أطفال الشوارع في مصر مآسٍ تجوب الأرض ليل نهار

باحثون يحذرون من الـ"غموض" في قوانين مكافحة التسول بمصر، خصوصا وأنها تعتبر وجود المتسولين في الشارع غير قانوني ما يجعلهم أكثر عرضة للخطر.
الأربعاء 2020/07/15
أطفال يحتاجون إلى رعاية

أثرت جائحة كورونا على الأغنياء في مصر كما أثرت على الفقراء، لكن أطفال الشوارع والمشردين كانوا أكثر ضحايا الوباء الذي تفشى في أنحاء العالم، ويحاول ملجأ مؤقت وسط القاهرة تخفيف معاناة هؤلاء وحمايتهم من الإصابة بالفايروس التي يمكن أن تودي بحياتهم في ظل غياب السلطات.

القاهرة- بين شوارع القاهرة الصاخبة والمزدحمة تحاول زينب كسب قوت يومها من خلال بيع المناديل الورقية للمارة وأصحاب السيارات، وهي من بين آلاف أطفال الشوارع في مصر الذين يعانون من الفقر الشديد وسط جائحة فايروس كورونا.

وبينما تحاول الاعتناء برضيعها عبدالله الذي يبلغ من العمر عاما، تروي زينب معاناتها من مشكلة كيفية تغطية نفقاتها أثناء فترة الوباء.

وفي ملجأ مؤقت للفقراء في حي العباسية بوسط القاهرة، أوضحت الشابة العشرينية مدى تأثير تفشي فايروس كورونا عليهم قائلة إن “اعتداءات الناس أصبحت أقل لأنهم يخافون (من الإصابة)… ولكن أيضا أصبحت لدينا فرص عمل أقل وأموال أقل”.

ولا يعرف العاملون في الملجأ الأعمار الحقيقية للأطفال الذين يترددون عليهم لأنهم يفضّلون عدم الكشف عنها. ويعيش تحت خط الفقر ما يقرب من ثلث سكان مصر البالغ عددهم 100 مليون نسمة .

وأفاد خبراء، بأن أطفال الشوارع هم في أدنى درجات السلم الاجتماعي في مصر ويتعرض العديد منهم للعنف اللفظي والجسدي والجنسي.

وحتى الآن لم يتم الإعلان رسميا عن حالات إصابة بفايروس كورونا مكتشفة بالتحديد بين أطفال الشوارع في مصر التي سجّلت أكثر من 80 ألف حالة إصابة بينها قرابة أربعة آلاف حالة وفاة، بحسب إحصاءات وزارة الصحة.

عالم الموت الذي لا يحق لأطفال الشوارع فيه الشعور بالأسى
عالم الموت الذي لا يحق لأطفال الشوارع فيه الشعور بالأسى

في عام 2014 قدرت السلطات المصرية أن هناك حوالي 16 ألفا من أطفال الشوارع في جميع أنحاء البلاد، لكن هذه الإحصائية منقوصة مقارنة بعددهم الحقيقي، حسب قول جوناثان كريكس، مسؤول الاتصالات في مكتب مصر التابع لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف).

وغالبًا ما يتألف أطفال الشوارع من عدة أجيال تعيش بلا مأوى، أو مسكن، قد يسهّل الاتصال بهم. ومعظمهم مستبعدون من سجلات الأحوال المدنية ما يجعل عملية توثيق بياناتهم مهمة صعبة.

يقول يوسف باستاوروس مدير إحدى منظمات العمل الأهلي الفرنسية، “ساموسوسيال انترناشيونال” التي تُعنى بالعديد من أطفال الشوارع في مصر، “إنهم معزولون والسكان بشكل عام يتجنبونهم، ما تسبب في تضرر دخلهم الضئيل”.

وأوضح مسؤول وزارة التضامن الاجتماعي المصرية محمد شاكر، أن برنامجًا وطنيًا أُطلق عليه اسم “أطفال بلا مأوى” تم إطلاقه في 2016، ويهدف إلى “إدماجهم في المجتمع” و”التخلي عن سلوك الشارع”.

