أطفال عراقيون يقهرون متلازمة داون بالرياضة

مصابون عراقيون بمتلازمة داون يقهرون المرض بالنجاح في تمثيل بلادهم في مسابقات دولية عبر فوزهم بميداليات في عدد من الرياضات.
الخميس 2018/08/30
تمثيل البلاد واجب مقدس

أثبت عدد من الأطفال العراقيين من المصابين بمتلازمة داون أنهم لا يقلون شأنا وقدرةً عن أقرانهم الأصحاء في تمثيل بلادهم ورفع رايتها في المسابقات الدولية، حيث تمكنوا بفضل عزيمتهم وطموحهم الكبيرين من حصد الميداليات الذهبية والفضية في عدد من الرياضات الأولمبية، آملين في الحصول على الدعم الكافي من بلدهم.

بغداد - على الرغم من اختلاف النمو المعرفي بين المصابين بمتلازمة داون من شخص إلى آخر -إذ لا يمكن التنبؤ بمستوى قدرات المصاب عند ولادته بشكل يعتمد عليه كما لا يمكن أن يتوقع نموه المعرفي بناء على سماته الجسدية الخاصة بالمرض- أثبت عدد من الأطفال العراقيين المصابين بهذا المرض تفوقا في عدد من الرياضات مكنهم من رفع راية بلدهم في محافل ومسابقات دولية.

انتزعت هبة ميداليتين ذهبيتين في اليونان عام 2011 والولايات المتحدة عام 2015، فهذه الشابة العراقية المصابة بمتلازمة داون ترفع راية بلدها في المسابقات الدولية وتستعد الآن لدورة الأولمبياد الخاص في أبوظبي بعد أشهر.

تحرص هذه الشابة على تأمل إنجازاتها في لعبة الريشة الطائرة، محدّقة في ميدالياتها وصورها المنشورة في المجلات، قائلة “أريد أن أواصل التدريب وأحصل على ميداليات جديدة، أنا بطلة رياضية”.

وأشارت والدتها سعاد التي تواكبها باستمرار إلى أنها “كانت قبل سنوات غير مستقرة، ومتوتّرة أحيانا مع أفراد العائلة” التي تعيش في منزل متواضع في أحد أحياء العاصمة بغداد.

لكنها حين كانت في العاشرة من عمرها، تعلقت بالرياضة، بداية بكرة الطاولة التي فازت فيها بميدالية ذهبية في لوس أنجلس كسبت بفضلها منحة مالية شهرية بقيمة 600 دولار من وزارة الشباب والرياضة، قبل أن تحترف الريشة الطائرة.

وأضافت والدتها وهي تقلّب ميداليات ابنتها “بفضل إصرارها تغلبت على حالتها الصحية وأصبحت رياضية بطلة وهي عادة ما تفخر بهذا الموضوع”.

وتحلم هبة بميداليات جديدة، في انتظار الأولمبياد الخاص في عام 2019.

وإلى جانب هبة تستعدّ ضي وادي (17 عاما) لمسابقات أبوظبي، وكانت قد شاركت في الدورة السابقة التي أقيمت في الإمارة نفسها، وحصدت ميداليتين ذهبية وفضية في سباقي 25 و50 مترا، متغلبة على منافسين من 22 دولة.

وأفاد علي وادي والد ضي -موظّف متقاعد متفرّغ حاليا لابنته التي تتابع دروسها في معهد حكومي- بقوله “نأمل أن تحصد ميداليات مماثلة في بطولة العالم المقبلة ونعمل على مساندتها في تحقيق ذلك”. لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى غياب الدعم غيابا تاما.

وأضاف وادي (60 عاما) “للأسف، في معظم بلدان العالم هناك اهتمام كبير ومتنوع بهذه الفئة، لكن هنا لم تتوفر حتى سيارة خاصة لإيصالهم إلى القاعة”.

