أطفال التونسيين العالقين ببؤر التوتر ضحايا وضع لم يختاروه

مماطلة الحكومة في النظر بقضية عودة الأطفال مردها حساسية أمنية أم قصور دبلوماسي.
الجمعة 2019/05/31
الضحايا المنسيون.. أطفال الدولة الإسلامية

منذ أشهر، يواصل أهالي أطفال تونسيين انضم آباؤهم وأمهاتهم إلى الجماعات الإرهابية في سوريا وليبيا، المطالبة باستعادة أبنائهم وأحفادهم الذين قالوا إنهم يعيشون أوضاعا صعبة في السجون الليبية، ومخيمات إيواء في سوريا. وفيما يخشى طيف كبير من الرأي العام هذه العودة باعتبارهم قنابل موقوتة محتملة، لم تبد السلطات تقدما جديا في هذا الملف ويعكس ترددها حجم مخاوفها الأمنية وقصورا دبلوماسيا في التواصل مع الدول التي تؤوي الأطفال، ما يجعل الغموض يحيط بمصيرهم.

تونس - “حياة أحفادي الثلاثة معرضة للخطر في مخيم للإيواء في سوريا والحكومة التونسية لا تحرك ساكنا، هل سيكون مصيرهم الموت كما فقدت اثنين من أحفادي أيضا؟ أحد أحفادي (أكبرهم سنا) يحتاج إلى تدخل جراحي سريع”، بهذه الكلمات تروي الجدة تحية بألم ومرارة لـ”العرب” معاناتها الطويلة منذ انضمام ابنها (الذي لم ترغب في ذكر اسمه) إلى تنظيم الدولة الإسلامية ثم مقتله وصولا إلى رحلة استرجاع أحفادها الخمسة العالقين بسوريا.

انضم ابنها عام 2011 إلى تنظيم داعش وقاتل في صفوفه ست سنوات. وفي عام 2017 عندما شعر بأن حياته مهددة قام بتهريب أبنائه مع زوجته، التي تحمل الجنسية السورية وتزوجها عام 2013، من جنوب سوريا حيث يقطنون إلى الشمال. وللوصول إلى الحدود السورية التركية قضوا 15 يوما مروا خلالها بدورات تفتيش عديدة ولم يصلوا إلى مخيم الإيواء الحدودي (على الحدود السورية – التركية) إلا وقد أنهكهم التعب.

توفي ابن تحية، الذي تزوج أيضا من تونسية في يوليو 2018 كان قد تعرف عليها وهو في صفوف التنظيم في سوريا، ولها منه طفلان. تقول تحية إن ابنها شعر بخطأ ما ارتكبه وندم على التحاقه بداعش وحين حاول الانشقاق عنه والتحريض ضده قام التنظيم بمحاصرة منزله ليرديه قتيلا انتقاما من انقلابه عليه. وقتلت زوجته التونسية معه.

محمد إقبال بن رجب: ضعف الدبلوماسية التونسية وراء التلكؤ في استعادة الأطفال
محمد إقبال بن رجب: ضعف الدبلوماسية التونسية وراء التلكؤ في استعادة الأطفال

 ظل كل الأطفال في المخيم تحت رعاية الزوجة السورية. واستطاعت هذه الأخيرة أن تحجز مكانا فيه لأن والدتها مسجلة فيه بشكل رسمي وتقاسمت معها الإعانات الشحيحة أمام نقص فادح للتغذية والأدوية. ثم مرض ابنا الزوجة التونسية اللذين لا تتجاوز أعمارهما الثلاث سنوات وتوفيا في فبراير عام 2018. أما بقية إخوتهما من الزوجة السورية فليسوا أفضل حالا.

تتحرك تحية لاستعادة أحفادها منذ عام 2017 وتبذل قصارى جهدها للاتصال بالحكومة التونسية والوزارات والمنظمات الحقوقية لمطالبتها بالتدخل لإعادة أحفادها الذين تقول إنهم “لا يمثلون خطرا، بل إنهم سيكونون تحت الخطر إذا ظلوا هناك”.

حسب تحية، ردت عليها الحكومة بالقول إنها أرسلت ملفات الأطفال إلى تركيا وستنظر في مسألة عودتهم بعد إرسالهم إلى القنصلية في إسطنبول وبعد القيام بتحليل جيني لمعرفة ما إذا كانوا تونسيين أم لا، تمهيدا لاسترجاعهم، لكن كيفية مغادرتهم المخيم إلى القنصلية التركية اصطدمت بمخاوف أمنية في ظل ظروف الحرب السورية المعقدة.

كان من الصعب تنفيذ عملية مغادرة المخيم. كما أن الأطراف التركية وحتى المنظمات الدولية مثل الصليب الأحمر تشترط التفاوض أو التفويض من السلطات التونسية لإعادة الأطفال إلى بلدانهم الأصلية.

