أطفال العراق يضعون مستقبلهم على قارعة الطريق

منذ سنوات يعاني العراقيون من شظف العيش وارتفاع مستوى الفقر ما أجبر البعض منهم على الدفع بأطفاله إلى العمل أو التسول، وهي ظاهرة تنتشر كثيرا في العائلات التي فقدت أحد الوالدين أو نزحت من القرى إلى المدن.
الجمعة 2017/03/03
أطفال بلا غد

بغداد - قدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة يونيسف أن أكثر من نصف مليون طفل عراقي منخرطون في سوق العمل وآخرون امتهنوا التسول عوض الذهاب إلى المدارس وسط تراجع في دخل العائلات بسبب العنف والنزوح.

ورغم أن القانون العراقي يحدد سن 15 عاما كحد أدنى للعمل كما فرض شروطا وقدم ضمانات للعاملين بين 15 و18 عاما، فإن هذه القانون بقي حبيسة الأوراق وبعيدا عن التطبيق، إذ فرض الواقع الاقتصادي على الأطفال الخروج للعمل، حيث تستعين الكثير من العائلات بأطفالها من أجل لقمة العيش.

وعلى الرغم من برامج مكافحة ظاهرة عمالة الأطفال التي أعدتها وزارة العمل، باعتبارها الجهة الرقابية الأولى المسؤولة، إلا أنها تقر بصعوبة السيطرة على “أطفال الشوارع، حيث غالبا ما تصطدم عمليات مراقبتهم ببؤر وعصابات منظمة تكون وراء تشغيلهم.

ومن أهم المشكلات الأساسية التي تدفع الأطفال إلى ترك الدراسة والانخراط في العمل أو التسول، الفقر المدقع للغالبية العظمى من الفئات الاجتماعية العراقية رغم الخيرات العظيمة التي يزخر بها هذا البلد وأولها النفط. ومثلت البطالة عاملا أساسيا يضغط على الأطفال، علما وأنه لا يتوافر أي ضمان اجتماعي حتى في المجال التعليمي، حيث طغت الأمية وانتشر الجهل، فبات العراق يحتل مراتب متأخرة في التصنيف العالمي للدول، من حيث الأداء والخدمات واحترام الأطفال واحتياجاتهم.

وعلى الرغم من أن قانون العمل النافذ حدد شروطا لعمل الأحداث ويعاقب من يخالفها، كما يقول المحامي أحمد خميس، لكنه يؤكد أن “لا نص عقابيا ضد من يقوم بتشغيل الأحداث وإنما هناك عقوبات لصاحب العمل الذي لا يطبق ضمانات حماية الأحداث”.

التسول علىا قارعة الطريق

وعن هذه العقوبات يفيد بأن “قانون العمل نص على فرض غرامات ضد مخالفي أحكام القانون”، موضحا أن “هذه الغرامات تتفاوت من حالة إلى أخرى”.

وقالت مسؤول مكافحة عمالة الأطفال في العراق دنيا عبيس إن “وزارة العمل تراقب عمالة الأطفال للأعمار المسموح بها وتفرض غرامات على مخالفيها من أصحاب المشاغل، كما أحالت الكثير منهم على المحاكم”.

وأضافت عبيس أن “هناك شروطا لعمالة الأطفال من سن الـ15 إلى الـ18 وهناك 78 مهنة ممنوعة عنهم”، مشيرة إلى أن “وزارة العمل لديها مشاريع عديدة مع وزارة التربية ونجحت في إعادة الكثير من الأطفال إلى مدارسهم بعد تسرّبهم منها للانخراط في عدة أعمال لا تتناسب معهم”.

وأشارت عبيس إلى أن “خلطا يحصل بين عمالة الأطفال وما يسمون بأطفال الشوارع، وأقرت بـ”صعوبة السيطرة على أطفال الشوارع لأن وراء تشغيل بعضهم بؤرا مستفيدة وعصابات منظمة”، لافتة إلى أن الوزارة “تجري جولات ميدانية مستمرة للسيطرة على هؤلاء من خلال تدوين معلوماتهم ومحاولة ثنيهم عن العمل في الشارع عبر إيجاد فرص عمل أخرى أو إرجاعهم إلى مقاعد الدراسة”.

وعلى الرغم من وجود هذه القوانين التي تحمي الأطفال إلا أن المحامي عبدالخالق العتابي يراها “عبارة عن حبر على ورق” وبعيدة عن التطبيق.