ويشكو والد هبة، صلاح أصغر البالغ ستين عاما، من غياب الدعم أيضا، في بلد أنهكته عقود من الحروب والاضطرابات، قائلا “لا يوجد أي دعم من جانب الحكومة، ولا يوجد أي علاج للأشخاص المصابين بمتلازمة داون”.

ولا تصدر في العراق أي إحصاءات عن عدد المصابين بهذا الخلل الوراثي، الذي تنتج عنه تغييرات كبيرة أو صغيرة في بنية جسم المصاب، حيث يصاحب متلازمة داون غالبا ضعف في القدرات الذهنية والنمو البدني.

رغم ذلك، عاد العراق من الألعاب الخاصة الإقليمية باثنتين وخمسين ميدالية.

ويشرف عصام الخفاجي على تدريبات الفرق العراقية الخاصة التي ترفع شعار “دعني أفُزْ، فإن لم أستطع، فدعني أكنْ شجاعا بالمحاولة”.

وقال المدرب الستيني الذي يعمل مديرا لإحدى المدارس إن “هذه الشريحة الرياضية تتمتع بإصرار كبير للتعلم والتغلب على الإعاقة الذهنية.. وتطوير قدراتها النفسية والشخصية إلى الحد الذي أصبحت تعتمد فيه على نفسها سواء في البيت أو أثناء ممارسة الرياضة”.

حصد عدد كبير من الميداليات
حصد عدد كبير من الميداليات

ومن الأمثلة على هذا الإصرار عليّ البالغ من العمر 24 عاما الذي لم تثنه عمليتان جراحيتان عن مواصلة التدريب والحصول على ميدالية ذهبية في لعبة “البوتشي” خلال مارس الماضي في دولة الإمارات. وهو اليوم يستعدّ لبطولة العالم في هذه اللعبة على أمل الحفاظ على إنجازه.

ويحاول علي الذي يتحدث بصعوبة تسهيل الشرح بالإشارة، فيشير بإصبعه إلى عينه للقول إنه حصد ميدالية خلال بطولة أقيمت في مدينة العين الإماراتية.

لكن حسين علي (20 عاما) -صاحب ذهبية وفضية في سباقات الجري- لم يتحدث عن إنجازه، بل أراد أن يرد الدين لأسرته قائلا “أمي وأبي ساعداني كي أصبح بطلا رياضيا”.

رغم هذه الإنجازات لا يشعر هؤلاء الأبطال الرياضيون وأهاليهم بأنهم مرتاحون في مجتمعهم.

وبقدر ما تعبّر سعاد، والدة هبة، عن اعتزازها بما حققته ابنتها، لا تخفي ألمها وانزعاجها مما تواجهه خارج البيت، لافتة إلى أن هناك “للأسف، في المجتمع العراقي من لا يراعي تلك الخصوصية”، مضيفة “في بعض الأماكن، يحاول البعض الابتعاد عن هبة وكأنه يخاف منها، وهي تسألني ببراءة، لماذا يبتعدون عني؟”.

وتابعت “أحيانا تبكي، لكني أقول لها: أنت أفضل منهم، أنت بطلة”.

ومع أن العيش وسط العائلة مفضل على العيش في معاهد خاصة فإن المصابين يتعرضون لمواقف من التمييز العنصري والإساءة في المحيط الاجتماعي الأوسع، ولذلك اختير يوم 21 مارس 2006 ليكون لأول مرة اليوم العالمي لمتلازمة داون ليعبر الشهر واليوم عن كون المرض تثالث صبغي (شهر 3) في كروموسوم 21 (يوم 21)، وفي الولايات المتحدة تقيم الجمعية الوطنية لمتلازمة داون شهر متلازمة داون كل أكتوبر لتبديد الصورة النمطية عن المرض وزيادة الوعي به، كما أن بعض المنظمات مثل أولمبيات هاواي الخاصة تقدم تدريبا رياضيا لذوي الإعاقات الذهنية ومنهم المصابون بمتلازمة داون.

20