أطفال متعاونون.. حلم الأم الدائم

الأطفال عند مساعدتهم في تنظيف المنزل فإنهم بذلك يتصرفون ضد غريزتهم الطبيعية وهي الميل إلى إحداث الفوضى.
الأحد 2018/07/29
قدرة وكفاءة

لا شك أن للأطفال في البيت دورا كبيرا يجب عليهم تعلّمه من الوالدين، مثل قيمة النظام والنظافة والتعاون والاحترام وتنظيم الوقت والاعتماد على النفس والمبادرة إلى القيام بأعمال المنزل وغيرها من القيم المهمّة، وترغب جميع الأمهات في مساعدة أطفالهن في المنزل لتخفيف عبء الأعمال المنزلية التي لا تنتهي، والتي تتضاعف في حال عدم مبالاة الأبناء وإحداث الفوضى دون تقديم المساعدة.

تقول عواطف حلمي، ربة منزل وأم لثلاثة بنات تزوجن، “لقد كنت أعيش في مأساة مع بناتي الثلاث فلا واحدة منهن كانت تساعدني في شيء.. كنت أشفق عليهن أيام الدراسة وأقوم بإعداد الوجبات بنفسي وأحضر لهن أكواب الشاي أثناء المذاكرة وأخرج للتسوق والقيام بأعمال البيت من نظافة وتنظيم وطهي الطعام، وكان زوجي رحمه الله يعترض على طريقتي ويتهمني بأني أفسدت البنات بالمبالغة في الحنان، وكان صادقا فكل واحدة عندما تزوجت كانت فاشلة في البيت، ومازلت أعاني من مشاكلهن الكثيرة حتى بعد أن تزوجن جميعا”.

وأفاد رأفت المليجي، خبير اجتماعي ومحاضر بالجامعة، “كنت حريصا على أن  يكون لأبنائي دور في التعاون داخل المنزل واستطاعت زوجتي أن تغرس في أذهانهم قيمة الاعتماد على النفس والتعاون والمشاركة الفعالة في أعمال المنزل، والحمد لله أبنائي صبيان وحتى الآن يقومون بإعداد بعض وجبات الغداء إذا كانت أمهم مريضة أو متعبة”.

وأضاف “لكن أود أن أشير إلى الحالة التي عليها أبناء الأسر وبناتها هذه الأيام، فهن لا ينمن طوال النهار ويسهرن كامل الليل حتى الصباح مع الإنترنت ومواقع التواصل والحوارات السخيفة والتعليقات التي بلا معنى.. الكثير من أبناء أصدقائي وأبناء العائلة بهذه الصورة السيئة، فأين التربية وأين دور الوالدين؟ لا أدري! كما أن جلوس الشباب طوال الليل أمام القنوات الفضائية كارثة أخرى”. ويقول صفوت الساعاتي، أستاذ الطب النفسي بالمركز التربوي للبحوث بالقاهرة، “إننا بصدق في حاجة إلى أن نعلم أطفالنا أن يعملوا بسرعة وكفاءة، لكي يتعودوا على أن يتجنبوا قضاء المزيد من الوقت في مهمة لا تحتاج إلى مقدار كبير من الوقت، ولكي يتعلموا أن ينهوا مهماتهم في أسرع وقت ممكن ويتحولوا بعد ذلك إلى شيء آخر أكثر تشويقا وإمتاعا. ينبغي علينا أن نعتبر العمل المنزلي صيانة لازمة وضرورية للحصول على بيئة نظيفة ومنظمة وهادئة تمارس فيها أنشطة ذات مغزى، ويتعلم الأطفال ذلك من الوالدين اللذين يتسمان بالنشاط ويحافظان على نظافة المنزل ونظامه”.

وأشار إلى أنه عندما تحدد للطفل مهمة لكي يقوم بها، فلا تسمح له بالتراجع عن أداء هذه المهمة بعد أن يبدأ فيها بالفعل، ويمكن مساعدة الطفل على الإقلاع عن عادة التراجع عن أداء المهام الموكلة إليه، ويتم ذلك بواسطة التدريب الشامل. ومن ناحية أخرى لا تشجع الطفل على التراجع عن أداء المهام التي كلف بأدائها عن طريق متابعته وملاحقته بصورة مستمرة أثناء أدائه لتلك الأعمال؛ فالأطفال في حاجة إلى أن يدركوا أن الأعمال التي يكلفون بأدائها هي مسؤوليتهم الخاصة.

