أطفال الشوارع.. بين خيال الأدباء وظلم الواقع

الاثنين 2013/12/02
المناطق العشوائية بؤر لأطفال الشوارع

القاهرة- أطفال الشوارع ظاهرة انتشرت في العالم كله وليس في دول العالم الثالث فقط، إلا أن هذه الظاهرة أشاعت الفوضى في بلدان الربيع العربي بعد أن انفجرت فيها ثورات الغضب واحدة تلو الأخرى، حيث وجد هؤلاء الأطفال في مناخ الثورات تربة خصبة لانتشار أفعالهم الصبيانية غير المحسوبة حتى أصبحت ظاهرة ضد القانون. اتخذ أدباء الغرب والعرب من هذه الظاهرة مادة ثرية لأعمالهم الأدبية، مؤكدين أن هناك علاقة وطيدة لا تنقطع بين الأدب والمجتمع.

ويعد الكاتب الإنكليزي تشارلز ديكنز من أوائل الكُتَّاب الذين رصدوا هذه الظاهرة، ولفتوا الأنظار إليها.. ففي عام 1837 بدأ ديكنز كتابة رواية أوليفر تويست، وهي أول رواية يصور فيها ديكنز الشرور الاجتماعية والظروف الرهيبة في الملاجئ والإصلاحيات، والرواية تصور عالم لندن الإجرامي الخفي على نحو حي، موضحا كيف يدخل أطفال الشوارع بسهولة بالغة عالم الجريمة تحت تأثير الكبار الذين يستغلونهم لمصلحتهم الشخصية.

وأوليفر تويست بطل الرواية طفل عمره 9 سنوات. يعيش في هذا العالم فريسة للعذاب والجوع، يزدريه الناس بعد أن ماتت أمه، وهي تضعه، تربى في دار خيرية، كان من المفترض أنها توفر المأوى والغذاء لمن يلجأ إليها، ولكن ما وفرته لذلك الطفل هو ألوان من العذاب، والجوع والقهر، حيث عانى من ازدواجية مجلس الإدارة المكون من عشرة أشخاص.. يتوسطهم رجل أضخم منهم تنبأ بأن أوليفر ستكون خاتمته حبل المشنقة لمجرد أنه تجرأ وطلب قدرا آخر من الحساء.. هذا الفصام الاجتماعي هو الذي دفع به إلى الشارع.

ووصفت إحدى المشرفات على برامج إغاثة أطفال الشوارع في المكسيك مسرحية من الشارع لـ"دافيلا"، بأنها محاولة شجاعة لتسليط الأضواء على شريحة مهمة من المجتمع، كذلك الكاتبة الألمانية كورنيليافونكه في روايتها "إله اللصوص"، و"حكاية أطفال شوارع مدينة البندقية". والكاتبة المصرية سامية خضر في مجموعتها القصصية "حوار لن يعلن أبدا"، وقصتها "سقط ولم يعد".

وما كتبه الروائي السوداني منصور الصويم عن أطفال الشوارع في رواية "ذاكرة شرير"، ومرثية أطفال الشوارع للشاعر المغربي بن يونس ماجن بعنوان "هم الآن يكنسون الرذاذ"، فهو يرى التسول والتسكع توأمين سياحيين يسكنان بذاكرة الشوارع، أما الفقر والجهل فهما رفيقان في العوز والعتمة.

ويتعرف قارئ رواية "تغريد البجعة" للأديب سعيد مكاوي، ورواية "مواقيت الصمت" للأديب خليل الجيزاوي على ملامح أولئك المهمشين المنسيين من أبناء الفقر والصمت.

آن الأوان أن نزيح اللثام عن مشكلات وإفرازات بعض الأسر المتدنية المعيشة والثقافة والاقتصاد التي غالبا ما يكون الإنجاب لديها دون تخطيط، وتحاول أن تجد حلا لهذه المشكلات الكبيرة.

بدأت المشكلة بالقبض، على سفاح أطفال الشوارع الذي عرف بالتوربيني، ثم توالت الإشكاليات، فظهر مجرم آخر في مكان آخر، وأكثر من توربيني.. اتهم بتعذيب الأطفال الصغار وقتلهم، والتخلص منهم، وظهرت عيادات تتاجر بأعضاء من أجساد أطفال الشوارع؛ حيث تحول طفل الشارع إلى قطع غيار بشرية.. بالإضافة إلى ما قامت به الشرطة من فتح ملفات ضخمة لعصابات محلية، ودولية تقوم بالاتجار بالأطفال من خلال الترحيل والنقل، والتزوير إلى عدة دول.. إنها مأساة عصر صعب.. طفل الشارع نتاج فقر وبؤس وتفكك ورفض عائلي وطلاق وتعدد زوجات وتسرب من التعليم وعمالة أطفال وعنف وزيادة سكانية يرتفع فيها معدل الإعالة..