عاد الآمل إلى تحية حين اتصلت بها جهة حكومية في مايو 2018 وسألتها عما إذا كانت قادرة على كفالة وتربية الأطفال بمجرد عودتهم. ظنّت حينها أنها ستتمكن من رؤية أحفادها لأول مرة وستحتضنهم لتربيهم وسيعوضونها عن ولدها لكن إلى اليوم لم يستجد ما يطمئنها. وتختم حديثها بالقول “الحكومة تتحرك بخطى بطيئة.. ومن يملك في قلبه ذرة إنسانية لا يسمح ببقاء الأطفال في حالة جوع ومرض ودون تعليم”.

أطفال في سجون ليبية

حال تحية كحال العديد من أهالي أطفال وشباب تونسيين عالقين بسوريا وليبيا. ويتحدث منصف السعيدي لـ”العرب” عن قصة أخته وحيدة القابعة حاليا في سجن معيتيقة في ليبيا. كانت وحيدة تعمل صحبة زوجها في أحد المستشفيات في مدينة مصراتة إلى غاية عام 2015 حين اكتشفت أن زوجها تغير وبدا عليه التأثر بفكر داعش وأن التنظيم نجح في استقطابه. حاولت الاستنجاد بعائلتها في تونس لحمايتها من شبح الإرهاب الذي يلاحقها، لكن مع تعنيف زوجها لها وابتزازها بولدها لم تستطع المقاومة.

مهيار حمادي: يجب دمج الأطفال العائدين في الدراسة ورعايتهم نفسيا
مهيار حمادي: يجب دمج الأطفال العائدين في الدراسة ورعايتهم نفسيا

وفي غياب تمثيلية للسلطة التونسية وتمثيلية للسلطة الليبية لم تعرف إلى أين تلجأ. حاولت وحيدة وهي أم لطفل وحيد ذي ثلاث سنوات، يدعى براء، إقناع زوجها بالعودة إلى تونس عام 2016 لكن وقع ما لم يكن في الحسبان. في طريق العودة من مصراتة إلى صبراتة تعرضوا لإطلاق نار من قبل ميليشيات ليبية (قوات الردع التابعة لحكومة الوفاق). كانت ترافقهم عائلة ولقي الجميع حتفهم فيما أصيبت هي وطفلها بطلق ناري نجيا منه بأعجوبة. يقول منصف “تخيل طفل عمره 3 سنوات يصيب بطلق ناري والسلطات لا تهتم لذلك”. ظل براء في المستشفى 7 أشهر وبعدها التحق بوالدته في السجن.

 استنجد السعيدي بمؤسسات حكومية كما طرق باب المنظمات الدولية لكنه لم يلاق تجاوبا. أعرب عن تذمره من مماطلة الحكومة في عودة الأطفال وأمهاتهم. ووصف السياسة الحكومية تجاه هذا الملف بـ”السياسة الانتقامية عوض أن تكون سياسة محاسبة وإدماج وتأطير”.

وقال بنبرة تعكس غضبا ممزوجا بالقهر “الشاب التونسي لم يكن إرهابيا في السابق لكن (صار إرهابيا) بممارسات التهميش والإقصاء.. الدولة تفرط فيه”. ويحمّل السعيدي المسؤولية للحكومة التونسية ويرى أنها مقصرة في استرداد الأطفال واكتفت بإرسال الوفود البرلمانية. وما يدعم رأيه تصريحات سابقة من مسؤولين ليبيين بأن ليبيا طالبت تونس باستعادة عائلات الجهاديين لكن ظلت الحكومة صامتة. وأشار إلى انقطاع التواصل مع شقيقته وحيدة منذ أكثر من سبعة أشهر وباتت في وضع أشبه باختفاء قسري، داعيا السلطات إلى التحرك الفوري والبت في هذا الملف.

وتضاف إلى صوت الجدة تحية ومنصف أصوات بقية أهالي أطفال الجهاديين الذين يواصلون منذ أشهر تنفيذ تحركاتهم الاحتجاجية لمطالبة الحكومة بالتدخّل لإعادة أبنائهم من مناطق التوتر. ويوضح محمد إقبال بن رجب، رئيس جمعية إنقاذ التونسيين العالقين بالخارج، التي تدعم تحركات أهالي أطفال الجهاديين، لـ”العرب” بعض معطيات هذا الملف.

ويشير إلى أن الجمعية تلقت أكثر من مئة ملف لطفل عالق بالخارج. وبين أن هناك ما يقارب 37 طفلا، 22 منهم في السجون الليبية مع أمهاتهم، تحديدا في سجن معيتيقة، وهناك 6 يتامى تحت رعاية الصليب الأحمر.

