجابيس والذبائح وأسياخ الشاورما والحلويات والعصائر، ما يجعل المقار الانتخابية مشابهة لـ”فنادق 5 نجوم”، توظف كأداة جذب للناخب حتى يكون متواجدا داخل المقر الانتخابي.

ولكن ميول الناخبين ورغباتهم تختلف من دائرة إلى أخرى في نوعية الولائم والأطعمة والتجهيزات الغذائية، حيث يكون “الدوس” في الدوائر الأولى والثانية والثالثة على البوفيه، الذي يكون زاخرا بالمأكولات البحرية ومطبق الروبيان والمشويات والشاورمة والسلطات والمقبلات.

انتخابات تنعش المهن المختلفة

أما في الدائرتين الرابعة والخامسة التي تتركز فيهما نسبة كبيرة من أبناء القبائل، فلا تركز الاحتفالات على البرامج والخطط المستقبلية، بقدر ما يراعى خلالها العرف العشائري، وما يتطلبه من جوانب اعتبارية محورها الشيوخ ووجوه المنطقة، وقبل ذلك أداء واجب الضيافة من طعام وشراب.

ويكون الطبق الأساسي في خيام الحملات الانتخابية “المنسف” البدوي، الذي يتسيّد قائمة الطعام، حيث تتحلق المجموعات حول العشرات من الأطباق الكبيرة، لتناول ما طاب من الخراف المطبوخة والموضوعة فوق أرز مغطى بصلصة الزبادي ذات النكهة المميزة.

ويحرص المرشحون القبليون على إبلاغ الضيوف بأن اللحم المطبوخ هو لحم خراف محلية، لا لحم خراف مستوردة رخيصة.

ولا تغيب الحلويات والشاي والقهوة العربية التي يجب أن تقدم إلى الناخبين على مدار الساعة.

ويتفق أغلب المرشحين للانتخابات على أن من لا يقدم عشاء يحصل على أقل عدد من الحضور في مخيّمه، لكنهم يتفقون أيضا على أن الخاسر في الانتخابات سوف يذرف الدموع عندما يتلقى فواتير المطاعم الثقيلة، التي يتعين عليه دفعها، مقابل ما طلبه من أجل الوصول إلى قلوب الناخبين عن طريق بطونهم.

وتنعش الانتخابات النيابية الكويتية، أسواق العديد من المهن في البلاد، فمع حاجة المرشحين إلى التجهيزات الغذائية والحلويات والمطاعم والمقاهي ومحال الخطاطين وأصحاب الخيام، تشهد أسواق هذه المهن، وغيرها، ازدهارا واسعا يمنح فرص الشغل للمئات من العمال.

من بين هؤلاء المنتفعين، عياض حسين، وهو صاحب إحدى شركات الضيافة والمناسبات والقائم بإدارتها، يقول إن “موسم الانتخابات يمثل فترة ذهبية بالنسبة إلى شركات الضيافة والمناسبات؛ حيث يزداد الطلب ويكثر العمل”.

ويوضح حسين، أن “الشركة توفر كل ما يحتاجه مقر المرشح الانتخابي لضيافة نحو ألف شخص (ناخب).. نوفر العصائر والماء والشاي وغيرها، إضافة إلى العمالة المدربة”.

تطفو من جديد قضية المال السياسي، حتى أن صحيفة كويتية كتبت مقالا مفاده أن ثمن الصوت يبلغ أحيانا 3 آلاف دينار(حوالي 10 آلاف دولار أميركي).

“فرصة ذهبية لا تعوض”، بهذه العبارة يصف صاحب أحد محلات الخيام، ويدعى فالح محمد، فترة الانتخابات في الكويت، حيث “تدور عجلة العمل بشكل لافت لتدرّ مالا أكثر ممّا نحصل عليه في بقية العام”.

وعن الأسعار، يقول محمد، إنها “تختلف عن أوقات العمل العادية، وربما تصل إلى الضعف، لزيادة الطلب”. ويوضح أن “السعر يبلغ نحو 15 ألف دينار (48 ألف دولار أميركي) مقابل تأثيث مقرّ انتخابي اعتيادي؛ أي قاعة رئيسية بمساحة 40×20 مترا، وهي الأكثر طلبا من قبل المرشحين.. ولا يشمل هذا السعر بالطبع تقديم الماء والشاي والقهوة والتصوير وغيرها”.

وفي التجمعات الانتخابية يتناول الناخبون مشروبات باردة وساخنة، إضافة إلى حلويات شرقية وغربية.

وبحسب أبوعلي، وهو صاحب أحد محلات الحلويات، فإن “بعض المقرات تطلب أصنافا محلية من الحلويات، منها: بثيث من التمر وطحين وسمن، ورانكينة (تمر وطحين من دون طبخ)، ومعسل (تمر ودبس وسمسم)، وخبيص (تمر مع سمن وطحين)، وكذلك خلاصة (تمر وزبدة)”.

وعن الكميات التي تطلبها المقرات الانتخابية، يوضح أبوعلي، أن “المقر يطلب كل ثلاثة أيام 20 كيلوغراما من 12 نوعا، أي 240 كيلوغراما.. وبعض المقرات تقدم ساندويشات، ويترواح طلبها بين 5 إلى 10 كيلوغرامات، بينما تطلب مقرات أخرى القصم على الدبس (عصارة التمر)”.

