أطفال في كابول يقضون مضجع طالبان بأنغام الموسيقى

الموسيقى علاج للروح والجسد وهي علاج للأفكار المتطرفة أيضا، فعشاق الموسيقى يقبلون على الحياة ويعزفون الفرح والبهجة بعيدا عن كل الأفكار الظلامية التي تحارب الحياة بحجج واهية، ومثال ذلك المعهد الوطني للموسيقى في كابول الذي اختار أن يعلم العشرات من الأطفال ألحان الأمل والحياة.
الثلاثاء 2016/01/05
"تعويذات موسيقية" لطرد التطرف

كابول- تعتبر مهنة الموسيقى، وخاصة القائمين عليها، من الأمور التي لا تحبّذها حركة طالبان التي بدأت تستعيد سيطرتها مجددا على العديد من المناطق في أفغانستان، حيث يمنع الغناء والرقص حتى في الأفراح. وكان نظام طالبان يمنع حتى سقوطه في العام 2001 الموسيقى في جميع أنحاء البلد الآسيوي، بحجة أنها مخالفة لتعاليم الإسلام، إلا أن أحمد صرمصت مثل استثناء، حيث صمد ودافع عن هوايته بشراسة.

وأحمد صرمصت، هو مؤسس ومدير المعهد الوطني للموسيقى، الذي يدرس فيه قرابة 170 طفلا بعمر العشر سنوات مقطوعات من الموسيقى الأفغانية الفلكلورية التقليدية جنبا إلى جنب مع الموسيقى الكلاسيكية الغربية. وتستغرق الدراسة في المعهد عشر سنوات، ويوجد بين الطلاب الكثير من الإناث، وهو أمر لا يزال نادر الحدوث في أفغانستان.

ومن المقرر أن يعزف عشرة من تلاميذ صرمصت في برلين، بمناسبة مرور قرن على تأسيس العلاقات الألمانية الأفغانية، بالإضافة إلى احتفالية أسبوع الثقافة الأفغانية في ألمانيا. وسوف يعزف التلاميذ الأفغان مع نظرائهم من مدرسة فرانز ليخت فيمار العليا، والتي تتعاون معها مدرسة صرمصت منذ أكثر من أربع سنوات.

بدوره يوضح تياجو دي أوليفيرا بينتو، مدير قسم الدراسات الموسيقية بين الثقافات في ويمر قائلا “انبهرنا منذ أول لقاء جمعنا بالسيد صرمصت وإنجازه الرائع في أفغانستان وسط كل هذه الظروف الصعبة”.

جدير بالذكر أن مدرسة صرمصت تضم حاليا في كابول أوركسترا سيمفوني كامل يضم آلات الفيولين (الكمان) والفيولا (الكمان المتوسط) والتشيللو، بحسب وصف تياجو أوليفيرا الذي تحدث عن مدرسة صرمصت بحماس بالغ، موضحا أنه “علاوة على ذلك فإنهم يعلّمون الموسيقى الفلكلورية التقليدية، وهذا أمر غير شائع على الإطلاق في معاهد الكونسرفتوار الآسيوية بصفة عامة. ما يحدث هناك أنهم كثيرا ما يشمخون بأنوفهم تأففا من ثقافتهم الموسيقية التقليدية”.

ولهذا يؤكد تياجو أن مدرسة صرمصت تعد “أفضل معهد موسيقي متخصص في جميع أنحاء البلاد. نحن في ويمر نساعدهم في إعداد برامج مقررات الدراسة الأكاديمية، ونقدم لهم أحيانا دورات للبحث والتوثيق من أجل الحفاظ على موسيقاهم التراثية الشعبية”.

ويعتبر المعهد الوطني الأفغاني للموسيقى مثالا حيا لقصص النجاح في بلد تعز فيه نماذج النجاح، حيث يدرس الطلاب في مبنى قديم متهالك من طابقين، يقع غرب العاصمة كابول، ويحظى بدعم من البنك الدولي وبعض المساعدات المقدمة من جانب الحكومة الألمانية.

وتتركز الدورات والمناهج الأكاديمية على تعليم العزف على الآلات الموسيقية، ومن بينها الكلاسيكي الغربي مثل البيانو والكمان، والبعض الآخر أفغاني شرقي مثل الرباب “آلة وترية” أو الطمبورة المسمّى “الدهلة”. ويمكن للطلاب اعتبارا من السنة الثانية، الاختيار بين واحدة من الآلات الغربية، البيانو أو الكمان وواحدة من الآلات الشرقية، الرباب أو الطبلة.

يذكر أن صرمصت هو نجل موسيقار شهير ويطلق عليه “منقذ الموسيقى الأفغانية”. فعند انطلاقه في جمع المال لصالح المدرسة في العام 2008، أدرك أن ميزانية إعادة إعمار البلد الآسيوي والتي تقدر بالمليارات، تجاهلت تماما كل ما يتعلق بالثقافة العريقة للتراث الأفغاني. ومن ثمة فقد ظلت الحرف اليدوية التقليدية تعاني، ومنها الغزل والنسيج وفنون الصياغة وصقل الأحجار الكريمة، فضلا عن فنون الحكي الشعبي والشعر والموسيقى، حيث لا تحظى بأي اهتمام أو رعاية لإحيائها سوى من جانب بعض المنظمات غير الحكومية. ويؤكد الدكتور أحمد صرمصت أن “الموسيقى الأفغانية تحتاج إلى الرعاية والاعتناء وإلا فإنها ستموت وتندثر”.

ولحسن الحظ، نجح صرمصت في الحصول على دعم مكنه من أن يصمد، وبفضل هذا الدعم استطاع طلاب المعهد في السنوات الأخيرة تقديم عدة حفلات داخل أفغانستان وخارجها ضمن مراكز ثقافية هامة في أكثر من عشرين دولة، يذكر من بينها مركز كينيدي بواشنطن في الولايات المتحدة.

ويقول أحمد صرمصت مدير المعهد الوطني الأفغاني “كل جولة فنية لنا في الخارج تعد بمثابة مهمة رسمية تؤكد أن البلد الآسيوي يشهد باستمرار تحولات إيجابية هامة”. وجدير بالذكر أن العازفون الصغار، سواء في الخارج أو في الداخل، يحيون حفلاتهم بلباس الزيّ الإسلامي الأفغاني (الخمار)، ولكن بوجه مكشوف وثياب فضفاضة.

20