أطفال الفضائح.. آباء اقترفوا الجريمة وحصدآثارها الأبناء

الاثنين 2013/12/16
الفضيحة ثمرة تفكك أسري ينتج عنها إحباط اجتماعي ونفسي

القاهرة - الكثير من هؤلاء الأطفال تجبرهم الظروف على مواصلة طريق الانحراف والفضائح، ومنهم من يتحولون إلى مجرمين، والبعض منهم لا يستطيعون تحمل قسوة الفضيحة، ويهربون من أسرهم مفضلين طريق الضياع إلى الأبد، بينما بعضهم حتى وإن استطاعوا بطريقة أو بأخرى احتمال ضغوط الفضيحة، يصبحون أشخاص غير أسوياء من الناحية الاجتماعية، مهما كانت محاولات تأهيلهم النفسي والاجتماعي، والقليل منهم يختارون الانتحار.

من نماذج هذه الفضائح والتي ضحيتها طفل بريء يحكيها سمير هلال، بقوله: قد يكون من سوء حظ أي طفل أن يكون والداه أو أحدهما بطلا لفضيحة تلتصق بطفله، بلا أي ذنب منه فيظل يدفع ثمنها طوال عمره، فمنذ حوالي عامين كان أحد جيران أخي الأكبر مدمنا للمواد المخدرة؛ إلى درجة أنه كان يجازف بطفله الذي لم يتجاوز العاشرة، ويأمره بأن يذهب إلى أحد أصدقائه المشبوهين بالشارع المجاور ليجلب له بعضا من المخدرات، وبينما كان الطفل ذات مرة عند هذا الصديق داهمت الشرطة منزله، وألقت القبض على كل الموجودين، بمن فيهم هذا الطفل المسكين الذي ظل منبوذًا بين الجيران وأبنائهم، بسبب جريمة أبيه وتورطه بلا أي ذنب في جلب المخدرات له، دون أن يدري ما يفعل، ورغم براءته لكنه ظل طريد هذه الفضيحة التي أجبرته أن يترك تعليمه ويعيش شريدا، واضطر مع أمه إلى ترك الحي بأكمله ولم يعرف عنهما أحد بعد ذلك أي شيء! وحكى خالد صادق، موظف، عن مأساة ابنة أحد جيرانه قائلا: إن هؤلاء الأطفال ضحايا ومجني عليهم، مؤكدا أنها نموذج صارخ لإهمال الأب والأم، اللذين انهمكا في العمل وتركاها وعمرها لا يتجاوز سبع سنوات، فريسة لأحد أبناء الشوارع المراهقين، الذي اعتدى على براءتها عندما اغتصبها، ولم يرحم طفولتها.

ولم يفق والداها إلا على زلزال الفضيحة، فتفرغت أمها لرعايتها وأشفقنا جميعا على هذه الطفلة وأسرتها، بعدما وصل الأمر إلى الشرطة والنيابة والطب الشرعي، لكننا اعتقدنا أنه مجرد اختبار من السماء وكبوة، سرعان ما سيتم تجاوزهما بمرور الزمن، الذي رفض أن يكون طبيبا لجراح وآلام هذه المسكينة، فكانت كلمات أقرانها تطاردها كطلقات رصاص، فلا تجد سوى البكاء صديقا لها، خاصة عندما يسألونها عن اللص الذي هاجمها، وبعدما أصبحت في مرحلة المراهقة والأنوثة جذب جمالها الحزين أحد المراهقين الذي ظل يطاردها بطمعه فيها، بعد أن عرف أبعاد فضيحتها، لكنها ردته بقسوة، فأطلق عليها كلماته القاتلة ليذكرها بهذه الفضيحة، وأن الأمر أصبح بالنسبة لها سهلا، فقررت أن تقاطع مدرستها الثانوية دون أن تحكي عما يحدث معها، حتى تتجنب الفضيحة من جديد، وبمرور الأيام استأنفت حياتها مع المدرسة من جديد، لكنها كانت على موعد مع القدر عندما فوجئت بهذا الشيطان يحاول الانفراد بها واغتصابها، وتكررت الفضيحة بعدما عرف الناس أيضا بهذه المحاولة، وبدأ الهمس والقيل والقال عليها، وحاولت أسرتها التصدي لهذه الفضائح دون جدوى، حتى تقدم للزواج من هذه الفتاة رجل كهل وافقوا عليه، وقبل ذلك حرموها من الخروج أو مواصلة تعليمها الذي كان حلم حياتها، فلم تجد أمامها سوى الهروب والضياع في زخم الحياة القاسية، وهذا ما يؤكد أن هذه الفتاة ضحية حقيقية.