وإلى أن يحل يوم الاقتراع، يواصل أصحاب هذه المهن، وغيرها الكثير، التنافس في ما بينهم لاستقطاب المرشحين خلال فترة الانتخابات القصيرة، والتي لا يعرفون في الكويت متى تتكرر.

شراء الأصوات

مع اقتراب الانتخابات النيابية الكويتية، تطفو من جديد قضية المال السياسي، أو ما يسمى بشراء الأصوات، حتى أن صحيفة “السياسية” الكويتية (خاصة) صدرت قبل أيام بعنوان رئيسي مفاده أن ثمن الصوت بلغ أحيانا 3 آلاف دينار (حوالي 10 آلاف دولار أميركي)، وذلك رغم تجريم القانون الكويتي لهذا الفعل.

والمال السياسي ليس بدعة كويتية، وإنما حالة عالمية، ويتخذ أشكالا عدة، منها تقديم مال أو وظيفة إلى ناخب، أو تجديد وطلاء ديوانية (صالة لاستقبال الضيوف)، أو إرسال طلاب للدراسة بالخارج، مقابل منح الناخب صوته لمرشح بعينه أو حجبه عن مرشح محدد؛ لمنع وصوله إلى مجلس الأمة.

في انتظار المأدبة

“بومحمد”، كنية ناخب كويتي رفض نشر اسمه، يقول إن “شراء الأصوات موجود في كل الدوائر الانتخابية (الخمس)، وليس في دائرة العاصمة الكويت فقط.. وبعض المرشحين يدفعون أكثر من ألفي دينار (حوالي 6400 دولار) مقابل الصوت الواحد”.

أما الناخب عبدالعزيز كريم، وهو موظف، فيتحدث عن “رفض الكثير من المواطنين بيع أصواتهم لأي مرشح”، معتبرا أن “من يبيع صوته بحفنة من الدنانير يمكن أن يبيع وطنه بأبخس الأثمان”.

وهو ما تؤكده الناشطة خالدة الخضر بقولها “للأسف يوجد بيع وشراء للأصوات، سواء بدفع مال كاش أو هدايا ربما تكون عبارة عن حقائب نسائية من ماركات عالمية.. وأحيانا عبر توظيف ناخبين في لجان انتخابية”.

وتبدي دهشتها من “أناس متعلمين ويعرفون الحلال والحرام، ويبيعون أصواتهم، وليس بسبب الحاجة المادية، فنحن نعيش في بلد خير”.

عملية شراء وبيع الأصوات يصفها نائب رئيس جمعية المحامين الكويتية، شريان الشريان، بأنها “جناية أخلاقية وقانونية ووطنية تتعلق بالحاضر والمستقبل”.

ويمضي الشريان قائلا، إن “كل من يبيع أصواتا أو يشتريها هو خائن لوطنه ودينه وقيمه، ولا بدّ من تغليظ العقوبة على المشتري والبائع لتصل إلى (السجن) المؤبد، فلا يكفي أن تكون العقوبة هي الحبس خمس سنوات فقط”.

بدوره، يوضح رئيس منظمة حريات حقوق الإنسان، الدكتور شبيب الزعبي، أن “من يبيعون أصواتهم لا يفعلون ذلك من أجل ضروريات، وإنما لشراء أمور تافهة.. شراء كماليات وترف معيشي”.

ويشدد الزعبي، على أن “شراء الأصوات وبيعها أمر مجرّم شرعا وقانونا، ومن يشتري أو يبيع صوته ليس لديه أي وازع ديني، وهو في حقيقة الأمر يبيع إرادته”.

وبحسب رئيس المنظمة الحقوقية، فإن “هناك تقصيرا من الجهات التنفيذية في تتبع هذه الجريمة.. ولا بدّ من حرمان المرشح، الذي يشتري الأصوات، من الترشح، وكذلك حرمان الناخب من الإدلاء بصوته”.

وخلال انتخابات سابقة، اتهمت السلطات مرشحين بشراء الأصوات، لكن القضاء حكم في معظم هذه القضايا بالبراءة، لأسباب متنوعة، غلب عليها وجود أخطاء إجرائية في عملية القبض عليهم، رغم أنهم كانوا في حالة تلبس.

ومن يتورط في شراء الأصوات الانتخابية بالكويت ينص القانون على معاقبته بـ”الحبس مدة لا تزيد على خمس سنوات، وبغرامة لا تقل عن ألفي دينار (نحو 6200 دولار) ولا تزيد على خمسة آلاف دينار (حوالي 16 ألف دولار) أو بإحدى هاتين العقوبتين”.

وفي حدث هو العاشر في تاريخ الكويت، قرر أمير البلاد، في السادس عشر من الشهر الماضي، حل مجلس الأمة وإجراء انتخابات نيابية، السبت 26 نوفمبر الحالي؛ وقد عزا مراقبون سبب ذلك إلى تقديم عدد من النواب طلبا لاستجواب وزيري المالية والعدل؛ مما فجّر أزمة بين المجلس والحكومة.

20