أطفال المقابر في مصر.. انتهاك البراءة وسط الشواهد

يشب أطفال المقابر في مصر على حياة ممزقة، بين تجاهل حكومي وتقاعس مجتمعي، ومع أن حناجر المسؤولين تنتفخ دوما بالإعلان عن حملات دورية لإنقاذ هؤلاء الضحايا، إلا أن الحلول الجذرية غائبة، ما يضع المجتمع تحت تهديد قنابل موقوتة.
الثلاثاء 2018/01/30
براءة ضائعة

منذ فترة وجيزة انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لأسرة كاملة تعيش وسط المقابر، وإذا كان هذا الحال مستمرا في مصر منذ العشرات من السنين فإن هذا المقطع الذي صور سبعة أطفال في مشهد درامي، يعيد تسليط الضوء على وضع مأساوي، يعاني فيه الأبرياء الصغار وسط هجوم الثعالب والثعابين والكلاب الضالة، ويهرولون إلى مواراة شقيقتهم الرضيعة فوق خزانة الملابس خوفا من الحيوانات المفترسة.

تنفرد مصر دون غيرها من دول العالم بظاهرة سكن الأحياء مع الأموات في المقابر، ومزاحمتهم في مثواهم الأخير، لأسباب عديدة، منها انخفاض أسعار الإيجارات أو الهروب من ضجيج المدينة ونفوس ساكنيها، لكن أبرز معالم هذه الظاهرة الأطفال الذين تتفتح أعينهم على مجتمع قد يحوّلهم إلى مجرمين، أو يعرضهم إلى أقسى أنواع الانتهاك النفسي والبدني، حتى عندما يصبحون كبارا لا مجال للاعتراض، لأنهم اجتازوا مرحلة رفاهية الاختيار إلى مرحلة الاعتياد.

تلك الحياة الصعبة تسلب براءة الأطفال يوما بعد يوم، دون أن يشعر أحد بالحالة النفسية التي يمكن أن يكونوا عليها، في ظل طفولة ممزقة بين تجاهل حكومي وتقاعس مجتمعي، دون تقديم الحلول الجذرية الناجحة، كما يغفل المسؤولون عن أن هذا الوضع المأساوي ما هو إلا قنابل موقوتة تنذر بمشروع مجرم صغير.

الجريمة المتكررة التي يشاهدها أطفال المقابر ترسخ العنف في أذهانهم، وتقود مخالطة المجرمين في هذه المناطق من متعاطي المخدرات والفارين من العدالة، الطفل إلى الاعتياد على التقليد

ويعتبر هذا المناخ بيئة خصبة لانتشار المخدرات والجريمة والدعارة وتجارة الأعضاء واغتصاب القٌصّر، نظرا لغياب الرقابة الأمنية في تلك الأماكن المصنفة منطقة خطرة.

وبحسب تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة، فإن الفقر يقتل طفلا كل ثلاث ثوان، ويعيش أكثر من مليوني شخص بأقل من دولار واحد يوميا.

وفي مصر تتمثل خطة إنقاذ أطفال المقابر في وعود تنتفخ بها حناجر المسؤولين، معلنة عن حملات دورية وجهود حثيثة لبحث قضية العشوائيات وتعويض ساكنيها بدلا عنها مساكنَ ملائمةً، مع تطويرها عمرانيا بما يليق بمكانة مصر وتجميل وجهها الحضاري، مشددين على أن عمليات الإحلال تجري على قدم وساق، في ظل غياب كامل لبحث معضلة أطفال المقابر.

تشير البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إلى أن حوالي ثلاثة ملايين شخص يسكنون وسط المقابر في دولة تخطى عدد سكانها المئة مليون نسمة.

ورغم أن ظاهرة أطفال الشوارع خضعت لأبحاث ودراسات عديدة، إلا أن الأطفال من ساكني المقابر، لم تتم دراسة أوضاعهم النفسية والاجتماعية، ولا تزال هذه الظاهرة الخطيرة تعاني شح الدراسات.

يلعب الطفل أحمد صاحب الست سنوات مع صديقه كريم ببقايا عظام من مقبرة متهدمة، وقد ضاعت براءة وجهه بفعل ذرات غبار تطايرت من تراب “الجبانات”، لكن حديثه لـ”العرب” جاء مأساويا بشكل يفوق المتوقع، ليؤكد على أن راحة البال لا تعرف طريقها إلى الصغير.

