أطفال اللاجئين السوريين حرموا من التعليم فلقنوا دروسا للكبار

الخميس 2015/01/22
براء لاجئة سورية عمرها عشرة أعوام أصبحت معلمة في العراء

كترمايا (لبنان)- من بين 400 نازح سوري يسكنون 50 خيمة منصوبة وسط أرض زراعية ببلدة كترمايا في جبل لبنان تبرز الطفلة براء عنتر ذات السنوات العشر كمدرِّسة أطفال بعضهم يكبرها عمرا.

“الآنسة” براء كما ينادونها تجيد دور المعلمة، فهي تُحضّر ملفات تلاميذها بمنتهى الدقة وتهيّئ لكل واحد منهم الأسئلة على ورقته التي تحمل اسمه ولا تنسى أن تزين ملفات التلاميذ برسومها اليدوية، والتي تضعها فوق طاولة خشبية مهترئة تتراقص يُمنى ويُسرى.

أما مقاعد التلاميذ التقليدية فقد استبدلتها براء بحكم الظروف القاهرة بالحجر، كما استعاضت عن سبورة الحائط بالرسم بإصبعها في الهواء لتعليم كيفية كتابة الأحرف.

منذ أن نزحت عائلتها قبل ثلاث سنوات عن بلدتها كفر بطنا في ريف دمشق بسبب الحرب الدائرة هناك وحطت رحالها في المخيم في رحلة نزوح شملت أكثر من محطة وبراء تثابر على تعليم أطفال المخيم الذين حرموا من تلقي تعليمهم الأولي.

ولقي نحو 200 ألف شخص حتفهم بينما نزح ما يقرب من نصف سكان سوريا عن ديارهم جراء الحرب الأهلية التي انطلقت شرارتها منذ ما يقرب من أربع سنوات.

ما يقرب من نصف سكان سوريا نزحوا عن ديارهم جراء الحرب الأهلية

ويستضيف لبنان، الذي يقل عدد سكانه عن 5 ملايين شخص، أكثر من مليون لاجئ سوري ويسجل فيه أعلى معدل من اللاجئين على المستوى العالمي بالقياس إلى عدد سكانه.

ويعيش النازحون السوريون في لبنان في ظروف قاسية للغاية خصوصا في جو العواصف الثلجية التي تضرب الشرق الأوسط.

وفي جو بارد أقامت براء صفا دراسيا تحت شجرة سنديان في طرف المخيم، حيث كانت تعطي درسا باللغة الفرنسية لعشرة تلاميذ، وهي التي تتمتع بشخصية فيها مزيج من وقار الكبار وتسامح الأطفال، وتملك من الحب في قلوب تلاميذها ما يمكنها من فرض الانضباط أثناء الحصص.

وتقف فتاة صغيرة اسمها رندلي لتقول للمعلمة: “آنسة أنا عملت فرض الأبجدية”، وتضيف: “أنا أحب درس الآنسة براء، فهي تعلمنا دون أن تصرخ علينا”.

وفي الاستراحة وقبل الانتقال إلى درس اللغة العربية قالت براء ردا على سؤال عن الهدف من تعليم الأولاد: “لأني أحبهم ولا أريد أن يصبحوا جاهلين أدرسهم ما درسته أنا في المدرسة في سوريا”.

هي وإن كانت مدرّسة في المخيم لكنها تلميذة في نفس الوقت، فهي تذهب يوميا إلى مدرسة البلدة بدوام مسائي.

تختصر الأجوبة وعيناها ترمقان تلاميذها الذين ينتظرونها بفارغ الصبر وتقول: “في لبنان تعلمت الفرنسية وأحببتها وصرت أدرسها للصغار وأعلمهم بالفرنسية كل ما أتعلمه”.

وتشكو المعلمة الطفلة غياب أي دعم من أي جهة قائلة: “نكتب على وجهيْ الورق وليست لدينا أقلام بعدد التلاميذ لأن لا أحد يشتري لنا دفاتر ومستلزمات التدريس”.

براء تعطي درسا باللغة الفرنسية لتلاميذ المخيم تحت شجرة سنديان

وصدفة ينادي بعض من أهالي المخيم براء، فقد حضر للتو أحد الصحفيين حاملاً هدية لبراء تتمثل في سبورة صغيرة وعشرات الدفاتر وأقلام الرصاص والتلوين والبرايات والمحايات والكرتون والمساطر.

ويقول الصحفي الذي رفض ذكر اسمه: “لأن براء أثرت فيّ كثيرا عندما رأيتها خلال زيارتي للمخيم قبل يومين وهي تعطي الدروس لرفاقها بكل جدية وعزم، قررت أن أقدم لها هذه الهدية لشعوري بحاجتها الماسة إلى هذه الأدوات المدرسية”.

وطارت براء من الفرحة عند استلامها هبة الصحفي وأسرعت نحو “الصف” قائلة: “انظروا ماذا أحضروا لنا”، وجمعت الأوراق البيضاء من أيدي الأطفال ووزعت عليهم الدفاتر الجديدة وأقلام الرصاص والتلوين والقرطاسية، ثم طلبت منهم الهدوء وتوجهت إليهم بالقول: “هيا نكمل الدرس”، ثم طالبتهم بنسخ الأحرف الأبجدية لأكثر من مرة، كما قامت بتهجئة اسم كل منهم وكذلك أسماء المدن السورية الكبرى.

وقالت: “إن أغلى أمنياتي أن تنتهي الحرب في سوريا وأن أعود مع أهلي إلى البيت وإلى مدرستي هناك. إذا لم نعد إلى سوريا سنصبح مثل الفلسطينيين دون بلاد. مستحيلة الحياة هنا، أشعر أنني أسكن في البريّة”.

20