وبالنسبة لسوريا، يقول بن رجب إن هناك أكثر من 104 أطفال وفق ما أكدته منظمة هيومن رايتس ووتش في اتصال بالجمعية. يتواجد هؤلاء في الشمال السوري في المخيمات الخاضعة لسيطرة الأكراد.

ويعاني أطفال التونسيين كبقية عائلات الجهاديين في المخيمات السورية من وضع إنساني حرج. وقالت منظمة أطباء بلا حدود الأربعاء إنهم “يفتقرون إلى كل شيء. فالمياه تصل بشكل متقطع، والغذاء لا يتأمّن بشكل منتظم، والعناية الطبية غير مقبولة”.

تردد حكومي

يعاني أطفال التونسيين كبقية عائلات الجهاديين في المخيمات السورية من وضع إنساني حرج فهم يفتقرون إلى كل شيء، فالمياه تصل بشكل متقطع والغذاء لا يتأمّن بشكل منتظم، والعناية الطبية غير مقبولة
يعاني أطفال التونسيين كبقية عائلات الجهاديين في المخيمات السورية من وضع إنساني حرج فهم يفتقرون إلى كل شيء، فالمياه تصل بشكل متقطع والغذاء لا يتأمّن بشكل منتظم، والعناية الطبية غير مقبولة

رغم أن تونس باشرت مؤخرا مساعيها لاسترجاع عدد من أبناء الجهاديين التابعين لتنظيم الدولة الإسلامية يرى حقوقيون أنها خطوة غير كافية خصوصا مع تدهور وضع عائلاتهم في بؤر التوتر.

وأوضحت فاطمة مسدي، النائبة عن حزب نداء تونس، لـ”العرب” أن “الحكومة التونسية بصدد دراسة هذا الملف وتقوم بمحاولات لفتحه من جديد ومعالجته بشكل منفصل، بمعنى التعامل مع وضعية الأطفال العائدين بشكل إنساني”.

وسبق أن ذكر الهلال الأحمر في مدينة مصراتة لوكالة فرانس برس أن فريقا من الشرطة الفنية التونسية توجه إلى مصراتة نهاية يناير الماضي، لأخذ عينات من الحمض النووي لستة أطفال من المفترض أن يكونوا أبناء جاهديين تابعين لتنظيم داعش قتلوا في مدينة سرت.

صحبي بن فرج: الذنب هو ذنب العائلات التي أنتجت إرهابيين سفكوا الدماء
صحبي بن فرج: الذنب هو ذنب العائلات التي أنتجت إرهابيين سفكوا الدماء

وأكدت مصادر حكومية تونسية هذه الزيارة، مشيرة إلى أن الفريق جلب معه لأول مرة عينات من حمض نووي لطفل للتأكد من هويته قبل استرجاعه.

ويرى بن رجب أن ضعف الدبلوماسية التونسية وراء هذا التلكؤ في استعادة الأطفال. لكن مع تواصل التحركات الاحتجاجية يبقى أمل العودة واردا ولن ينقطع، حسب تعبيره.

وضبطت السلطات التونسية والليبية قائمة في 2017 تضم 43 طفلا من المفترض أن يكونوا تونسيين وقد تم استرجاع ثلاثة أطفال منهم بعد التأكد من هويتهم في العام ذاته. ومنذ ذلك الحين تحُول مشاكل عدة دون استرجاع الأطفال، مرتبطة أساسا بضعف التعاون القضائي في هذا المجال وصعوبة التعرف على الهويات وتحديدها. ولم يتم استرجاع أي طفل من العراق وسوريا إلى تونس، وفقا لهيومن رايتس ووتش.

ويعتقد مصطفى عبدالكبير، رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان، والمهتم بملف الأطفال الجهاديين التونسيين في ليبيا، أن التجاذبات السياسية وراء هذا التعثر.

ويقول عبدالكبير لـ”العرب” إن “هؤلاء الأطفال هم ضحايا أفعال والديهم وأيضا ضحايا تجاذبات سياسية بامتياز خاصة عندما نتحدث عن ملف أطفالنا في ليبيا لأن الملف أصبح سياسيا عوض أن يكون ملفا إنسانيا”.

ويلفت إلى أن “كل الأطراف في ليبيا لا تريد تسليم الأطفال وأمهاتهم باعتبار أن ذلك من الأوراق المهمة للأطراف الليبية لاستعمالها متى شاءت”. وقدّم مثالا حين كانت الحكومة بصدد استلام 10 أطفال من ليبيا في فبراير الماضي بعد إتمام التفاوض والتحليل الجيني اللازم ولكنّ خلافا بسيطا بين الدولتين قاد إلى إرجاء التسليم.

