أطفال مصريون ينتحرون والمجتمع في دائرة الاتهام

كشفت إحصائية حقوقية مصرية عن وقوع 22 حالة انتحار بين الأطفال من الإناث والذكور خلال الشهور الستة الأولى من العام الحالي، أغلبهم ممن تتراوح أعمارهم بين 16 و18 سنة.
السبت 2015/06/13
اضطرار الأطفال إلى العمل وتقليد الدراما أهم الأسباب

ذكرت الإحصائية الصادرة عن المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة، أن 9 أطفال انتحروا، نتيجة أسباب أسرية واقتصادية مقابل 6 أطفال أقدموا على إنهاء حياتهم لأسباب نفسية، وبلغت نسبة الإناث منهم 32 بالمئة أي ما يقارب الثلث.

ووصف حقوقيون مصريون معنيون بالطفولة الإحصائية بالخطيرة، مؤكدين أهمية التعامل مع دلالاتها بشكل سريع، للقضاء عليها قبل أن تتفاقم ويصعب السيطرة عليها، وأنه لابد من تضافر جهود جميع المؤسسات الحكومية والأهلية لوضع حلول جذرية تحول دون تكرار هذه المأساة، على أن يكون الدور الأكبر على الأسرة ذاتها.

وقالت عزة العشماوي الأمين العام للمجلس القومي للطفولة والأمومة لـ “العرب” إن انتحار الأطفال في سن المراهقة يأتي نتيجة ضغوط نفسية وعصبية وتعرضهم للتعنيف بصفة مستمرة، لذلك يلجأ الطفل إلى الانتحار هربا من واقع أليم لا يحتمله ويرفض الاستمرار فيه.

وأضافت أن علاج هذه المسألة يتطلب توافر وسائل علمية ونفسية جيدة، تبدأ مع الفئة العمرية من الأطفال في سن المراهقة عن طريق المدارس وأولياء الأمور والدعوة إلى الحوار معهم في كافة الأمور، بعيدا عن العنف الذي يسبب للطفل ضغطا نفسيا كبيرا يجعله يلجأ دائما إلى التخلص من هذه المعاملة بالتفكير في الانتحار.

وأشارت إلى أن الإعلام له دور كبير في هذه القضية من خلال النصح والإرشاد للأبناء وأولياء الأمور وتقديم دروس علمية تحدث عملية توازن مع الصورة السلبية التي تظهر في الدراما والسينما، خاصة مشاهد العنف المتزايد التي تنتشر في بعض الأفلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، مما يجعل الطفل يلجأ إلى العزلة، خصوصا أن بعض الأسر لا مجال لديها لممارسة أنشطة أخرى مثل الرياضة والموسيقي لإخراج الطفل من حالة الملل واليأس والإحباط.

العشماوي اعتبرت أن لجوء الطفل إلى العزلة يسبب له حالة من الاكتئاب، قد تجعله يفكر في التخلص من حياته، نظرا إلى تكرار تفكيره في الأفعال التي يراها أحيانا في المسلسلات والأفلام وبعض البرامج التليفزيونية وأحيانا المدرسة، مشيرة إلى أن المناخ الأسري له دور كبير في علاج هذه المشكلة بتوفير الظروف الصحية والعمل دائما على الاندماج في الحياة المجتمعية بصفة مستمرة، وبهذا يبتعد الطفل المراهق عن فكرة الانتحار.

وحسب الإحصائية الحقوقية، بلغ عدد الأطفال المنتحرين نتيجة أسباب غامضة 5 حالات، مقابل حالة واحدة نتيجة تقليد الأفلام الكرتونية، فبعد أن شاهد أحد الأطفال فيلما كارتونيا عن الرجل العنكبوت “سبايدر مان” حاول تقليده، مما أدى إلى مقتله. وهناك حالة لطفل كان يعاني من إعاقة دائمة مع ارتفاع تكاليف العلاج وعدم مقدرة الأسرة على توفيرها، وهو ما دفع الطفل إلى الانتحار، كما بلغ عدد الأطفال المنتحرين نتيجة أزمات ومشاكل نفسية إلى 6 حالات، فيما انتحر 9 أطفال نتيجة أسباب أسرية واقتصادية.

عزة العشماوي: انتحار الأطفال في سن المراهقة يأتي نتيجة ضغوط نفسية وعصبية وتعرضهم للتعنيف بصفة مستمرة

وقال سعيد عبدالعظيم أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة لـ “العرب” إن انتشار حالات الانتحار بين الأطفال في سن المراهقة يأتي نتيجة لأمراض نفسية واضطرابات مزدوجة ما بين “الهوس والاكتئاب والفصام”، وهو ما يمهد الظروف المواتية للانتحار، نتيجة خلل في الحالة المزاجية، معتبرا أن هناك عوامل بشرية مثل الظروف الاجتماعية من أحوال معيشية خاصة حالات الفقر تؤدي أيضا للانتحار المبكر بين الأطفال، في ظل الظروف الصعبة التي يعيش فيها الطفل، وعدم قدرة أسرته على تحقيق متطلباته.

الإعلام له دور سلبي في تكريس ثقافة الانتحار، في رأي الدكتور سعيد، عبر ما يشاهده الطفل في الدراما والسينما، لاسيما قبل سن العاشرة، مما يدفعه إلى اللجوء إلى العنف عند سن الـ18، وهنا يكون دور الأسرة مهما للغاية في توجيه النصائح دائما للطفل وعدم تركه فريسة للدراما توجهه كيفما شاءت، وهو خطأ تربوي يساعد على الانتحار نتيجة تقليد ما يشاهده من أفلام ومسلسلات.

ويبقى من أهم عوامل تكرار ظاهرة انتحار الأطفال في البيئات الفقيرة إدمانهم على مخدرات في سن مبكرة، نتيجة خروجهم إلى العمل لمساعدة أسرهم، مما يوقعهم في شراك تعاطي المخدرات والحبوب في سن صغيرة ويمهد للعزلة والانتحار.

أما عن التوزيع الجغرافي لانتحار الأطفال، حسب الإحصائية، فقد شهد ريف مصر أكثر الحالات نتيجة لما يعانيه من تدن في مستويات الخدمات وارتفاع مستوى الفقر، مقارنة بالأماكن الحضرية، وبلغت النسبة في الريف 68 بالمئة مقابل 32 بالمئة فقط في الحضر.

وأكدت هناء أبوشهدة أستاذة علم النفس والاجتماع بجامعة الأزهر أن الاكتئاب من أهم العوامل التي تدفع الطفل إلى الانتحار في سن المراهقة بسبب ظروفه الصعبة التي يعيشها، سواء كانت اجتماعية أو دراسية مع تعرضه للعنف، مما يفقده الرغبة في الحياة.

عمليات المحاكاة والتقليد لما يراه الأطفال سواء في الشارع أو على الشاشات سبب آخر للانتحار كما حددت الدكتورة هناء، وذلك نتيجة رغبة الطفل في تقليد ما يراه ويتأثر به، والسبب الرئيسي في ذلك هو غياب التوعية، لافتة إلى أن المناخ الأسري الذي يوفره أولياء الأمور الواعون يساعد كثيرا في الحد من انتشار حالات الانتحار.

وشددت على ضرورة تفعيل الرقابة التربوية وإعطائها دورا أساسيا في هذه المواجهة وكيفية التعامل مع الظاهرة، من خلال توفير مناخ أسري مناسب، مع تجنب اللجوء إلى العنف في توجيه الأطفال، وإنما التعامل معهم بحرص.

21