أطفال سوريون لا يعرفون طعم المثلجات والبسكويت

قصص عن أطفال لا يعرفون طعم البسكويت والمثلجات أو حتى الخبز ليست من الخيال أو من الماضي البعيد بل هي معاناة لمن ولد بعد 2012 في المدن السورية المحاصرة من قبل الجيش السوري وعاشوا في ظل نقص حاد في المواد الغذائية على مدى أربع سنوات.
الاثنين 2016/08/29
"المسبحة" بلذة الحلويات

حرجلة (سوريا) – يتفاجأ الطفل يزن عند رؤية المثلجات والبسكويت وحتى الخبز ويسارع إلى سؤال والدته عن المأكولات التي يتذوقها للمرة الأولى منذ ولادته في مدينة داريا قبل أربعة أعوام، تاريخ محصارتها من قِبل الجيش السوري.

وتروي آمنة كامل (38 عاما) والدة يزن بعد ساعات على وصولها وأسرتها من مدينة داريا إلى مركز إقامة مؤقتة في قرية حرجلة “ابني الصغير يزن لا يعرف البسكويت ولا المثلجات، وكلما رأى نوعا منها تفاجأ وفرح”.

وتقول وهي ترتدي معطفا أسود على الرغم من حرارة الطقس المرتفعة “حمل قطعة الخبز وقبّلها وفرح بالبوظة وسألني عما إذا كانت تعد من الحلويات ( أم لا)”، مضيفة بابتسامة خجولة “عندما رأى البسكويت طار عقله، لقد طار عقلنا نحن الكبار فما بالك بعقل طفل صغير”.

يزن هو أحد أطفال داريا الذين ولدوا بعد محاصرة الجيش السوري في عام 2012 للمدينة الواقعة في الغوطة الغربية لدمشق، وترعرعوا في ظل نقص حاد في المواد الغذائية والخبز على مدى أربع سنوات.

وانتقل هذا الطفل مع عائلته -شأنه شأن الآلاف من المدنيين من سكان داريا- إلى مركز إقامة مؤقت في قرية حرجلة، الواقعة على بعد نحو عشرين كيلومترا جنوب شرق داريا، بموجب اتفاق توصلت إليه الحكومة السورية مع الفصائل المعارضة في المدينة انتهى تنفيذه السبت. ونص الاتفاق أيضا على إخراج المقاتلين وأفراد من عائلاتهم إلى مدينة إدلب في شمال غرب البلاد.

وبينما كانت آمنة تتحدث، جاء يزن حاملا كيسا يحتوي على الحمص المطحون المعد للأكل ليسألها “ما هذا؟”، فأجابته “مسبّحة”، قبل أن يضيف “هل هي صالحة للأكل؟”، وعندما أومأت إليه برأسها إيجابا، ضم الكيس إلى صدره وقبّله.

وتستعيد والدة يزن بحسرة ظروف معيشتها وأسرتها طيلة السنوات الأربع الماضية في داريا؛ تقول وملامح التعب واضحة على وجهها الشاحب “كنا نأكل وجبة واحدة هي عبارة عن حساء عند مغيب الشمس ونبقى دون طعام حتى مغيب اليوم التالي”.

وتوضح “لم يكن لدينا غاز أو كهرباء.. وكان قلبي ينفطر حزنا لدى رؤية ابني جائعا وأبكي لأن لا شيء لدي لأطعمه. كان يبكي ويذهب إلى الجيران طلبا للطعام”.

وجراء كثافة القصف الذي تعرضت له المدينة، اضطرت عائلة آمنة إلى البقاء لفترات طويلة في الملجأ. وتروي كيف أنها لم تجرؤ -على غرار أمهات كثيرات- على إرسال أولادها إلى المدارس خوفا عليهم.

وعلى غرار يزن، اكتشف أطفال هدى (30 عاما) للمرة الأولى الفواكه والخضار بعدما حرموا منها خلال سنوات الحصار.

وتقول “اعترت ولديّ (3 و5 سنوات) الدهشة حين رأيا البندورة لأول مرة.. حتى أنهما أبديا استغرابهما عندما شاهدا الخبز”.

