أطفال المعرض

يستمر قطاع النشر بالعالم العربي في إنتاج كتب، منها ما لا يميز بين الأعمار، ومنها ما لا يستطيع الخروج عن خطاب الإرشاد والموعظة، ومنها ما يفتقر لأدنى الشروط الجمالية المطلوبة في أعمال موجهة إلى قارئ ذكي واستثنائي.
السبت 2018/02/24
قارئ لا يجامل أبدا

كانوا هناك. ينسجون بكثير من الدهشة صفوفَهم الطويلة. يَلجون معرض الكتاب كجيش صغير. يقطعون المعرض طولا وعرضا بحثا عن كتاب ما. منهم من تسبقهم حيرتُهم تجاه فضاء شاسع يزورونه لأول مرة، ومنهم من جاء من أقصى مدن وقرى البلاد، ومنهم من يلمس الكِتاب لأول مرة.

إنهم أطفال المغرب الذين يُحوّلون الآن هويةَ المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء، خالقين الحدث. إذ يبدو مذهلا أن يمتلك أطفالٌ في العاشرة من عمرهم أو أقل هذه القدرة على تقسيم الرأي العام الثقافي إلى صفين أو أكثر. الأولُ لا يتردد في التعبير عن تضايقه من وجود الأطفال بهذا الحجم داخل المعرض. ويبدو من المفارق أن يكون على رأس هذا الصف عدد من الناشرين، وذلك بمبرر كون صفوف الأطفال تشوش على زبائنهم الحقيقيين. أما الصف الثاني فهو ينتصر لوجود الأطفال في المعرض، لأنهم ملحه الحقيقي ولأنهم يمنحون المعرض ألقا، ولأنهم بكل بساطة يحققون الآن حلم جيل جديد من القراء، في اللحظة التي تقاعد الكثيرون عن القراءة.

والأكيد أن حضورَ الأطفال في معرض الكتب بهذا الحجم ليس أمرا معزولا ولا حدثا عابرا. بل إنه يعكس بالتأكيد تَشكل شريحة كبرى من القراء المفترضين والحقيقيين. أما الأمر المفارقُ فهو أن تظل صناعة الكتاب بالبلد في موقع المتفرج، دون أن تمتلك الجرأة لالتقاط رسائل هذا التحول ولا الانتباه إلى حاجيات هؤلاء القراء.

ويبدو من المخجل أيضا ألّا يتجاوز عدد الدور المختصة في كتاب الطفل بالبلد أصابع اليد. كما يبدو غريبا أن ينحصر مجملُ ما صدر بالمغرب خلال نصف قرن في خمسمئة عنوان، وهو ما يوازي عشرة عناوين في السنة، في الوقت الذي تتجاوز إصدارات بلد كفرنسا، خلال السنة الواحدة فقط، العشرة آلاف عنوان، محتلة بذلك المجال الثاني على مستوى الإنتاج الثقافي العام، سواء من حيث العدد أو من حيث أرقام المعاملات.

ويبدو أن هذا الوضع هو امتداد لحداثة التجربة المغربية والعربية على مستوى صناعة نشر كتاب الطفل، والتي ما زالت تبحث، بكثير من الحيرة وبقليل من المهنية أحيانا، عن مكان لها داخل مشهد كوني يتسم بالتنافسية الكبرى. ففي الوقت الذي يعرف فيه العالم تطورا مذهلا على مستوى صناعة كتاب الطفل وإدماجَ كل الوسائل الجمالية والتقنية، وتعددا على مستوى أنواع الكتب حسب أعمار القرّاء، بمن فيهم الأطفال الذين وُلدوا للتوّ، يستمر قطاع النشر بالعالم العربي في إنتاج كتب، منها ما لا يميز بين الأعمار، ومنها ما لا يستطيع الخروج عن خطاب الإرشاد والموعظة، ومنها ما يفتقر لأدنى الشروط الجمالية المطلوبة في أعمال موجهة إلى قارئ ذكي واستثنائي لا يتنازل عن ذوقه الخاص ولا يجامل أبدا. كما قد نفعل نحن.

15