أطفال "أبوشعرة" المصرية ينسجون للعالم السجاد الحريري

عرفت مصر صناعة السجاد اليدوي منذ عهد الفراعنة وظلت مدينة أخميم بسوهاج في صعيد مصر هي المنطقة الأشهر في هذه الصناعة، ومازالت الأنوال اليدوية القديمة موجودة في المتاحف حتى اليوم شاهدة على عراقة هذه الصناعة المصرية الأصيلة التي ذاع صيتها في قرية “ساقية أبوشعرة” وأتقنها أهلها رجالا ونساء وأطفالا، لكن هذه الحرفة التي كانت توفر مورد رزق محترم لعائلات القرية باتت اليوم مهددة بالاندثار بعد أن تراجعت السياحة الوافدة إلى مصر.
السبت 2017/09/23
عمل وترفيه

القاهرة- أمام أنوال حديدية وخشبية يجلس أطفال قرية ساقية أبوشعرة بالمنوفية في شمال القاهرة، الذين لا تتجاوز أعمار بعضهم 7 سنوات لحياكة سجاجيد حريرية يصل سعر الواحدة منها لقرابة 570 دولارا، تنسج أناملهم الصغيرة خيطا على خيط حتى تصل السجادة لنهايتها، ليستغرق المتر الواحد في نسجه قرابة الثلاثة أشهر.

لا يعرف الكثير من مشتري السجاد بالمناطق السياحية بمصر، أن أطفالا صغارا ساهموا في صناعة مقتنياتهم التي غالبا ما يتم استخدامها كلوحات ديكور للذكرى أكثر من مجرد قطعة أثاث، فجودة الإنتاج وجماله دفعا أصحابه لتكريمه رافضين أن تدوسه الأقدام ليظل معلقا على الحيطان فوق الرؤوس.

يبدأ أطفال ساقية أبوشعرة في تلقي مهارات صناعة السجاد والتعامل مع الخيوط الحريرية من سن الخامسة، ينهلون من أسرار الحرفة ويقيمون علاقة حب مع النول الخشبي أو الحديدي تستمر مع كل عقدة خيط بكل ذوق وفن وحب لتداخل الألوان، حتى يصلوا في النهاية إلى إبداع تحف فنية تباع في المتاجر بالآلاف من الجنيهات.

نسيج السجاد لا يحتمل الخطأ، لذلك يتوجب على العامل التركيز التام من أول خيط إلى أن يقص السجاد من النول، فإذا وضع خيطا في غير موضعه الصحيح ولم ينتبه له إلا متأخرا فسيضطر إلى فك ما قام به، وفي ذلك إهدار للوقت والجهد. ومن الأطفال من يتفرغ لهذه المهنة، ويختار آخرون الدراسة والعمل وراء النول في العطل وأوقات الفراغ ليساهموا في مصروف البيت أو لتوفير مستلزماتهم المدرسية.

الرجال خبروا الحرفة قبل النساء

ويتم تصنيع السجاد على أربع مراحل يحرص الصانع على الإلمام بها جيدا بداية بإعداد النول بتثبيت الخيوط عليه التي يتم نسج السجاد عليها طوليا وفقا للمقاييس المطلوبة، ثم اختيار التصميم المناسب للسجاد، سواء عبر رسوم هندسية أو وجوه أو كتابات حسب رغبة الزبون، وتفريغ الرسم إلى ألوان على ورق الرسم البياني ليسير عليها الأطفال أثناء عملية التصنيع، ثم صباغة خيوط الحرير البيضاء للحصول على الألوان المطلوبة، وأخيرا إعداد السجاد للبيع النهائي بتنظيفه وتغليفه، ولا يتم ذلك إلا بالصبر والهدوء.

دوام الحال

يختلف حال قرية ساقية أبوشعرة حاليا عن خمس سنوات مضت، بعد أزمة توقف السياحة الوافدة لمصر وتحرير سعر صرف الدولار، لتتوقف معظم الأنوال عن النسج بعدما بات الأطفال يفضلون قيادة مركبات التوكتوك وجمع المحاصيل الزراعية من المناطق المستصلحة بالصحراء، باعتبار عائدها المالي، لتتحول عصا النسج إلى مقص لجمع الثمار أو يد تمسك بمقود الدراجات البخارية.

ويقول أحمد زهران، صاحب ورشة لصناعة السجاد الحريري بالقرية، وتعمل معه مجموعة من الأطفال الماهرين، إن ارتفاع ثمن الخامات دفع الكثير من المنتجين إلى التوقف، فالكيلو من الحرير الصيني الجيد قفز من 20 دولارا إلى 95 دولارا، بينما ارتفع سعر كيلو الصوف من 4.5 إلى 9.5 دولارات، ما دفع البعض إلى اللجوء إلى خامات حريرية أقل جودة والبعض الآخر توقف عن العمل.