ويقول العتابي إن “القوانين تختلف عن الواقع، فعلى سبيل المثال لو طبق قانون التعليم الإلزامي بشكل صحيح سيصبح الأطفال تحت رعاية الدولة وتتكلف الأخيرة بكل احتياجاتهم وتبعد حاجتهم إلى العمل”.

العمل لكسب لقمة خبز في طروف قاسية

وفيما يشكو العتابي “غياب الرقابة والمتابعة لعمالة الأطفال”، فإنه في المقابل يقر بـ”أهمية هذا الموضوع الذي يحتاج إلى وقفة جادة من السلطات العليا في البلاد”.

الحاجة تبرر الوسيلة

ترجع العديد من الدراسات الاجتماعية عمالة الأطفال وتسولهم إلى المشكلات الاجتماعية ومنها الطلاق أو تخلي أحد الوالدين أو وفاتهما أو إهمالهما لأطفالهما، إضافة إلى سوء المعاملة. وتقر هذه الدراسات بأن الظاهرة في العراق لها أبعادها الخاصة ولها أسبابها ومسبباتها الكثيرة، لا سيما أن عقودا من الزمن عاشها أطفال العراق تحت وطأة القهر والاستبداد والتشرد، كانت سببا مباشرا في نزوح الآلاف منهم نحو العمالة في الشوارع وتعرض الكثير للتشريد واليتم والفاقة بسبب فقدان الأب أو أحد الوالدين.

ويؤكد باحثون اجتماعيون أن أعداد الأرامل والترمل المستمر في المجتمع العراقي دليل على عمق هذه المأساة وحجمها، حيث أشارت إحصائيات في هذا الصدد إلى وجود 3 ملايين أرملة في العراق، مما يعطي مؤشرا على حجم الأعداد الكبيرة للأطفال الذين يعانون من الحرمان والعيش الكريم، بل يجد الأطفال أنفسهم مدفوعين إلى العمل لمساعدة أهلهم على مواجهة قسوة الحياة.

والأشغال اليومية التي يقوم بها الأطفال هي في معظمها أعمال شاقة بل صعبة حتى على كبار السن كتحميل البضائع والاشتغال في الورشات الميكانيكية والمصانع الكيميائية الصغيرة، ومعامل صناعة الزجاج والأفران التي تبلغ درجة حرارتها أكثر من ألف درجة مئوية، ومن الأطفال من يعمل في أفران صناعة الطابق ومهن أخرى شاقة دفعتهم إليها الحاجة لإعالة أسرهم. ومنهم من يعمل في بيع المناديل الورقية عند إشارات المرور أو من يمسح زجاج السيارات ثم يطلب مقابلا لعمل لم يطلبه منه أحد.

ويعامل أصحاب العمل هؤلاء الأطفال بمنتهى القسوة والعنف، فيهربون منهم إلى الشارع ليمارسوا مهنة التسول، وبعض هؤلاء يكونون من أطفال الشوارع الذين لا أهل لهم، ينامون في الشوارع ويكونون عرضة للعصابات التي تجبرهم على التسول.

ويقول سامح، لم يتجاوز عمره 10 سنوات، “أتوجه صباح كل يوم إلى ورشة خاصة لتأجير عربات الدفع لأعمل وأكسب المال لي ولعائلتي المكونة من خمسة أفراد. نواجه أنا وزملائي في المهنة أحمالا ثقيلة يوميا وخطرة في نفس الوقت لا تتناسب مع أعمارنا وأحجامنا وخبرتنا في الحياة اليومية قليلة”.

20 بالمئة من مدارس العراق أغلقت بسبب الصراع ولم يعد بوسع نحو 3.5 مليون طفل في عمر الدراسة الذهاب للتعلم

وبدوره يقول خضير (12 عاما) الذي يعمل في ورشة حدادة في بغداد “كنت مواظبا على دراستي فيما أقضي النصف الثاني من اليوم في العمل، فتركت المدرسة لأن مرتبي كان قليلا”، مضيفا “بعد أن تركت المدرسة أصبحت أحصل على أجرة أسبوعية كاملة.. أتمنى العودة إلى المدرسة لكي أتعلم وألعب مع أصدقائي.. أشعر بالسعادة إذا عدت لكي أتعلم القراءة والكتابة”.

