أطفال الياسمين

الخميس 2015/08/13

لا يوجد في تونس أطفال شوارع، على غرار دول كثيرة أخرى، وليس مسموحا للأطفال المبيت خارج بيوتهم أو مراكز إيوائهم، لهذا تخلو شوارع تونس تماما من الأطفال المتسولين وماسحي السيارات وبائعي المناديل وغيرها من الحرف الصغيرة التي يمتهنها القاصرون لمساعدة ذويهم أو أنفسهم في ادخار بعض المال من أجل كتبهم ومدارسهم.

طوال ثلاثة أسابيع في تونس، لم أصادف أطفالا يبيعون بضاعة صغيرة أو يتسولون، والأطفال الوحيدون الذين التقيتهم في كل مكان كانوا بائعي الياسمين.

يعترضك الواحد منهم وفي يده سلة صغيرة من سعف النخيل مليئة بالمشموم التونسي وعقود الياسمين. يقترب منك ببطء ويعرض بضاعته بلطف شديد.

والحقيقة أنني لم أعرف أن أحدد موقفا من هذا المشهد، ولا من الطفل أو بضاعته.. موقف ملتبس ومشاعر مختلطة تنتابني في هذه اللحظة. فأنا عادة لا أشتري من الأطفال أي شيء في أي بلد، وهو رفض مبدئي لعمالة الأطفال أيا كان نوع العمل الذي يقومون به الطفل.

بائع الياسمين التونسي، مراهق في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمره، مؤدب، وغير لحوح، ويحمل في يده زهورا يحبها التونسيون ويفخرون بها، وسميت باسمها ثورتهم.

وزهرة الياسمين، لمن لا يعرفها، هي زهرة صغيرة جدا ولا يمكن بيعها منفردة، لذلك يعمد التونسيون إلى رصفها في خيط لتباع على شكل عقد، يوضع في الرقبة أو في مقدمة السيارة، فيبعث رائحة مذهلة لساعات، أو يقومون بغرسها في أعواد رقيقة جدا من سعف النخيل، تجمع في شكل باقة صغيرة توضع وراء الأذن وتسمى المشموم.

معظم الأطفال الذين يبيعون الياسمين يقومون بعملية التجميع بمفردهم، وهم بالتالي فنانون موهوبون ويتقنون حرفة جميلة ودقيقة تستوجب الكثير من الصبر والذكاء.

مع ذلك، في كل مرة أمد فيها يدي لأخذ عقد الياسمين من أحدهم، أشعر بأنني أخرق قانونا خاصا بي، وأرتبك بين طفل التصق بالزهرة الصغيرة والتصقت به حتى إنك لا تتخيل اقتناءها من يد كهل أو شيخ، وبين مبادئ وقناعات إنسانية وشخصية ترفض عمالة الأطفال.

طفل الياسمين التونسي هش كزهرته، رقيق مثلها، محير، وقوي في آن، ومع أن تونس تخلو من أطفال الشوارع، إلا أن طفلا واحدا من أطفال الياسمين كاف ليبث في المدينة بأكملها رائحة غامضة ومربكة.

21