ويضيف أن المتر الواحد من السجاد الحريري تستغرق صناعته قرابة الأربعة أشهر وتصل تكلفته إلى 86 دولارا وهي تكلفة مرتفعة تجعل الإقبال عليه من السائحين الأجانب، خصوصا من الألمان والأميركيين واليابانيين الذين تراجع عددهم منذ سنوات، والقليل من الأثرياء المصريين الذين يشترونه من منطقة سقارة السياحية. ويتفوق السجاد الذي تنتجه ساقية أبوشعرة بإمكانية غسله منزليا دون تعرض ألوانه للتغيير على عكس السجاد الإيراني والتركي، بجانب زيادة عمره الافتراضي.

وتوجد عدة أشكال يحافظ عليها أصحاب الورش في ساقية أبوشعرة ولا يحاولون التجديد فيها وكأنها علامتهم التجارية، وأرجعوا ذلك إلى أن الكلاسيكية والنمطية هما العنصران الرئيسيان اللذان يميزان أعمالهم عن إنتاج المصانع الحديثة التي تنتج الآلاف من القطع يوميا، فالسائح يريد عملا تراثيا منفردا يخلد ذكرى أو حضارة، وغالبا ما يركزون على الرسومات الفرعونية أو الإسلامية المتميزة.

ويذكر أن القرية كانت تنتج قبل الثورة قرابة 7 آلاف متر من السجاد الحريري سنويا يتم تصدير معظمها إلى أسواق أوروبا وأميركا بما قيمته 300 مليون دولار، ما جعل القرية محط أنظار تجار ورجال أعمال لاستثمار أموالهم في نسيج السجاد.

ويطالب زهران الحكومة بالاهتمام بتوطين صناعة الحرير محليا وإنشاء مزارع لتربية دود القز، خصوصا مع امتلاك مصر كميات كبيرة من شجر التوت والتي لا يتم استغلالها. وأشار إلى أن توطين تلك الصناعة التاريخية يحافظ على ساقية أبوشعرة وغيرها من الأسر المنتجة للسجاد في المحافظات المصرية.

صناعة قديمة

السجاد الحريري الذي تنتجه ساقية أبوشعرة له من المميزات التي تمد في عمره الافتراضي

تعود صناعة السجاد اليدوي إلى زمن يمتد إلى عصر الفراعنة، لكنها ازدهرت خلال عهد المماليك الذين كانوا الأشهر والأفضل في صناعته، وأعاد الملك فاروق، آخر ملوك مصر، الاهتمام بها حينما طلب صناعة سجاد يدوي على هيئة عملة الخمسة جنيهات الورقية، وتمت إعادة نسجه ثلاث مرات لضبط الدرجات اللونية لها لتكون شبيهة تماما بالعملة المصرية.

ويعود توطين الصناعة في القرية إلى الخمسينات من القرن الماضي، وتم توارثها جيلا بعد جيل، وتعتبر صناعة عائلية في المقام الأول إذ تؤجر بعض الأسر نولا، ويظل جميع أفرادها من أطفال وكبار في العمل عليها حتى إنجازها، وتكمن المشكلة في عدم التفرغ الذي يطيل فترة العمل بالسجاد الواحد حتى أن بعضها قد يستغرق ثلاث سنوات.

ووفقا لبيانات رسمية، بدأت صناعة السجاد اليدوي في قرية ساقية أبوشعرة عام 1955 وقام بعض شباب القرية بالتدريب عليها والعمل بها في منطقة الدراسة بالقاهرة، ونقلوا خبرتهم التي اكتسبوها إلى أهلهم، ليبدأ الإنتاج ببعض أنواع سجاد الصوف والكليم (مفروشات شبيهة بالموكيت).

ويقول الحاج قدري عبدالنبيّ، صاحب ورشة لصناعة السجاد بالقرية، إن صناعة السجاد الحريري في أبوشعرة تعتمد على الشباب الذين بدأوا يهجرونها ويفضلون العمل بمهن أخرى لانخفاض العائد المالي عليها، حتى أن أصحاب الورش باتوا يرفضون توريثها لأبنائهم.

ويقول البعض من أهالي القرية، إنه خلال 12 يوما يمكن تعليم قواعد النسج بخيوط الحرير، لكن الأمر يحتاج أيضا قدرا من الموهبة والذوق الفني، والتركيز الشديد فكل شكل من أشكال السجاد عبارة عن عقدة يتم نسجها منفردة، وحال انعقادها لا يمكن فكها نهائيا.

يقول قدري إن القرية باتت لا تعمل إلا في شهري يوليو وأغسطس والنصف الأول من سبتمبر، بسبب هجرة البعض من الشباب المتفرغين لها، وهو ما اضطر الكثير من أصحاب الورش إلى الاعتماد على الأطفال الذين يتركون الورش مع عودة الدراسة في النصف الثاني من سبتمبر، وتظل معظم الورش مغلقة باستثناء البعض الذي قد يعمل ساعة أو اثنتين بعد اليوم الدراسي أو ربة منزل تعمل في وقت فراغها على نول.