وقال أحمد إنه يحلم بأن الموتى الذين يدفنون في الصباح، يلهثون خلفه في الأحلام ملتفين بأقمشة بيضاء، ما يجعله يستيقظ مفزوعا وقد بللت ملابسه بتبول لا إرادي، لافتا إلى أن أمه تفزع من نومها لتحتضنه وتقوم بتغيير الملابس قبل أن يستسلم للنوم ثانية.

أما صديقه كريم صاحب السنوات العشر، فقد كشف صغر سنه عن أمنية جاءته مبكرا بسبب ما يعانيه، وقال لـ”العرب” إنه يحلم بالهجرة إلى بلاد بعيدة في البحر، مثل خاله الذي سافر منذ عدة سنوات، ساخطا على وضع مأساوي لم يمكنه من الالتحاق بالتعليم، حتى أن زميله الذي يدرس بالمرحلة الإعدادية يشكو من بعد المسافة بين مدرسته وسكنه في المقابر. في كتابها “السلطة والفقر” تناولت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس الدكتورة سامية خضر ظاهرة سكان المقابر وأفردت لها بابا كاملا، لذا سعت “العرب” لمعرفة كيف يفكر الأكاديمي في الحلول التي بإمكانها أن تنتشل هؤلاء الصغار.

مصر تنفرد دون غيرها من دول العالم بظاهرة سكن الأحياء مع الأموات في المقابر، ومزاحمتهم في مثواهم الأخير

أكدت خضر أن القضية كارثية وتفتقر إلى الحلول الجذرية، لأن الجميع يناقش ويحلل ويشجب ويستنكر، دون وضع رؤى واضحة على طريق الحل، وحتى الآن لم تجد دورا قويا للدولة بشأن هذه المعضلة، لا سيما أن المسؤولين يكتفون بمبرر أنهم ورثوا تركة ثقيلة، والعشوائيات صداع في رأس الحكومات.

ولفتت أستاذة علم الاجتماع، في حديثها مع “العرب”، إلى أن الآثار الاجتماعية المترتبة على نشأة هؤلاء الصغار وسط المقابر، تنذر بحالات نفسية مشوهة في أماكن تمارس فيها كافة أنواع الجرائم، فضلا عن نشأتهم في عزلة، ويتسبب ذلك في تعزيز الحقد بداخلهم تجاه المجتمع الخارجي الذي يعيش مستمتعا بحياة سوية ومحتكرا لثروات البلاد، من وجهة نظرهم.

هذه الأفكار التي يتربى عليها الأطفال تجعل كل واحد منهم مشروع مجرم صغير، بسبب محاولته الدائمة سرقة ما يصفه بحقه المشروع ممن حوله، كما أنه يفقد انتماءه إلى الوطن ووعيه بجسده. ويسهل ذلك انتهاك طفولة هؤلاء الصغار واستغلالهم جسديا، لذلك تحتفظ عقولهم بفكرة الثأر من هذا المجتمع الظالم عند الكبر، وتظل العلاقة المتوترة بالمحيطين بهم تتفاقم حتى تصل إلى ذروتها، لأنهم يعيشون في حالة سخط على حياتهم رافضين تدوين كلمة المقابر في هويتهم الشخصية.

وترى سامية خضر أن الحل يكمن في المسارعة إلى إسكان قاطني العشوائيات، وتوفير مسكن آدمي لائق لمن لا مأوى لهم، مع إعداد برامج لتأهيل هؤلاء الأطفال اجتماعيا ونفسيا، ودمجهم في المجتمع بشكل سوي وفاعل، بإشراكهم في القضايا العامة ومحو أميتهم للتواصل مع الآخر وتغيير ثقافة العزلة والحقد المتوارثة لديهم.

وقال إبراهيم مجدي حسين، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس، لـ”العرب” إن الجريمة المتكررة التي يشاهدها أطفال المقابر ترسخ العنف في أذهانهم، وتقود مخالطة المجرمين في هذه المناطق من متعاطي المخدرات والفارين من العدالة، الطفل إلى الاعتياد على التقليد.

وشدد على أن كافة المجتمعات تعتمد على الأطفال في تنفيذ خططها المستقبلية، لذلك فإن ما يحدث يمثل خطأ فادحا في حق هذه الفئة، ولا ينتظر منهم أحد الإنصاف أو المشاركة الإيجابية في المجتمع، وأن المقابر لن تنتج غير طفلا عدواني يفتقد إلى الشعور بالعدالة الاجتماعية، فمعظمهم محبط ولا يعتد بضرورة العلم.

21