 وسبق أن أرجع وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي، الفشل في استعادة الأطفال من ليبيا إلى “الوضع السياسي”. وأكّد أن السلطات التونسية “تواصل جهودها لحل مشكلة الأطفال العالقين بليبيا”، مشددا على أنّ الأمر ذاته ينطبق على العالقين منهم بسوريا.

فاطمة المسدي: الحكومة ستدرس ملف الأطفال العائدين بشكل إنساني
فاطمة المسدي: الحكومة ستدرس ملف الأطفال العائدين بشكل إنساني

ويشير المراقبون إلى أن الحكومة التونسية اكتفت بسياسة الوفود البرلمانية ومنح الأولوية للمجتمع المدني في التفاوض بشأن عودة الأطفال من بؤر التوتر وهي سياسة غير مجدية. ففي أغسطس عام 2017 التقى وفد برلماني تونسي الرئيس السوري بشار الأسد وأمل الحقوقيون أن تحسم الزيارة مصير أطفال الجهاديين. غير أنها زيارة تمت بـ”بادرة شخصية” لا بتكليف رسمي من البرلمان.

وأوضح صحبي بن فرج، السياسي التونسي الذي كان ضمن هذا الوفد، لـ”العرب” أن “الزيارة لم تتطرق إلى هذا الملف”، لافتا إلى أن الأمور اختلطت مع تعدد أطراف الصراع في سوريا.

وبتمكّن قوات سوريا الديمقراطية من السيطرة على آخر جيب كانت تتحصّن فيه فلول التنظيم في بلدة الباغوز شرق سوريا، تمّ القضاء على آخر معقل لتنظيم الدولة الإسلامية في 23 مارس الماضي.

وغداة إعلان انتهاء “خلافة” تنظيم الدولة الإسلامية، دعت قوات سوريا الديمقراطية المجتمع الدولي إلى إعادة عائلات التنظيم الأجنبية إلى بلدانها الأصلية. وكحال دول غربية تبدي تونس ترددا في استعادة أطفال مقاتلي التنظيم الذين يحملون جنسياتها وعائلاتهم خشية ردّ فعل الرأي العام.

وتعزو فاطمة المسدي هذا التردد والتعثر إلى العقبات السياسية في ظل فتور العلاقة مع سوريا خلال السنوات الأخيرة. وتضيف أن “الحساسيات السياسية خاصة في هذه المرحلة جعلت هذا الملف يسير بنسق بطيء جدا”.

قلق الرأي العام

مصطفى عبدالكبير: عودة الأطفال تحولت إلى ملف سياسي عوض أن تكون ملفا إنسانيا
مصطفى عبدالكبير: عودة الأطفال تحولت إلى ملف سياسي عوض أن تكون ملفا إنسانيا

يثير موضوع عودة عائلات الجهاديين إلى تونس جدلا واسعا في البلاد حيث لا تزال حالة الطوارئ سارية منذ الاعتداءات التي استهدفت سياحا وعسكريين وأمنيين في 2015 و2016. ويعبر العديد من التونسيين وكذلك الحكومة عن رفضهم لعودة الجهاديين.

ويبرر صحبي بن فرج رفضه لهذه العودة بالقول إن “الذنب هو ذنب عائلاتهم التي أنتجت إرهابيين، كان الأحرى الاهتمام بأبنائهم وتربيتهم تربية جيدة”.

ويتابع بقوله “حتى لو أعدت هذا الطفل ستسلمه مرة أخرى للإرهاب فالعائلات التي صدّرت إرهابيين ليس هناك ضمانات لعدم تصدريهم مرة أخرى إلى بؤر التوتر”.

لكن كثيرين يعتبرون أن مثل هذا الحكم قاس، ويشددون على ضرورة عودة أطفال الجهاديين إلى بلدهم ويرون أنها خطوة إنسانية تترجمها مبادئ الدستور الذي يفرض قبول كل التونسيين وقوانين حقوق الطفل التي صادقت عليها تونس.

ويؤكد مهيار حمادي، المندوب العام لحماية الطفولة، لـ”العرب” دعمه عودة الأطفال إلى محيطهم الطبيعي فالحكومة ملزمة بحماية أبنائها. ويشير إلى أن المندوبية تنسق مع وزارة الخارجية حتى تقع تسوية هذا الملف، لافتا إلى أن هناك إشكاليات في ما يخص إثبات أبوتهم.

ويؤكد أن الغاية من ذلك هي أن يجد هؤلاء الأطفال الاستقرار ويقع إدماجهم في الدراسة وتوفير الإحاطة النفسية لهم.

ويحذر خبراء من أن أولاد الجهاديين يعانون من صدمات تستلزم علاجا متخصصا من أطباء نفسيين بعد المشاهد المرعبة التي جعلتهم عرضة لنوبات غضب وكوابيس. وهم بحاجة ماسة إلى التفاتة إنسانية.

6