أطفال لاجئون لديهم القدرة على منح الحب رغم الأسى الذي يعيشونه

السبت 2015/01/10
صور من يوميات اللجوء السوري في لبنان

بيروت- حين قابلتهم للمرة الأولى، كنت أحاول جاهدة أن أخفي ارتباكاً أعرف كنهه، هو مزيج من الحزن والألم والشفقة مع خوف من الفشل، في تجربة غريبة عليّ، هم أطفال لاجئون، هربوا مع أهلهم من سوريا، يحملون ذكريات بيوتهم ومدارسهم وأصدقائهم، يتشابهون فيما آلت إليه أوضاعهم، من فقر وبؤس وتشرد، ويتم في بعض الأحيان.

ما لبث أن تبدد ارتباكي سريعاً، فللوهلة الأولى وحتى العشرين ربما، لا تجد أمامك سوى أطفال عاديين، لا يبدو عليهم ما يوحي بالحزن أو اليأس، بل خليط من الفرح والشغب والضحك، وكل ما يكون عليه الأطفال في المدرسة، وهكذا بدأنا، أنا وهم، آتي كل يوم صباحاً فأجدهم بانتظاري، أقول: “صباح الخير”، فيردون بصوت واحد “صباح النور”، نعد الأرقام من الواحد إلى العشرة، ثم نزيد عليها واحداً بعد آخر، ونتعلم الألف – باء، كان البعض يدخل المدرسة لأول مرة، والبعض الآخر انقطع عنها لعامين على الأقل، بسبب الأوضاع في سوريا، ونسي ما تعلمه.

لا ينقصهم الذكاء ولا النباهة، ربما ينقصهم اهتمام أهلٍ آخر همّهم في هذه الأيام الصعبة، ما يشعر به أطفالهم، إلا أن الحلم جمعهم، آدم يريد أن يصبح رائد فضاء، ولؤي مهندس كمبيوتر، وفاطمة طبيبة، وعثمان “غني”، واقعهم مرير ويعون تماما، رغم طفولتهم، أن لا سبيل لحياة أفضل إلا بالعلم.

وفي الأعمار الأكبر تطغى المرارة على الحلم، معاذ عمره اثني عشر عاماً، ذكي جداً، كنت أشرح له أفكاراً صعبة وهو يتابع معي، مهذّب ونظيف ومرتب، عمل بمطبعة مدة شهرين، وأعطبت الآلة إصبعه، ولم يحصّل من أجره إلا القليل، غاب فترة عن المدرسة لأن الحافلة لا تمر أمام منزله مباشرة، ولم يرض أباه أن يمشي معاذ خطوات معدودة، سألته ماذا ستصبح حين تكبر؟ قال: “لا أعرف، ربما فاشل، ليس لدي أمل”، معاذ لم يعد يأتي إلى المدرسة، لأن أباه أعاده للعمل.

البعض يدخل المدرسة لأول مرة، والبعض الآخر انقطع عنها لعامين، بسبب الأوضاع في سوريا، ونسي ما تعلمه

هشام أيضا لا يملك أملا بالمستقبل، ويرى نفسه دهاناً، باعتباره الآن “أجير” دهان. في الصيف غاب عن المدرسة، سجل في الجامع ليتعلم الدين، ولا يستطيع التراجع لأنه دفع رسم التسجيل، مدرستنا مجانية وتقدم الطعام مجاناً لكن لا تدرّس الدين، طعام بسيط مؤلف من عجائن بالزعتر أو الجبن، مغرٍ للأطفال الجائعين، وحدث في رمضان أن قال أحد الصغار لرفيقته: “أنا صائم”، فردت الصغيرة: “لا يا “أهبل” صم فقط في يوم العطلة، أما في المدرسة فهناك مناقيش”.

فارس يبيع المناديل الورقية في شوارع بيروت بعد حصة المدرسة، لذا كان لا يلعب أثناء الفرصة، بل يكتب الوظائف، وخجل حين قال أحدهم بصوت عال: “آنسة، فارس يبيع المناديل”، لكن صديقه سارع: “ما بك؟ لا تخجل، أنا أبيع البالونات”. قلت: ضعوا “أحسن” في جملة، قال خليل: “ما أحسن وجه أمي”. في كل مرة يخرج خليل إلى السبورة، أملي عليه أرقاما ليكتبها، يحتاج وقتاً طويلاً، وأقترب لأكتبها بدلا ً عنه، يقول: “لا آنسة خطي أجمل من خطك”. قلت: “من يقرأ موضوع التعبير؟” قال خليل راجياً: “أنا”. قال الأطفال: “أخته إنعام تكتب له”.

قام خليل وقرأ موضوعاً جيداً مترابطاً لا يتناسب مع إمكانياته، قلت: “خليل قراءتك ممتازة وكتابة إنعام ممتازة أيضاً”. قال خليل مستهجناً: “لا والله ليست إنعام من كتبه، والله العظيم أمي التي كتبته”.

