أطفال الشوارع

السبت 2016/02/06

كل الأيام متشابهة في العراق، إلا الموت فهو وحده الذي يتلون ويبدل جلده في الطرقات على شكل فقراء ومشردين ونازحين وشهداء ويائسين. لكن يوما واحدا يمكن أن يختصر كل هذه المشاهد في ملامح طفولة تنظر إلينا من بعيد فتجلدنا بسياط حاجاتها وعذاباتها ووحدتها، كلما لاحت لنا صورة في جريدة أو موقع إلكتروني أو داخل خبر في شريط أنباء مستعجل. وبسبب التقنية ومشتقاتها البغيضة، تأتيك المشاهد ساخنة وصادمة خرجت لتوها من شارع ارتدى دثار اللامبالاة وضاق بساكنيه.

الإحصاءات التي تتكئ على تخمينات غير واقعية وجهود فردية بسبب استحالة قياس الوجع البشري تعجز عن ملاحقة كل هذه المشاهد وتوثيق الآلام والحسرات التي يهديها الآلاف من الأطفال المشردين إلى كاميرات هواتف مصابة بالعمى، لا تستطيع أن تتابع بدقة مسارات الوجع الذي يفتك بأصحاب هذه القلوب الفتية. مليون طفل وأكثر، لم يعد هذا مهما، فطفل واحد مشرد يساوي ملايين علامات الاستفهام والتعجب التي تقفز إلى ملامحنا كلما طالعتنا هذه الصور.

قصة قديمة تتكرر كل يوم. طفلة عراقية صاحبة 13 عاما لا ربيع فيها، تعيش وتنام في الشارع ولا تملك سوى سرير مهترئ ودمية بلا ملامح، ولكن لا أوراق ثبوتية لديها ولهذا تعرقلت عملية انتشالها من الشارع ومحاولة إيوائها أكثر من مرة. كانت الطفلة اليتيمة تعيش في كنف سيدة كريمة تكفلت برعايتها، إلا أنها توفيت مؤخرا فكان الشارع ملاذها البديل.

في بعض الأماكن الساخنة من العالم، يحتاج الصغار إلى رعاية خاصة لا يحتاجها الكبار، فالصغار كائنات عزل لا يمتلكون سلاحا مناسبا لمقارعة وحوش الحروب والفاقة، كما أنهم لا يجيدون قراءة العلامات التحذيرية فيقعون في شرك الكراهية والشرّ، كلما خطوا خارج أسوار الحماية الأسرية ليتحولوا بسهولة وانسيابية إلى أيتام ومشردين. ولهذا حاولت بعض المنظمات الدولية على مدى التاريخ، الالتفات إلى هذه الحقيقة الشائكة بتبني الاتفاقات التي تلزم بعض دول العالم وزعمائها بتحمل المسؤولية الكاملة لحماية هؤلاء ومد يد المساعدة لهم متى ما كانوا بحاجة إليها.

في أحد بنود اتفاقية حقوق الطفل العالمية، التي تُعرف الطفل على أنه كل كائن بشري لم يتجاوز الثامنة عشرة، تلزم الدول بتوفير حماية ومساعدة خاصتين للطفل المحروم بصفة مؤقتة أو دائمة من بيئته العائلية لأي سبب كان، ويمكن أن تشمل هذه الرعاية جملة أمور منها، الحضانة، أو الكفالة الواردة في القانون، التبني، أو عند الضرورة يوفر له حق الإقامة في مؤسسات مناسبة لرعاية الأطفال.

وعند النظر في الحلول، ينبغي إيلاء الاعتبار الواجب لأهمية الاستمرارية في تربية الطفل بمراعاة خلفيته الإثنية والدينية والثقافية واللغوية. كما تتعهد الدول الموقعة على بنود الاتفاقية باحترام حق الطفل في الحفاظ على هويته بما في ذلك جنسيته، واسمه، على النحو الذي يقره القانون، فإذا حرم أي طفل لسبب ما من بعض أو كل عناصر هويته، فيتعين على الدولة تقديم المساعدة والحماية المناسبتين للإسراع بإعادة إثبات هويته.

سنة كاملة والطفلة الجميلة تنام على سرير في الشارع، ولم يشعر بها أحد سوى قلة من المحسنين الذين سعوا لانتشالها من مصير مجهول وقاتم لكنهم صدموا، بسبب إجراءات سخيفة وتعنت جهاز إداري فاشل لا يعترف بالإنسان ولا يراه سوى في أوراق ثبوتية وبطاقة هوية فاشلة. تم إنقاذ الطفلة من الشارع بجهود إنسانية فردية، رغم أنف الروتين، لكن أطفالا غيرها ما زالوا سكانا دائمين في شوارع الفاقة والإهمال واللامبالاة، فمن ينتشلهم؟

21