وعلى الرغم من الظروف المعيشية الصعبة، لم تكن هدى ترغب في ترك مدينتها لعدم قدرتها على تحمل أعباء استئجار منزل لكنها تقول “لم يعد لدينا الخيار الآن، فإما المغادرة وإما العيش تحت القصف”، معترفة بأنها جلبت معها البعض من حجارة داريا “كذكرى لرائحة البلد” على “أمل العودة يوما ما”.

وعلى غرار المئات من العائلات، تقيم هدى بعد خروجها من داريا في مركز إقامة مؤقت يضم أكثر من 300 وحدة سكنية، تفصلها عن بعضها البعض باحات رملية يلهو فيها الأطفال غير آبهين بأشعة الشمس الحارقة.

آمنة: ابني الصغير يزن لا يعرف البسكويت ولا المثلجات، وكلما رأى نوعا منها يطير عقله من الفرح، لقد طار عقلنا نحن الكبار أيضا

وعلى مدخل المركز، يصطف المدنيون لتعبئة مياه الشرب من خزان كبير في وقت ينهمك فيه متطوعو الهلال الأحمر العربي السوري في إفراغ محتويات السيارات المحملة بالفرش والبطانيات وصناديق من الكرتون تم توضيب المساعدات الغذائية وغير الغذائية فيها.

ولم تقتصر معاناة أطفال داريا على نقص الطعام فحسب بل تعدته إلى التداعيات النفسية جراء سماعهم لدوي القصف والغارات. ويقول عدنان نكاش (47 عاما) وهو يلف عنقه بفوطة مبللة للتخفيف من تأثير الحر “أصبح لدى ابني رهاب جراء الطائرة” موضحا “عندما يسمع صوت الطائرة يركض ويختبئ، وكذلك حال غالبية الأطفال”.

ورغم الآثار السلبية التي لحقت بكل أفراد المجتمع السوري، فإن الطفل يبقى الضحية الأكثر تأثرا، فما يشاهده سيتسبب له في آثار تخلف مشكلات نفسية وصحية ستتجلى في شكل أمراض اجتماعية، وهو ما من شأنه أن يؤثر سلبا في مستقبل الأجيال، حتى بعد وقف آلة العنف.

ويقول أخصائيون نفسيون إن تأثيرات الحرب على نمو الطفل تبدو واضحة جدا، من خلال إصابته بالتوحد والإعاقات الذهنية وسلس البول، وقد يصاب البعض بالصرع.

وتقول مستشارة الصحة العقلية والنفسية الشاملة في الهيئة الطبية الدولية انكا وايسبيكر إن الأطفال يعانون من الكوابيس، ويزداد ارتباطهم بوالديهم، ويخافون من الانفصال عنهم، كما تظهر لديهم صعوبة في التركيز والتعلم، وقد يقوم البعض منهم بعزل أنفسهم عن الآخرين!

ويروي الوالد المتعب كيف اضطر مع عائلته للمبيت داخل حفرة على مدى أربعة أشهر، ويقول “حفرنا حفرة وكنا ننام فيها نحن الثمانية.. كنا نجلس القرفصاء جنبا إلى جنب خوفا من القذائف”.

ويتابع بأسى “كانت الحياة صعبة في الداخل، كنا في جحيم. لم تبق لدينا أعصاب. بتنا نتمنى الموت.. ونحسد الموتى على وفاتهم”.

ويضيف “عذاب وقلة طعام ودواء” لافتا إلى انخفاض وزنه من 86 إلى 68 كيلوغراما.

على بعد أمتار من عدنان، شاهد إعلاميون لحظات فرح ممزوجة بالحزن عاشتها عائلات عدة بعد فراق جراء الحرب التي تشهدها سوريا منذ منتصف مارس 2011.

وتقول ولاء موسى (29 عاما) داخل إحدى غرف مركز حرجلة “اتصل بي والدي وقال إنه سيخرج (من داريا). لم أنم الليل بانتظار رؤيته بعد أربع سنوات ونصف السنة من الفراق”.

وتضيف ولاء التي تقيم مع زوجها في حي ركن الدين في دمشق منذ زواجها قبل بدء النزاع وهي تمسك يد والدها “لا استطيع وصف فرحتي.. كان ذلك حلما”.

20