طفل الشارع يفرز أيضا عدة أمراض اجتماعية، مثل الإدمان والاتجار بالمخدرات، والعلاقات الجنسية الجماعية، والسرقة والجريمة التي تصل إلى حدّ القتل والتعذيب.

طفل الشارع نتاج فقر وبؤس وتفكك ورفض عائلي وطلاق وتعدد للزوجات وتسرب من التعليم وعمالة أطفال وعنف وزيادة سكانية يرتفع فيها معدل الإعالة

أطفال الشوارع مشكلة كبرت وترعرعت على الأرصفة أو في الحدائق العامة أو مواسير المياه أو داخل الخرابات والعشوائيات، مما يؤكد أن أجيالا أخرى ظهرت واستمرت، وكونت عدة جماعات تستغل من قبل العصابات والمطاردين والخارجين عن القانون.. إن لم يكن بعضهم قد تحول إلى فئة خطيرة.

يجب على الجامعات وعلماء الاجتماع والحقوق والنفس والدراما والإعلام والطب والشرطة والتضامن الاجتماعي، والجمعيات الأهلية محاصرتها بالدراسة والتفحص، والعلاج بعد أن تفاقمت المشكلة وأصبحت عمالة الأطفال وحدها تكلف الدولة أكثر من عشرة مليارات جنيه سنويا، أي 28 مليون جنيه يوميا.. إذا أدركنا ذلك عرفنا فداحة مشكلة أطفال الشوارع، فالإحصائيات تؤكد زيادة حجم الجنح المتصلة بتعرض أطفال الشوارع لانتهاك القانون، فالسرقة تمثل نسبة 56 بالمئة، والتشرد 5.16 بالمئة، وعدد أطفال الشوارع تبعا لخبراء المجتمع المدني لا يقل عن 3 ملايين طفل وتضم مدينة القاهرة، خاصة وسط البلد وحدها 31.6 بالمئة منهم.. تليها بورسعيد 16.8 بالمئة وتعتبر المناطق العشوائية بؤرا لكثير من الأمراض الاجتماعية ويتوقع تقرير التنمية البشرية ارتفاع نسبة الفقر من 4.6 بالمئة في عام 2005 إلى 6.7 بالمئة عام 2015؛ بسبب تزايد المناطق العشوائية.

نحن نعيش اليوم في عالم هيمنت عليه قوى الشر عبر وسائل الاتصالات، وتمكنت من خلق إعاقات تسمح للعنف بالنمو في أحشائه، وفي هذا العالم 130 مليون طفل ليست لديهم أسر ينعمون بدفء عواطفها، بل يعيشون في ظروف خطيرة والاستغلال السيِّئ يبطش بـ 100 مليون منهم، و13مليونا تخطفهم المنايا سنويا بسبب سوء التغذية، والأدهى والأمر أن مليون طفل أرغموا على العمل بالدعارة.

هذه الأرقام المرعبة نشرتها منظمة "اليونيسيف"، مؤكدة أن الذكور يمثلون 75 بالمئة من هؤلاء الأطفال المشردين في الشوارع، وأن معظمهم تتراوح أعمارهم ما بين 10 إلى 15 سنة.

وفي دراسة مقدمة من اليونيسيف قدرت عدد أطفال الشوارع في مدينة صنعاء في نهاية عام 2000 بحوالي 29 ألف طفل وطفلة، وتقدر تحليلات عام 1997 المعدة من قبل اليونيسيف والبنك الدولي لأوضاع الأطفال العاملين في شوارع صنعاء ما بين 3000 و 6000 طفل.

وفي المغرب كان تعداد أطفال الشوارع 234 ألف طفل، وتنفي الأردن التقارير الرسمية لهذه الظاهرة، وتؤكد أن تعدادهم لا يزيد عن ألف طفل، وتشير التقارير الدولية الرسمية في المملكة العربية السعودية إلى أن أعدادهم تمثل أقل نسبة في دول العالم كله، وهناك اهتمام بالعلاج حيث ينظم مستشفى الملك فيصل التخصصي، ومركز الأبحاث في الرياض ندوات ضمت متخصصين من الولايات المتحدة الأميركية وكندا والسعودية وشددت الندوة على إنشاء لجنة وطنية لحماية الأطفال.

ذكرت جمعية كاريتاس وهي مركز ديموغرافي تابع لهيئة كاريتاس العالمية، والمسجلة في وزارة الشؤون الاجتماعية المصرية أن عدد الأطفال المشردين من 1.5 إلى 2 مليون طفل في المدن المصرية.

21