ويوضح أن العائد من صناعة السجاد للشخص يتراوح بين دولار ونصف الدولار وقرابة الدولارين في اليوم الواحد، وهذا المبلغ لا يغري الشباب للعمل، غير أنه يكون مرضيا بالنسبة للأطفال الصغار، وبالتالي بات الجميع يعتمد عليهم لتقليل التكاليف، خصوصا مع تحمل صاحب العمل تكلفة الطاقة والتأمينات على المشرفين.

ويشير إلى أن المعارض التي يتم تنظيمها للقرية في مصر لا يتم الترويج لها ولا تتعدى حفل الافتتاح فقط، الأمر الذي تطلب تنظيم معارض بالخارج في دول عربية يقبل مواطنوها على شراء منتجات شبيهة بالسجاد الحريري ويفضلونه عن الجاهز.

وتعتبر الدول العربية من أكبر زبائن السجاد الإيراني الذي تنتج منه نحو ثلاثة ملايين متر مربع، وقامت بإنتاج أكبر تشكيلة من السجاد اليدوي لبيعها للدول العربية بطول مختلف يصل إلى 2500 و4500 و6500 متر مربع، وتم تسجيلها في موسوعة “غينيس” للأرقام القياسية.

حنين إلى مبارك

حرفة قريبة من مزاج الفتيات

عبدالسلام الشورى، أحد أهالي القرية، قال إنه أغلق ورشته منذ عامين وشجع أولاده الذين كانوا يعملون بها على العمل في مهن أخرى بسبب مشكلات المواد الأولية وترويج السجاد في ظل تراجع السياحة في مصر. وأبدى حنينه إلى عصر الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك الذي كان يولي القرية اهتماما خاصا حتى أنه زارها بنفسه.

وزار الرئيس مبارك قرية أبوشعرة بالمنوفية (وهي المحافظة التي ولد فيها مبارك) عام 1987 بصحبة عاطف صدقي رئيس الحكومة الأسبق وعدد كبير من الوزراء وتفقد الأسر المنتجة في القرية وطالب بدعم صناعة السجاد بها وتقديم كافة التسهيلات من تمويل وخامات للعامين بها والحفاظ عليها، وتأسيس جمعية اتصال مع المسؤولين لحل أي مشكلة تهدد هذه الصناعة.

ويقول الشورى إن الرئيس مبارك شاهد في إحدى زياراته إلى باريس سجادة معلقة على حائط بقصر الإليزيه وعليها عبارة نسجت في “ساقية أبوشعرة” بمحافظة المنوفية والزوار يلتفون حولها في إعجاب وانبهار، فأسعده ذلك واتجه فور عودته إلى مصر لزيارة القرية وأثنى على إبداعات أبنائها ومن بينهم الشورى الذي يفتخر بصورة جمعته بالرئيس مبارك.

ويتابع “كان في القرية في ذلك الوقت 500 نول يعمل عليها 2500 عامل معظمهم من الأطفال بإنتاج سنوي للنول الواحد حوالي 6 أمتار كلها مخصصة للتصدير، وواصلت الازدهار حتى كان من النادر أن يخرج أحد من أهالي القرية إلى الشارع إلا لأمر هام، فالكل يعمل ليل نهار أمام الأنوال الخشبية والحديدية للوفاء بما هو مطلوب من كميات للتصدير”.

ويقول الشورى إنه بدأ العمل في الخمسينات حينما كان طفلا بعائد لا يتعدى 10 قروش (الجنيه يعادل 100 قرش) واستمر فيها إلى أن عجزت أصابعه عن النسج وأعينه عن التدقيق، مبديا حزنه على الانحدار المتواصل في صناعة قريته التي كانت الوحيدة تقريبا التي لا تعاني من البطالة في مصر.

ويطالب بعض خبراء الاقتصاد بتقديم قروض ميسرة دون فائدة لورش السجاد الحريري وبفترة سماح تصل إلى ثلاث سنوات على الأقل، بجانب توفير خامات جيدة من الحرير الصيني، فأحد عناصر جودة السجاد تكمن في جودة الخامات المتمثلة في الخيوط ومهارة العامل الذي يشرف على الأطفال العاملين في الصناعة.

ويستميت أهالي ساقية أبوشعرة في الدفاع عن مقولة إن قصر الإليزيه يضم سجادة معلقة على أحد حوائطه مكتوب عليها أنها مصنوعة في قريتهم، يؤكدون أنهم لو توفرت لهم الإمكانيات والدعم يستطيعون إزاحة تركيا وإيران والصين من عرش السجاد اليدوي، لكنهم الآن يبكون أطلال أنوالهم المتوقفة وينتظرون عودة الحياة لخيوطها من جديد.

تصوير:محمد حسنين

20