وتقول شيماء حسن: إن الطفل دائما مجني عليه، حتى لو كان هو نفسه بطل الفضيحة أو سببها؛ لأنه ببساطة لم ينضج بعد، ولا يستطيع التفرقة بين سلوكه وما هو مقبول أو مرفوض، ويجب على أبويه أن يقوما برعايته دائما، ويزرعا بداخله الوعي الكامل، وبالطبع الناس وكلامهم له دور أساسي في تعرض أي طفل لأية فضيحة، كما أن مجتمعاتنا العربية لا تغفر مطلقا أو تنسى الفضيحة، حتى لو كانت لطفل ربما يتخيل أنها قد ماتت وينساها، حتى إذا تعرض لموقف مشابه أو مرتبط بأحداثها يشعر بها، كأنها الماضي الشبح الذي يبعث من رحم الموت دون أية مقدمات، كما أنني أوجه دعوة للجميع أن يرحموا أطفال الفضائح لأنها فوق طاقاتهم.

وقال الدكتور أنور العدل أستاذ علم الاجتماع، إنه يشفق على هؤلاء الأطفال الذين تعني الفضيحة بالنسبة لهم قدرا اجتماعيا مريرا، يفتك بعضويتهم الاجتماعية السوية الحالية والوليدة بالمجتمع، ويقضي على علاقاتهم الاجتماعية المستقبلية؛ لأنهم يصبحون أعضاء منبوذين، والتعامل معهم يتم بقدر من القسوة، وإذا تتبعنا الفضيحة بالنسبة لهم، فهي في أحيان كثيرة تكون ثمرة تفكك أسري وإحباط اجتماعي ونفسي، أما إذا كان التفكك لاحقا للفضيحة؛ فالأمر يكون أكثر خطورة؛ لأنه ببساطة يعني أن مستقبل هؤلاء الأطفال لن تتم ترجمته من الناحية الاجتماعية في صورة أسرية سوية.

ويوضح الدكتور العدل، خطورة مشكلات أطفال الفضائح، مؤكدا أن علاقاتهم الاجتماعية تصبح أكثر تعقيدا وتحجيما، سواء بينهم وبين أسرهم، خاصة إذا حدثت احتكاكات مع إخوتهم وأخواتهم، وربما يذكرونهم بهذه الأحداث الاجتماعية السلبية، أو بينهم وبين أقرانهم، سواء في محيط الجيران أو الحي أو بينهم وبين أقاربهم ومعارفهم، أو مع أقرانهم في المؤسسات التعليمية، وكلها مع مرور الزمن يتم التعامل فيها على أساس الموت الاجتماعي على البطيء.

وتفسر الدكتورة فاتن شرف أستاذ علم النفس، أن الفضيحة لأي إنسان تعني هزة نفسية، وربما دمارا وبالنسبة إلى أي طفل هي صراع غير متكافئ، وتمزق نفسي شديد بين طفولته البريئة وبين تداعيات ونتائج هذه الفضيحة التي تطارده لفترة طويلة، ومجتمعاتنا بطبيعتها تعاني تناقضا في سيكولوجيتها الجماعية، فهي تميل للنسيان في أحداث معينة، أما الفضائح فهي غير قابلة للنسيان، وفيها تميل لتبني آراء متطرفة؛ لأنه يحدث نوع من الارتباط النفسي بين الفضيحة، كحدث نفسي سيئ، وبين كل ما هو سيئ، حتى لو ثبتت براءة الطفل منها، وهي نوع من جلد الذات والآخرين، وكل ما نطلبه ألا نتسرع في إصدار أحكام نفسية نهائية على هؤلاء الأطفال، خاصة إذا كان مجنيا عليهم، وأن نمنحهم فرصة أخرى حتى يصبحوا مواطنين أسوياء في المستقبل، القضية هامة وتحتاج إلى المزيد من المناقشة.

21