فيما ألمح كرار البالغ من العمر (14 عاما) الذي يعمل في ورشة لإصلاح السيارات قائلا “أتيت من أجل أن أتعلم حرفة وهذا أفضل من المدرسة.. المتخرجون ما هي حقوقهم؟ أتعلم حرفة أفضل لي”.

وذكرت منظمة يونيسف أن نحو 10 بالمئة من أطفال العراق، أي 1.5 مليون طفل، أجبروا على النزوح منذ بداية 2014، بسبب العنف وسيطرة تنظيم داعش على مساحات كبيرة من شمال العراق وغربه في العام ذاته.

وأضافت المنظمة الأممية أن “20 بالمئة من مدارس العراق أغلقت بسبب الصراع ولم يعد بوسع نحو 3.5 مليون طفل في عمر الدراسة الذهاب للتعلم”.

أطفال فقدوا طفولتهم

التسول مهنة مستفحلة

تعتبر ظاهرة التسول من أخطر الظواهر الاجتماعية في العراق لما تخلفه من آثار سلبية على سلوك المتسول خصوصا الأطفال وتوازنهم النفسي واستقرارهم الأسري ومستقبلهم المهني.

ويقول خلدون صبحي، عضو جمعية حقوق الإنسان، إن “ظاهرة تسول الأطفال لازالت مستفحلة بشكل خطير داخل مجتمعنا العراقي بسبب الفقر والبؤس والبطالة والانحراف، والجهل والطلاق ومشكلات عائلية، إضافة إلى الهجرة القروية وانعدام الوعي الجماعي واعتبار التسول وسيلة للعيش وممارسته باعتباره يمثل عند البعض عملا يلتقط منه رزقه”. ويضيف “يتضح أن أكثر من نصف الأطفال 56 بالمئة هم من الذكور مقابل 44 بالمئة من الإناث. وتربطهم بالمرافقين في غالبية الأحيان روابط عائلية، أبوة، أخوة، قرابة عائلية، وعلى الرغم من ذلك، فقد صرح 15 بالمئة من الذين تم إخضاعهم للبحث بأنه يتم كراء الأطفال لمزاولة نشاطهم”. ويعد الفقر من العوامل الرئيسية التي تدفع إلى تعاطي التسول وتليه المشكلات الاجتماعية المترتبة في المقام الأول على سلوك الزوج مثل الطلاق أو الإهمال أو السجن.

ويقول الطفل هادي “أنا عمري 8 سنوات. تركت المدرسة من أجل العمل ولكي أساعد أمي بعدما طلقها والدي، ولكن أتمنى أن أعود إلى المدرسة لأن التسول شيء سيء والناس تعاملنا بصورة سيئة أشعر معها أنني لست من بني البشر”.

وقال الطفل أيهم “أنا عمري 10 سنوات. تركت المدرسة بعد طلاق والدي وأمي وكل واحد منهما تزوج وتركانا نحن الأطفال عند جدتي ونزلت أنا وكل إخوتي نبحث عن عمل لكن لم نجد أحدا يقبل بأن نعمل عنده، فبدأنا في التسول. التسول عمل سهل وبلا تعب ويمكننا من الحصول على الكثير من المال”. فيما يشير صديقه ظافر “أنا عمري 10 سنوات. لا أعرف أبي ولا أمي. هربت من الملجأ لأنني تعبت من الفقر، وقلت سأعمل وأصرف على نفسي وأبيع مناديل. أتولى بيع المناديل لكي أعيش، فالمعيشة صعبة جدا”. ويقترب الطفل أحمد (8 سنوات)، من أحد المارة متباكيا وهو يوحي للجميع بأنه يتضور جوعا ليحصل منهم على ثمن الطعام. وعن تجربته يقول “أعيش مع والدي بعد أن توفيت والدتي وتركتني مع شقيقتي. والدي هو الذي يجبرنا على التسول ويطلب منا أن نجمع له مبلغا لا يقل عن 20 ألف دينار يوميا، حيث نعمل جاهدين لتوفير ذلك المبلغ خوفا من العقاب”.

ظاهرة عمالة الأطفال وانتشار التسول لدى فئات واسعة منهم يستدعيان التفاتة حازمة من الحكومة والدوائر المختصة للحد منهما وإعادة بعضهم إلى المدارس أو إدماجهم في مدارس تكوين المهني تضمن لهم عيشا كريما في المستقبل أفضل من التيه في الشوارع وينتهي بهم الحال في أحضان الجريمة والإرهاب.

20