حسين وأحمد وحسن توأم، وفي الصف أيضاً إخوتهم محمد وريم، وهم جزء من عائلة تضم ستة عشر أخا وأختا، يمتاز حسين وأحمد بذكاء خارق، ورغم الخلافات التي تحصل فيما بينهم، إلا أن حسين يغافلني ليكتب الإملاء لإخوته بسرعة قبل أن آخذ الأوراق، وإن ناديت أحد منهم إلى اللوح لحل تمرين ما، لا بد من قدوم الباقين لمؤازرته، وحين أحضروا أختهم الصغيرة زينب ذات يوم، تناوبوا على الجلوس على الأرض لتجلس هي على المقعد.

الأخت الكبيرة مريم أم لأخوتها، قررت التوقف عن القدوم إلى المدرسة، علمت أنها ستذهب للعمل في معمل، وأختها الأصغر في بقالية، وأخوها لدى بائع المناقيش، بقي إخوة اثني عشر، أعمارهم دون العاشرة، بلا عمل، وواحد على الطريق “تأتي رزقته معه”.

في الشتاء وعند اشتداد البرد استأجر الأب ثلاثة أغطية لمدة أسبوع، واستمر البرد ثلاثة أشهر، والأطفال يرتدون ثياباً بالية رثة، ومع نهاية الشتاء بالكاد أصبح لدى كلٍ منهم “كنزة” يتيمة، بقي بعضهم يرتديها رغم حر الصيف، وبعضهم الآخر يلبس مما تيسر، ونظرا إلى عدم وجود براد في المنزل مرت الجرذان فوق طعامهم، وتسمموا بالتتابع، ثم تعافوا ليستقبلوا أخاهم السابع عشر.

في الصف قال شهاب: “أنا لم أكتب الوظيفة لأني خرجت للعمل، ولم أعد حتى الليل.. أخرج للعمل كي أساعد أبي، هو يعمل لدى بائع الدجاج وأنا بقربه أبيع البالونات. أبي رجل جيد جداً، يفي بوعوده لنا، في سوريا كان لدينا “أتاري”، تركناها مع ما تركنا من أغراضنا، وعدنا أن يحضر لنا هنا بدلاً منها “كمبيوتر”، وصدق وعده، صحيح أن “الكمبيوتر” الذي جلبه لنا مستعمل، لكن لا بأس، ووعد أمي بهاتف يعمل على اللمس، وهو الآن يدّخر نقوداً ليحضره لها، لأن أمي أيضاً تستحق”.

آدم يريد أن يصبح رائد فضاء، ولؤي مهندس كمبيوتر، واقعهما مرير ويدركان أن لا سبيل لحياة أفضل إلا بالعلم

قالت نور: “لم نكن نريد الخروج من قريتنا، لكن برميلا سقط فوق منزل جيراننا وأودى بحياة العائلة كلها، خفنا وهربنا وجئنا إلى هنا، الحمد لله لم يمت أحد من عائلتنا، فقط عمي لا نعرف مكانه، وزوجته وأولاده هنا أيضاً، أبي وعمي الثاني يتقاسمان “بالدور” مصروف عائلة عمي”. قلت وهل يعمل أبوك؟ “نعم الحمد لله، لديه عربة يبيع عليها نعال”.

قالت ريان الصغيرة: “اقتربي قليلاً مني أريد أن أهمس في أذنك، لكن عديني ألا تخبري أحداً بما سأقول، أمس أكلنا لحمة”. قلت: اكتبوا ماذا ترغبون، أي شيء يخطر ببالكم. معظمهم كتب: أرغب أن أعود إلى سوريا كتب عبداللطيف: أرغب أن أعيش مع أمي. سألته أين أمك؟ قال: في تركيا مع زوجها وأنا مع جدتي هنا. قلت له: ألا تكلمك في الهاتف، أجاب: “لا، لا توجد شبكة”.

محمد طفل هادئ وسيم ومرح، يبدو عليه النعاس دائماً، يبيع الورود في شارع الحمرا، ويعود لبيته آخر الليل، سألته: لمَ تتأخر؟ قال: في الليل يعطيني المارة نقوداً أكثر، في إحدى المرات، أعطتني امرأة خارجة من البار مئة دولار، لكن كثيراً ما يلحق بي أولاد كبار، وأنا عائد إلى البيت ويضربونني ويأخذون كل ما معي من نقود، أنا أشتري الوردة بـ1000 ليرة وأبيعها بـ1500 أو 2000 “الدولار الواحد يعادل 1500 ليرة”، لأساعد أمي، هي تعمل في تنظيف البيوت لتدفع أجرة البيت، ولا يبقى معها ما نعيش به، لكن والله يا آنسة إن رأيتك ذات مرة في الطريق فسأهديك الزهور كلها مجاناً.

قضيت في تعليم هؤلاء الأطفال ثمانية أشهر، استحوذوا خلالها على تفكيري، ورغم معاناتهم، تعلمت منهم كيف يولد الأمل، فمع كل الأسى الذي يعيشونه، لديهم القدرة على منح الحب والحنان. ولن أنسى عيد ميلادي، وهم يغنون لي بحب أغنية عيد الميلاد، أما ورقة برهوم المطوية التي يعطيها لي وهي مليئة برسوم لقلوب وأزهار، فكانت جديرة بأن تملأ نهاري سعادة.


من يوميات التطوع بمركز جسور التعليمي في بيروت، لبنان، في الفترة ما بين أكتوبر 2013 ويونيو 2014.

21