وينصح صفوت قائلا “امنح طفلك الفرصة لكي يجرب ويحاول بمفرده ويقع في الأخطاء، فالأطفال يتعلمون أكثر عندما تترك لهم الحرية للوقوع في الخطأ أو لتطوير أساليبهم الخاصة لفعل الأشياء، فعلى سبيل المثال تستطيع الطفلة أن تتعلم الطهي بسهولة إذا منحتها والدتها الفرصة لكي تجرب وتحاول وترتكب بعض الأخطاء، ففي المرات الأولى قد تضع الطفلة مقدارا من الملح زائدا على الحد المطلوب، ولكنها سوف تتعلم في النهاية المقدار المناسب من الملح الذي تضعه على الطعام، وهكذا تستمر الطفلة في التجربة والمحاولة حتى تصبح طاهية ماهرة”.

المساهمة في أعمال المنزل تكسب الأطفال الثقة بأنفسهم
المساهمة في أعمال المنزل تكسب الأطفال الثقة بأنفسهم

ومن المستحسن أن يستعمل أسلوب الالتماس عند تكليف الطفل بأداء عمل معين بدلا من اللجوء إلى الأمر. وتهيئة الظروف المناسبة له والتي تساعده على أداء العمل الموكل إليه، ويمكن منح الطفل جائزة لتشجيعه إذا ما أدى عمله بسرعة وكفاءة.

ونبه إلى أن هذه الأساليب تحتاج إلى قدر كبير من الوقت والجهد، ولكن فائدتها عظيمة جدا، فهي تساعد على إبقاء المنزل نظيفا دون الحاجة إلى إلقاء كل العبء على الأم، كما أنها تساعد أيضا على إكساب الأطفال الكفاءة والمقدرة على الإسهام في الأعمال المنزلية، مما يعتبر عاملا مهما أيضا في إكساب الأطفال الثقة بأنفسهم.

ومن جانبه يرى حسن إبراهيم، أستاذ علم الاجتماع، أن فكرة أن يشارك ابنك أو ابنتك في أعمال المنزل والتعاون تصبح سمة رئيسية داخل الأسرة، وهي فكرة تربوية اجتماعية جديرة بالاعتبار، لذلك ينبغي أن يتم تقييم كل طفل في المنزل تبعا للنمو والشخصية بالإضافة إلى السن، فعلى سبيل المثال قد تستطيع طفلة في سن الثالثة أن ترتب سريرها، وقد لا تستطيع أي من أخواتها أن تفعل ذلك في مثل هذه السن الصغيرة.

والأطفال الصغار على وجه الخصوص يحتاجون إلى إشراكهم في الأعمال المنزلية، فالكثير من الأطفال البالغين من العمر أربع سنوات يستطيعون أن يرتبوا الفراش وأن يحافظوا على نظافة حجراتهم ونظامها وأن يعدوا المائدة وينظفوها وأن يساعدوا في ترتيب الملابس وتسويتها.

ويضيف إبراهيم “لو استطعنا أن نشعر كل طفل أو طفلة من أفراد الأسرة بأنه القائد أو المدير لهذا البيت، فسوف يعزز ذلك قيمة الثقة بالنفس وإتقان العمل، ولذلك علينا مساعدة أطفالنا فهم مثلا في حاجة إلى معرفة مكان الأدوات المنزلية اللازمة لأداء تلك الأعمال، وفي حاجة أيضا إلى معرفة كيفية استخدام هذه الأدوات، وتدريب الأطفال على استخدام هذه الأدوات يتطلب التكرار والصبر”.

وبيّن أن الأسلوب الأمثل لتدريب الطفل على أداء أي عمل منزلي هو أن تعلمه كيف يؤدي هذا العمل ثم تتركه يؤديه، وبعد أن ينهيه تقوم أنت بفحص العمل ثم تحتضن الطفل لتهنئه على نجاحه في أدائه.

وعندما يساعد الأطفال في تنظيف المنزل وتنظيمه، فإنهم بذلك يتصرفون ضد غريزتهم الطبيعية، وهي الميل إلى إحداث الفوضى والاضطراب وليس التنظيم والتنظيف.

21