ويوجّه هذا البرنامج 17 وحدة متنقلة في جميع أنحاء البلاد لتلبية احتياجات أطفال الشوارع. وبحذر، كان الصبي الصغير كريم يسير إلى وحدة العباسية المتنقلة للحصول على وجبة خفيفة.

وبعد أن فكر في الإجابة مدة ثوان، قال كريم إنه يبلغ من العمر 12 عامًا، وأضاف “لقد جئت إلى هنا من أجل اللعب، فقد اشتقت إلى المدرسة”. وذكر أنه “منذ أن تم إغلاقها، نسيت كل شيء. قبل ذلك، كنت أتعلم القراءة وعدّ الأرقام”.

وكانت الحكومة المصرية اتخذت نهاية مارس الماضي عدة قرارات تقضي بإغلاق مؤسسات وإيقاف الكثير من الأنشطة، لمكافحة فايروس كورونا المستجد، وبدأت بتخفيف الإجراءات تدريجيا منذ نهاية مايو. ولا يزال هذا الصبي الضعيف ينام في إحدى الحدائق العامة ويكسب رزقه من خلال تنظيف زجاج السيارات في الشوارع.

وأثر تفشي كورونا على المساعدة الإنسانية المقدمة للأطفال الذين يعانون بالفعل بسبب الأحوال الاقتصادية الناتجة عن الوباء.

وكانت مصر قد حصلت مؤخرًا على أكثر من 7 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي لوقف التباطؤ الاقتصادي الناجم عن الأزمة الصحية ولكن ما سيتم تخصيصه لوزارة التضامن الاجتماعي مازال غير واضح.

كورونا تعمّق أزمة أطفال الشوارع
كورونا تعمّق أزمة أطفال الشوارع

ودفعت هذه الأزمة الاقتصادية منظمات العمل الخيري إلى التركيز على القضايا الصحية لأطفال الشوارع باعتبارها مصدرا للقلق. ويقول باستاوروس “نحن نوضّح لهم (أطفال الشوارع) الأمور الصحية، ونوزع الأقنعة ونشرح لهم كيفية غسل أيديهم”.

وفاقم إغلاق المساجد والكنائس من جانب السلطات، كجزء من التدابير الاحترازية للحد من تفشي وباء كورونا، معاناة أطفال الشوارع حيث كانت توفر هذه المؤسسات ملاذًا ضروريًا للأطفال من ناحية النظافة الشخصية.

وكان قرار السلطات إلغاء حظر التجوال في أواخر يونيو، بمثابة متنفس للآلاف من الأطفال اليائسين خصوصا مع إعادة فتح المقاهي والمطاعم، حيث يمكنهم ممارسة أنشطتهم للحصول على المال سواء عبر التسول أو بيع الحلي والمناديل الورقية. وتقول مريم هشام، الباحثة المتخصصة في قضايا أطفال الشوارع ، إنهم معرضون بشكل خاص للمرض وكثيراً ما يتعرضون للمضايقة من قبل السلطات التي تجوب شوارع مصر.

وأشارت إلى أن مبادرة “أطفال بلا مأوى” تعاني من بعض أوجه القصور لأن الدولة معنية أساسا بـ“القضاء على الظاهرة” بدلاً من التخفيف من حدة الفقر. وفي بحث أكاديمي لها كتبت هشام أن “القاهرة هي عالم الموت الذي لا يحق لأطفال الشوارع فيه الشعور بالأسى”.

وحذّرت هشام من أن هناك “غموضا” في قوانين مكافحة التسول، وخصوصا أنها تعتبر تواجد المتسولين في الشارع غير قانوني ما يجعلهم، فضلا عن تهميشهم في المجتمع، أكثر عرضة للخطر. وتقول إن “الشرطة تتعامل معهم بالفعل مثل النفايات”.

20